صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 15

الموضوع: معلومات عن النبك

  1. #1
    أنعم وأكرم الصورة الرمزية ملك النبك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    37

    افتراضي معلومات عن النبك

    السلام عليكم



    كانت النبك حتى منتصف القرن التاسع عشر قريةً كبيرة أو بلدة صغيرة واقعة على بعد 79 كيلو متراً شمالي دمشق , في منتصف الطريق بينها وبين حمص وفي طرف صحراء سورية , على نَبْكٍ (( والنَبْك : جمع نَبَكة أي التل . والمعنى أن المدينة بُنيت على تلال صغيرة . لذلك سميت بالنبك )) متلاصقة ترتفع 1400 متر عن سطح البحر


    وكان يسكنها إذ ذاك زهاء ثلاثة آلاف شخص من المسلمين الشافعيين , تكاد لا تجد بينهم أكثر من عشرين بالمئة يقرأُون قراءة بسيطة . وخمس مئة نسمة من السريان والروم الكاثوليك معظمهم يقرأون ويكتبون قراءةً وكتابةً بسيطتين


    تطل بيوتها شمالاً على سهل فسيح , وتحيط بمساكنها من الشمال والشرق جنائن وبساتين وكروم تُسقى من نهرها المشهور بعذوبة مائه وبرودته وصفائه , الذي لا يزيد وزنه عن 16 بميزان المياه . ويأتيها هذا الماء بقناة آرامية على قول البعض , ورومانية على زعم غيرهم . وفيها آبار عديدة إلى الجنوب الغربي منها . وهي مشهورة بجودة مناخها وطيب هوائها البارد الجاف جداً . لذلك قلّما تجد بين أهلها إنساناً ذا صوت رخيم . كما أنك لا تجد بين نسائها إمرأة ذات شعر ناعم طويل . بل إذا جاءت إمرأة غريبة فلا يمر عليها سنة أو سنتان حتى يتقصف شعرها ويصبح قصيراً خشناً





    صيفها لطيف لا يعرف الحر إلا قليلاً . وشتاؤها بارد قارس إلى درجة قصوى , تسقط فيه الحرارة أحياناً إلى الدرجة 20 سنتغراد تحت الصفر, ولا ترتفع في الصيف إلى أعلى من 29س فوق الصفر إلا نادراً جداً . لكن بردها مع شدته خالٍ من الرطوبة لا يُخشى منه ضررٌ . ولقد تغنى به أحد :الشعراء فقال



    إذا هاجت الرمضاء ذكراك بردت حشايَ كأنِّي بين قارةَ والنبـكِ





    :ويقولون أن الشيخ عبد الغني النابلسي لما مرََّ بها أثناء رحلته الشامية 1693م ( 1105 هـ) قال





    خليلي خلِّنـا نبــكي بـنـبـكٍ لأن قـعــودنـا فـيهـا قـلــيــلُ


    فواكهها إذا حملت وطابت بأرض الشام ليس لها مثيلُ


    فمنطق أهلها لغوٌ صريـحٌ كذاك بمائها يُشفى الـعـلـيـلُ





    :وكذلك يقول الناس في هذه البلاد بلغتهم العاميَّة





    ما بين قارة والنبــكِ بنــات الملوك تبكــي
    وهادي معلومات عن مدينة النبك الغالية


  2. #2
    أنعم وأكرم الصورة الرمزية SSلؤلؤة الشامSS
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    السعودية
    الجنس
    انثى
    المشاركات
    809

    افتراضي

    شكراً على هالمعلومات اخ ملك النبك

    تحياتي لك
    تقبل مروري

    تخيل .. أنك واقف يوم القيامة وتحاسب ولست بضامن دخول الجنة
    وفجأة .. تأتيك جبال من الحسنات , لا تدري من أين !
    من الاستمرار بقول :- ســبـحـان الله وبحمده ســبــحـان الله العظيم

  3. #3
    أنعم وأكرم الصورة الرمزية ملك النبك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    37

    افتراضي

    مشكووووورة لؤلؤة لمشاركتك


  4. #4
    أنعم وأكرم الصورة الرمزية ملك النبك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    37

    افتراضي

    السلام عليكم
    في بعض الناس بشوفو الموضوع طويل ما بقرئوه
    هوي في العكس الموضوع الطويل بكون فيو معلومات اكتر وبتستفيد
    منه و الموضوع القصير ما بتفهم منه شي اما هاد ففيه معلومات عن بلدك
    والسلام عليكم


  5. #5
    أنعم وأكرم الصورة الرمزية خالد النفوري
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    الدولة
    النبك
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,462

    افتراضي

    السلام عليكم

    شكراً أخي ملك النبك لما أوردته عن بلدنا الحبيبة

    و هو من كتاب طرائف الأمس غرائب اليوم
    للمؤلف يوسف خنشت

    و لاكتمال الصورة أرجو الإطلاع على كامل ما ورد فيه من هذا الرابط


    http://www.nabk.org/book.html

    -----------------------------

    * * *
    هل صليت قبل فتح النت ؟
    تقبَّل الله

    * * *

  6. #6
    أنعم وأكرم الصورة الرمزية ملك النبك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    37

    افتراضي

    مشكووووووووور اخي خالد النفوري على مشاركتك
    بس الرابط مو شغال


  7. #7
    أنعم وأكرم الصورة الرمزية خالد النفوري
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    الدولة
    النبك
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,462

    افتراضي

    الرابط يا أخي كان 100% و استعملته بعد تنزيل ردي كي أطمئن من صلاحه

    وهو الرابط الرسمي لمجلس النبك البلدي

    فقد يكون فيه عطل ما ، و
    إن لم يكن كذلك فالله أعلم

    ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
    و هاهو الكتاب بأكمله من مستنداتي

    لا يمكن أن نكون في موقع عن مدينة النبك و لا نأتي على ذكر أهم الكتب التي قامت بتدوين تاريخ و تراث النبك القديم هذا الكتاب الذي اتحفنا به المرحوم يوسف خنشت ليبقى شاهداً على عادات جميلة منها الذي اندثر و منها الذي بقي حاضراً أو على الأقل حاضراً في ذاكرة شيوخ و كبار النبك , و هنا نستأذن اهلنا و اهل المرحوم يوسف خنشت بأن ننشر صفحات هذا الكتاب كاملة لكي تكون مرجعاً للأجيال الجديدة عن النبك القديمة ,,, النبك الأبية

    كتاب النبك طرائف الأمس غرائب اليوم
    مقدمة المؤلف
    تسيرٌ عاداتنا المحلّية في سبيلِ الإنقراض . فلا يَمضي يوم بدون أن يدخل عليها شئٌ جديدٌ من صورِ الحياة الجديدة , متسرباً إليها بطريق الإختلاط بأقوامٍ تخلقوا بغير عاداتنا المعروفة . فكاد يمحي ذلك الطابع الذي تمتاز به عن غيرها . حتى لنستطيع القول بأن هذه العادات لا تلبث أن يطويها الماضي مع ما طواه من عادات الأجيال الخوالي , ويجعلها نسياً منسياً , فلا تعود تظهر بعد ذاك إلا بمظهر الأثر الدارس , يروق العين مراّه وتبهج الخاطر أخباره , بما فيها من غريب تأنس إلى غرابته , أو مستهجن ترى فيه لذةً وطرباً
    وقد حملنا هذا الأمر على تدوين بعض هذه العادات المنتشرة في بلدة النبك خصوصاً , وفي القلمون عموما مع بعض اختلافات بسيطة أحيانا , وتصويرها تصويرا بسيطاً صادقاً . فإنَّا لم نتوخَّ أن يكون تصويرُنا أثراً فنيَّاً تبدو عليهِ ملامحُ الصّناعة والكلفة , ولا درساً في العادات ممتعاَ نتأثر فيه أصل تلك العادات وتطورها , بل اقتصرنا على تصويرها في هذا الوضع , متقيدين تقيُّداً تاماً بشكلِها كما كان , بدون زيادةٍ ولا نقصان , لكي تكون تراثاً تستعين به الأجيالُ الآتية على معرفة شكل حياة أسلافها وكيفية معيشتهم ولقد عقدنا النيَّة على أنْ لا نُدخل على هذه العادات شيئاً من الأثر الغريب , حتى تظل مصطبغة بهذه الصبغة المحلية . وحرصنا كل الحرص على أن نصورها كما هي , بكل ما فيها من سذاجة وبساطة تتسم بهما حياة أهل هذه المنطقة المنعزلة , التي لم يؤمَّن لها اتصالٌ بغيرِها من الأمم لتتعرف بعاداتها وتأثرها . وإنما تظهر هذه العادات وهذه الأخلاق في صور كثيرة وأشكال مختلفة , كان سبيلنا إليها مراقبة طويلة واختبار شخصي تمكنا به من الوقوف على هذه العادات ومعرفتها معرفة دقيقة , حتى لم يفتنا منها شئ لأن أقل هذه الأمور أهمية كان يسترعي انتباهنا مثلما كان يسترعيه أكثرها أهمية
    وقد حملتنا رغبتنا في تصوير هذه العادات في شكلها الصادق على أن نعود بذكرياتنا إلى خمسين سنة خلت , كانت لا تزال فيها هذه العادات حية لم يعلق بها أيٌّ أثرٍ غريب . واستعنَّا للتثبت مما فاتنا تذكاره , بمن عاشوا في تلك الأيام وكانوا يمارسونها ويحيونها , حتى كانت لنا من ذلك صورة فيها من الصدق والأمانة والحياة ما لا يجعل سبيلا للشك في صحتها وثبوتها , وعسى أن نٌوفَّق في هذا المسعى , والله عوننا , ونعم الوكيل
    وقد تلطَّف كل من الوطنيين الكبيرين رشيد بك نخلة أمير الزجل اللبناني والأستاذ المؤرخ المدقق عيسى اسكندر المعلوف فصدَّرا كتابَنا بما أوحت إليهما نفسهما العالية , فنقدّم لهما عبارات شكرنا الخالص , أدامهما المولى ذخراً للأدب ومفخرة من مفاخر الوطن العزيز
    المؤلف
    يوسف خشت
    الباب الأول : اَلْنَّبْك عَاْصِمَة جَبَل اَلْقَلَمُوْن
    موقعها – عدد سكانها – مناخها – منظرها – المشاهد المحيطة بها
    كانت النبك حتى منتصف القرن التاسع عشر قريةً كبيرة أو بلدة صغيرة واقعة على بعد 79 كيلو متراً شمالي دمشق , في منتصف الطريق بينها وبين حمص وفي طرف صحراء سورية , على نَبْكٍ (( والنَبْك : جمع نَبَكة أي التل . والمعنى أن المدينة بُنيت على تلال صغيرة . لذلك سميت بالنبك )) متلاصقة ترتفع 1400 متر عن سطح البحر
    وكان يسكنها إذ ذاك زهاء ثلاثة آلاف شخص من المسلمين الشافعيين , تكاد لا تجد بينهم أكثر من عشرين بالمئة يقرأُون قراءة بسيطة . وخمس مئة نسمة من السريان والروم الكاثوليك معظمهم يقرأون ويكتبون قراءةً وكتابةً بسيطتين
    تطل بيوتها شمالاً على سهل فسيح , وتحيط بمساكنها من الشمال والشرق جنائن وبساتين وكروم تُسقى من نهرها المشهور بعذوبة مائه وبرودته وصفائه , الذي لا يزيد وزنه عن 16 بميزان المياه . ويأتيها هذا الماء بقناة آرامية على قول البعض , ورومانية على زعم غيرهم . وفيها آبار عديدة إلى الجنوب الغربي منها . وهي مشهورة بجودة مناخها وطيب هوائها البارد الجاف جداً . لذلك قلّما تجد بين أهلها إنساناً ذا صوت رخيم . كما أنك لا تجد بين نسائها إمرأة ذات شعر ناعم طويل . بل إذا جاءت إمرأة غريبة فلا يمر عليها سنة أو سنتان حتى يتقصف شعرها ويصبح قصيراً خشناً
    صيفها لطيف لا يعرف الحر إلا قليلاً . وشتاؤها بارد قارس إلى درجة قصوى , تسقط فيه الحرارة أحياناً إلى الدرجة 20 سنتغراد تحت الصفر, ولا ترتفع في الصيف إلى أعلى من 29س فوق الصفر إلا نادراً جداً . لكن بردها مع شدته خالٍ من الرطوبة لا يُخشى منه ضررٌ . ولقد تغنى به أحد :الشعراء فقال
    إذا هاجت الرمضاء ذكراك بردت حشايَ كأنِّي بين قارةَ والنبـكِ
    :ويقولون أن الشيخ عبد الغني النابلسي لما مرََّ بها أثناء رحلته الشامية 1693م ( 1105 هـ) قال
    خليلي خلِّنـا نبــكي بـنـبـكٍ لأن قـعــودنـا فـيهـا قـلــيــلُ
    فواكهها إذا حملت وطابت بأرض الشام ليس لها مثيلُ
    فمنطق أهلها لغوٌ صريـحٌ كذاك بمائها يُشفى الـعـلـيـلُ
    :وكذلك يقول الناس في هذه البلاد بلغتهم العاميَّة
    ما بين قارة والنبــكِ بنــات الملوك تبكــي
    وقد اشتهرت بجودة صحة أهلها وقوة بنيتهم وخدودهم الورديّة اللون ونشاط أبدانهم . وهي ذات (( بوَّابات )) أي أبواب كانوا يغلقونها في وجه العربان وغيرهم عند الإقتضاء وظل البعض منها إلى أوائل القرن الحاضر , وقد رأيته بأم العين
    وموقع النبك على هذه الربى والتلال المنحدرة نحو الشمال فوق ذاك السهل الفسيح وتلك الجنان والبساتين التي ينساب بينها نهرها الصافي جعل سكانها يعمدون إلى بناء مساكنهم على وضع يستفيدون منه ووجهة تجعلها متممة لكثير من الشروط الصحية والإقتصادية , فجاءت هذه المساكن منبسطة في منحدرات تلك الروابي بعضها أعلى من بعض , مؤلفة من طبقتين , متجهة بنوافذها نحو الشمال , لا يمنع بعضها سكان البعض الآخر من التمتع بتلك المناظر الجميلة . فأول ما يرى الإنسان أمامه الجنائن والبساتين والكروم , ومن ورائها ذاك السهل الفسيح , وبعده تلال وربى ومنتهى سلسلة لبنان الشرقي بأحراجه وثلوجه في الشتاء , ويتلذذ النظر بمرأى ما يكون على الطريق العام المشهور الذي يضرب بوضوحه المثل القائل : (( واضح مثل طريق حلب )) أو (( أوضح من طريق حلب )) , فيرى كل يوم من مشاهد القوافل وعابري السبيل أشكالاً مختلفة ذاهبة آيبة , وقُطرات من الجمال منسابة عليه تتلوى بسيرها كالأفاعي , وقوافل البغال ورعال الخيل (( والكدش )) وفي أعناقها الأجراس الكبيرة والمتوسطة والصغيرة . وهذه الجلاجل تبعث مع الهواء من رنَّاتها اللذيذة ما يطرب النفوس كأنه صادر عن موسيقى منتظمة . وترى الخيَّالة بسلاحهم من رمح وسيف وبندقية ذات قدّاحة وصوانة قاصدين الشام والقدس والحجاز , وتجار الأغنام والخيل بقطعانهم آتين من بلاد الأناضول وغيرها مثل ارزروم ووان وبتليس حتى بلاد الأكراد , وعابري السبيل على مختلف أجناسهم ومقاصدهم : فالراكب والراجل , ومُقْتَعِد المحفات , ومعتلٍ متن الهوادج , ومفترش المحامل (( تخت روان )), كل منهم سائر على بركات الله .
    وكان يقصدها في ذلك الحين بعض العيال من مسيحيي دمشق للاصطياف , فينزلون (( بدار الدير )) أي دير مار موسى الحبشي للسريان الكاثوليك لوقوعه بأعلى نقطة في البلدة وكثرة غرفه , ولهذا القديس دير ثانٍ قديم مشيد على صخور شاهقة فوق هوة عظيمة في منتصف وادٍ عميق شبهَ قلعةٍ منيعةٍ يرجع بناؤها إلى ما قبل ألف سنة على بعد خمسة عشر كيلو متراً من النبك إلى الشرق . ولا يزال كهنة السريان إلى اليوم يقيمون في كنيسته قدّاساً في عيده الواقع في 28 آب , فيتوارد إليه بعض الأهالي ويقضون هناك ليلة العيد ويرجعون في مساء اليوم التالي بين الأهازيج أحياناً
    بناياتها
    كان النبكيُّون قديماً يبنون مساكنهم بطبقتين , على وضع يستفيدون منه صحياً واقتصادياً
    فيبنون نصف الطبقة السفلى بحجارة صلبة ونصفها الأعلى باللِّبْنِ ويسقفونها بخشب (( اللزاب ))الذي يستحضرونه من صرود فليطة والمعرة لأنه رخيص ومتين جدَّاً . وكانوا يخصصون هذه الطبقة لدوابهم ودواجنهم ولحفظ التبن والوقود وآلاتهم الزراعية . ويبنون الطبقة العليا باللبن , ما عدا الأبواب والنوافذ فإنها من الحجر (( الكدان )) الأبيض المنحوت فيسمونه (( نحيت )) وهو من أراضي النبك ومقالعها
    ويسقفونها بخشب الحَور , وهو من منتجات أرضهم وقد امتاز بصلابته فلا يسطو عليه السوس كغيره من الحَور مهما طال عهده . فيسكنونها ويتمتعون منها بتلك المناظر الجميلة الموصوفة آنفاً . ثم يبنون إيواناً أما الغرف العلوية المتجهة نحو الجنوب ,فتتعرض لأشعة الشمس عندما تنحرف إلى جهة خط الجدي , وتظل الشمس حينئذٍ في الإيوان الجنوبي وداخل الغرف من الصباحِ إلى المساءِ . وهذا يخفف من شدَّة القر شتاءً , فلا يحرقون وقوداً إلا في الأيام الباردة جداً. وظل أهل النبك يجهلون الزجاج إلى أن اتخذت بلدتهم مقراً للحكومة فأخذوا يستعملونه لنوافذ بيوتهم
    ولعل القارئ يعجب لسماعه أنهم يبنون باللِّبْن طبقتين من مساكنهم . فكيف لو علم أنهم يبنون به اليوم ثلاثاً وأربعاً ؟ فاللِّبْن في هذه البلاد متينٌ جداً , لأن تربتها كلسيََّة جبسيََّة يضيفون إليها ِتبْنَاً بنسبة معلومة ويعتنون بصنعه جداً , فيصبح صلباً متيناً ويغلّفونه بعد البناء بطينة لزجة من التراب نفسه فتزيدهٌ مناعةً لسنين طويلة . ويقول الأقدمون أنه كان في النبك في أوائل هذا القرن بناءٌ عاديٌ هُدم يرجع تاريخ بنائه إلى صَدرِ الإسلام . وليس ذلك ببعيد عن التصديق ,لأني رأيت بعيني داراً قديمةً جداً ورثها جدنا عن جده , هدمها أبناء عمي منذ خمس وعشرين سنة وأعادوا ما أخرجوا منها من اللبن السليم إلى بناياتهم الجديدة . وقد عثروا أثناء الهدم على وثيقة بحائطها تنطق بمبيع دارٍ من نحو مئتي سنة . وسمعت أيضاً ممن يوثق بقولهم أنها قد هُدمت منذ ثلاثين سنة غرفة علوية وجدوا على (( جسر )) من (( جسورها )) تاريخاً يرجع إلى ما قبل سبعَ مئة سنة
    عمرانها
    لبثت النبك في القرن الماضي محط رحال القوافل التي كانت تسير بين حلب ودمشق . وكانت محطةً تنزلُ فيها قوافلُ الأعجامِ يوم كانوا يحِجُّون إلى البيتِ الحرام بهذا الطّريق , وكان ذلك مَوسِماً سَنويّاً قبل فتحِ قناة السويس , وقد أَخذ يتضاءل إلى أن مُدَّت السِّكة الحديديةُ بين حلب ورياق فانْقَطع تماماً
    وكان الأعجام ينزلونَ في الشِّتاء عند الأهالي أصْحاب البيوت القريبة من الطريق العام , وفي الصيف ينصبونَ خيامهم بقربِ نَهرِها الجاري على بعد نحو 500 متر عن البلد , بجوارِ مقامٍ لأحد الأولياءِ يُدعى (( الشيخ محمد الغفاري )) . وبلغةِ أهل النّبك (( الغَفَرِي )) وهو لا يزالُ قائِماً حتى الآن فيبادر أهلها ويتوارد سكان القرى المجاورة أيضاً لابتياع السلع العجمية , كالسجّاد والشَّال والجَوارب والبُسط واللباد والخيل والبغال والأقمشة الحريرية والصوفية وغيرها . وترى حتى الآن في بعض بيوت النبك من الأشياء المذكورة ما يدهش النَّاظر بحسن صُنْعه وإتقانه : كالسجاد والبسط واللباد والشال . وكان هذا المقام منفرداً في الجهة الغربية من البلدة إلى جانب الطريق العام , يجري من الشَّرق نهرها بمائه العذب الصافي حتى أنك ترى قَعْرهُ وتعد حَصاه . وتظلله شجرة جَوزٍ نبتت على حافة النَّهرِ الغربيَّة منذ مئتي سنة كما يعتقد شُيوخُ البَلدِ , ونَمَت حتى أصبحت ذات جذعٍ كبيرٍ تمتدُّ فروعُه بعيداً فتظلّل مساحةً كبيرة من الأرض حولها , وقد غدت تلك الشجرة محط رحال القوافل وعابري السبيل في الصيف . وكان المسافرون يعلّلون النفوسَ قبل الوصولِ إليها بالراحة تحت ظلِّها الوارف وبجوار ذاك الولي . فاشتهرت في جميع الجهات القريبة والبعيدة وعُرفت (( بجوزة الغَفَري )) . فكُنتَ ترى القوافل كل يوم , بجِمالِها وبِغالِهَا وخَيْلِهَا , يَتـَفيَّأون بظلِّها ويتلذذون بما يأخذونه من الراحة تحتها , والأهالي يبيعونهم كلَّ ما يحتاجون إليه من طعامٍ لهم وعلفٍ لدَوابِّهم
    وكان يفصل هذا المقام عن البلد رَابية تليها أرضٌ واسِعة تبلغُ من الشرقِ إلى الغربِ نحو 500 متر ولم تكن مَعمورَةً في ذاك الحين . وكان لا يُرى فيها سوى بناء ضخم من الحجر (( المقصوب )) يشبه ثكنة عسكرية ويحتوي على جامع حوله غرف للدراويش الغرباء في جهته الجنوبية , وعلى فرنٍ وصحنِ دارٍ فسيحةٍ جداً كان في وسطها حوضٌ يأتي إليه الماءُ من بئرٍ بجانب بابه , من الجهة الجنوبية أيضاً , بوساطة (( فراشٍ )) هوائي , وعلى قبوٍ عظيمٍ سقفه معقود بالحجر قائم على دعائم ضخمة كثيرة يستوعب جيشاً بِخَيْلِه ولو كان أُلُوفَاً . ويقول البعض أنه من آثار سنان باشا لَمَّا كان والياً على سوريا سنة 1587 م ( 996هـ ) . وهو المنسوب إليه أنه أنشأَ أربعينَ مسجداً يُخطب على منابرها في أقطارِ المملكة العثمانية ما عدا الجسور والخانات
    وبَنَى أيضاً بدمشق جامع السنانية وجامعاً في سَعْسَع وجامعاً في القُطَيْفَة . والبعض يقول أنه من آثار محمد كوبريلي باشا لما كان والياً على دمشق عام (1058هـ 1648 م)
    ولعلَّ الأصح أنه من آثار سْنَان باشا لأنه أقام في سوريا أربع سنوات ونيِّفاً وخلفه فيها إبنه محمد باشا , بينما الكوبريلي باشا لم يُقم في سوريا أكثر من سنة واحدة
    وقد كان هذا البناء قديماً (( خاناً )) لعابِري السَّبيل تستثمره الحكومة العثمانية لخزينتها . ومنذُ خمسين سنة , بعدما اتُّخِذَت النَّبْكُ مقرَّاً للحكومة بأمر أبي الأحرار مدحت باشا , أقامت الحكومة على رأس تلك الرابية سرايا عظيمة من حجر , ولم يكن لها مثيل في سوريا حتى أواخر القرن الغابر (1- حيث أُخذت حجارة تلك السرايا من البرج القديم القائم على رابية من رُبى البلدة تُدعى (( رابية البرج )) إلى الآن , وكان هذا البرج قديماً مستوقداً للنيران التي كانوا ينقلون بواسطتها الأنباء الضرورية ليلاً بين الشام وحمص , ومن الخان العتيق الملاصق للبرج من الجهة الشرقية , ومن مقالع البلد , ومن برج (قارة القائم في منتصف الطريق تقريباً بين قارة والنبك
    وباعت ما بقي من ((الخان)) مع الأراضي التي حولها فبَنى الأهالي هناك مساكن وفنادق وحوانيت . واتصلت البلدة بهذه البنايات وامْتد البناءُ كثيراً مّن حولِها حتى أصبحت الآن في وسط البلدة تقريباً . وامتدَّ البناءُ أيضاً إلى الشمالِ , إلى مفرق طريقي ديرعطية وقارة , حيث أقامت الحكومة في أيَّامنا مستودعاً للموادّ الملتهبة . واتسعت البلدة أيضاً إلى الغرب , إلى (( سكة الوُلاق )) المتصوّبة من قارة إلى يبرود , التي كان البريد يمرّ منها قبلاً , وهي تبعد عن ((الغفري)) من 500 إلى 600 متر إلى الغرب . وفي أواخر القرن الماضي اتُّخذ الخان المذكور ثكنة عسكرية في عهد الأتراك بعد أن أصلحت الحكومة ما كان متداعياً منه وأنشأت فيه غرفاً عديدة . وظلَّ بيد دائرة التجنيد التي كانوا يسمونها (( دائرة الرَّدِيْف )) حتى عام 1918 م إذ جلا الأتراك عن البلاد وحل الفرنسيون محلهم , فاتخذها الجيش الفرنسي ثكنة عسكرية للمتطوعين الجراكسة . ويقول الشيوخ أنهم كانوا في بعض السنين الغزيرة الأمطار يجدون كثيراً من الكَمَاءِ على سطح قبوه الكبير
    الباب الثاني : اَلحَيَاةُ فِيْ القَلَمُوْن بِوَجْهٍ عَام
    أشغال أهل القلمون
    يَتَعَاطى معظم سُكان القَلَمون الفلاحة والزراعة , وفريقٌ منهم يتعاطى ((المكاراة)) على الجِمَال والبِغَال وأحياناً على الحَمِير , وقسمٌ أخر تربية الماشية , من غنمٍ وماعز , في جبالِهِ الكثيرة لأنها ممتازة بجودَةِ مَرعاهَا ودفْئِها في الشِّتاء , مِمَّا يجعلها صالحةً لتربيةِ المواشي , على أنَّ ماءَها قليل . وقسمٌ رابع يزاولُ عمَل اليدِ بالطِّين والبِنَاء فيهبطون إلى الشَّام سَعياً وراء رِزْقِهِم
    وكانَ في سالفِ الزمن ألف وخمس مئة جَمَل عِندَ أهالي النَّبْك وحدَهم , فكانوا يَستَخدِمُونَها للتِجارةِ بمُختَلفَ الأصْنافِ , (( ويكارون )) عليها بين دمشق وحلب حتى أورفه وديار بكر . وكانوا يكفون الشام مؤنتَها من السَّمْنِ وحاجتها من القُطْنِ , يأتونَ بهِ من الجهاتِ الشمالية مثل حلب والجزيرة , ويسافرون إلى ما هو أبعد منها حتى أرزروم ووان وبتليس شمالاً , وإلى عريش مصر جنوباً , وإلى دير الزور والموصل شرقاً . وكانت قوافلهم مشهورة بقوتها ومناعتها تجاه هجمات البَدو والأشْقِياء وقُطاع الطرق . وقلَّما أُخِذوا أو كسروا , لأنهم أشِدَّاء وذوُو شَجَاعة رُجُولِية وعِزَّة نفس , يَأبُون الذُلَّ والإهانَة . وكان المُسافرون يترقَبون سَفرَ تلك القَوافِل ليَسيرُوا بِرفقَتِها مُطمئنين على نُفوسِهم ومالِهم من هَجماتِ قُطاعِ الطُرُق . وكان أولئك التُجَّار ,عند رُجوعِهم من أسفَارهِم البعيدة وبلوغهم السَّيلَ العميق الذي يبعُد عن النَّبكِ نحوَ ثلاثةِ أو أربعةِ كيلو متراتٍ إلى الشمالِ , يأخذونَ في إطلاقِ البارودِ دلالةً على مجيئِهِم . فيخرج أهلهم وذويِهم لملاقاتهم خارجَ البلد , فرحين بوصُولِهم سالمِين لكثرةِ ما كان ينتابُهم في سفرهِم من تعدياتِ البدو والأشقياء واللصوص
    ولا تكادُ تجدُ بينَهم إلا عدداً قليلاً يحترفونَ بعض الصناعاتِ , مثل النِّجارة والحِدادة والصِّباغة ودِباغَة الجُلود والندافة وعمل الحَلاوَة والحِلاقَة و (( القصَابَة – أي ذبح الحيوانات وبيع لحمها)) . ومعظم الصُّنَّاعِ كانوا اسكافيين وبَياطرة ونجارين وحَاكة . ولم تكن المُهَاجَرة إلى أميركا حتى أواخرِ القرنِ التاسِع عشر معروفةً عِندَهٌم , ففي العام 1892 سافر إليها اثنان من مسيحيي النبك , ومن ثم أخذ الناسُ يهاجِرون إليها بِكَثرَة
    مأكلهم
    يَعيشُ سُكّان القَلَمونِ عيشةً بسيطةً . أكلهم من منتجاتِ أرضِهم وما تَدرُّ به عليهم مواشيهم . فيأكلونَ من الحُبوبِ الحِنطَة , خُبْزاً وبرغلاً , والذُّرةُ الصفراءُ طعاماً . ويطعمون دوابهم الشَّعير والكرْسَنَّة . ولا يجْسرونَ على زرْعِ غير هذه الحُبوب , لعدم سلامتها من آفة البرد والصَّقيع في الشتاء . ويغرسون من الأشجار الجوز و (( النجاص )) , أي الإجَّاص الشتوي والملكي والعثماني والخلاني والجبلي والسكري , والعنب الأحمر وقليلا من المشمش
    وقد أخذ الأهالي في أواخر القرن الماضي يغرسون منه بكثرة . فكانت فائدتهم منه قليلة لأنه لا يسلم من الصقيع في أكثر السنين . أما الإجَّاص على أنواعه , فقد أخذ يتناقص حتى كاد ينقرض . فلم يبق منه إلا القليل بعد ما كانت أشجاره تعد بالألوف . وكان سبب انقراضه الحالوش والقارور . أما كروم العنب فقد كثرت عما كانت قبلا فأصبح الآن في النبك وحدها نحو مليون وربع مليون دالية أو كرمة
    تجد أيضا من الأشجار الحور والصفصاف والدردار والنشب وقليلا من التوت , ومن الخُضَرِ والبقول اللفت والجزر والفجل والقرع والكُوسى واليَقْطين والبصل والثوم والبيقية والحلبة والفوََّة . وهذه الأخيرة نبات كان يستعمل للصباغة والأدوية . وكانت النبك فيما مضى تستغل أرباحا لا يستهان بها كل سنة حتى انتشرت الأصباغ الأوربية فأبطلوا زرعها في أواخر القرن الماضي . وعُرِفَت عندهم البطاطا حينئذٍ فأخذوا يزرعونها بكثرة وكان لهم منها مورد ذو شأن . وأما باقي الحبوب والخضر والفواكه , كالحمص والعدس واللوبياء والفول والبطيخ والخيار والقثَّاء والزيتون والتفاح والخوخ والرمان والتين والبرتقال والليمون والطماطم ( البندورة ) والباذنجان وما يشبهها , فكان الأغنياء ولا يزالون يبتاعونها ممن يأتيهم بها من الخارج . فلا يكاد يصل البائع إلى البلدة بنوع من هذه الأصناف حتى يأتي إليه الناس أفواجا . فيبدلونها بما عندهم من الغلال , أو يشترونها بالنقود الرائجة . وأما الفقراء فكانوا لا يعبأون بها كثيرا , ومنهم من لا يذوق منها شيئا مدة سنين طويلة
    ويأكلون من اللحوم لحم الماعز والضأن والبقر والجمال عندما يذبح القصاب بأمر من ((شيخ)) ( أي مختار ) البلد ذلك حينما كان يأتيه ضيف عزيز , أو عندما يولم وليمة , أو في الأعراس والأفراح والأعياد والمآتم والمناحات وكان المثرون منهم يعلفون الغنم حتى تسمن جيدا ويذبحونها ويحمصون لحمها بأليتها بعد (( فرمها)) وتمليحها ويصنعون منها كتلا بحجم البرتقالة ويحفظونها لأيام الشتاء , إذ يكون الذبح قليلا جدا فيستعملونها عند الحاجة وهذه يسمُّونها ( قـَوْرَمَه ) وهي تركية الأصل (( قاوُرْمه )) ومعناها اللحم المحمََّص أو المقلي
    أما الأطعمة المعروفة عندهم فهي لا تختلف عن أطعمة باقي الأقطار السورية إلا بعض الإختلاف . فالمآكل التي يدخلها اللحم لا تصنع إلا في أوقات مخصوصة , كالأعياد والولائم والأفراح , وللضيوف الأعزاء أو (( للفعالة )) أي العَمَلـَة أيام أعمالهم الزراعية , مستأجَرين كانوا أم مساعدين
    وأما المآكل البسيطة الخالية من اللحم فهي طعامهم الدائم , (( كالمجدرة )) المشهورة التي طيّر ذكرها الشاعر الهزلي الشهير أسعد رستم في قصيدته المعنونة (( بالمجدرة )) حيث صور نفسه مريضا وقد يئست من شفائه :الأطباء فقال فيها
    قـلت الذي يشــفي مـخـاطـر علتـي شئٌ وحيدٌ وهو صحن مجدَّرة
    تـونـي بـهـا وحـيـاتـكـم فـتعـودنـي روحي وأصبح بالحقيقة عنترة
    تـونـي بـهـا صـحـنـاً كبـيـراً عامراً والأمر أفضل إن أتَت بالطنجرة
    تـوني بـهـا بالـزيـت أم بـالـلحـم لا فرقٌ بشـرطٍ أن تكون مدردرة
    ودعوا الدواء مع الطبيب بعرضكم إن الأطـبـا والـدواء لـزعـبرة
    والبرغل المفلفل , والبرغل مع الحمّص الذي يسمونه (( مُقلّى بسفله )) , والسميذ المرق وهو (( كالمجدرة )) تماما غير أنه ذو حساء مريق , والكبة حيلة , والصلص , والملقّسة ,
    والعصيدة , والصرصورة التي هي حساء ناعم من البرغل , واللبنية بالذرة الصفراء , والقمحية بالقمح المقشور وما شابه
    أما الأكلة المرغوب فيها عندهم كثيرا , بالرغم ممّا يعانون في صنعها من تعب وضياع الوقت , فهي الكبة وخصوصا المطبوخة بالكشك فإنهم يفضلونها على جميع المآكل , ولا سيما في النبك , ويحبونها محبة جعلت أهل :الجوار يتهكمون ويسخرون منهم قائلين
    أكـــلْ النبـكـي كـبـة بكشـكِ
    ولذلك تراهم يفرحون عندما يتسنى لهم شراء اللحم الهبر . فتشرع ربة البيت في غسيل الجرن وتنظيفه وتنظيف الغرفة التي فيها الجرن لاستقبال ملائكة الكبة . لأن أكثر النساء يعتقدن أن الملائكة تأتي على صوت دق الكبة وترقص حول الجرن وتبارك الكبة ومن يدقها جيداً . ثم تأتي الجارات لمساعدتها . فبعد دقّ اللحم وجبله بالبرغل الناعم يصنعن منها أقراصاً صغيرة وكبيرة فيسلقن الصغيرة في حساء من الكشك في الشتاء , وفي الصيف باللبنية , ويشوين الكبيرة منها شيّاً أو يقلينها بالسمن والزيت , وهذه تسمى (( المشاوي )) . وهذه المشاوي تقدم للعزيز المكرّم , كالصهر الجديد أو الطالب المصاهرة , أو لصديق مخلص لأهل البيت أو لأحد أفراده , وقليلون الذين كانوا :يصنعون الكبة بالصينية . ولذلك قالوا
    تضرب كبة الحيلة ومعها مجدرة والـعـصـيـدة فـوق منهـا مـشترك
    هـات الـلـبـن مـع كـبـة الصـيـنـية وجنب منها باطية من الشيشبرك
    :وكذلك يقولون
    الصرصور للصعرورة والكشك لباب الدار
    والعـصـيدة للمـصـيـدة والكبّة طول النهار
    ويعنون بالأخيرة أن طعاماً غير الكبّة لا يغذيهم غذاء جيدا مقابل ما يفقدون من القوى أثناء شغلهم الزراعي المتعب . ويأكلون أيضا الكبة نيئة مع البصل ويقال لها (( دبابة )) بلغة أهل الشام ولبنان . وقال بعضهم أن الكبة أكلة قديمة يرجع تاريخها إلى عهد سليمان الحكيم وربما إلى ما قبله بدليل قوله في سفر الأمثال 27 : 22 : (( لو دققت السفيه في هاون بين السميذ بمدقة لم يفارقه سفهه )) . وقيل أنّ السميذ هو البرغل بعينه
    وإن لم يكن لحم فإنهم يحتالون على الكبة , فيجعلون البرغل المنقوع في الماء مع قليل من الطحين لتتلاحم أجزاؤه ويصنعون منه أقراصاً صغيرة ويحشونها إمّا بقطعة من الدهن ومعها قليل من الفلفل والبهار , أو بنوع من البقول ينبت في أراضيهم بين الزرع يسمونه ((أم أحمد)) وهو يشبه الاسباناخ , يضيفون إليه قلب الجوز والبصل وحَبّ الرمان الحامض . ثم يسلقون تلك الأقراص بحساء الكشك ويسمونها (( كبة حيلة )) أو (( كبة الراهبة )) ويصنعون منها أقراصا كبيرة يشوونها ويغمسونها بالسمن , ويسمون القرص منها (( شيخ )) والجمع (( شيوخ )) ويصنعون منها أيضا أكلة (( الصلص )) و (( الملقّسة )) : وهي كتل بحجم حبة البندق يطبخون بعضها مع العدس والحمص والبصل ويضيفون إليها حامض السمَّاق , أو يقلونها بالزيت والثوم والكزبرة , ويسمونها (( الصلص )) و(( الملقّسة )) يطبخونها بحساء مطبوخ من اللوبياء والعدس والبصل بدون حامض
    ويصنعون حينما يكون ورق العنب طريئاً أكلة يسمونها (( اليبرق )) , وهي لفظة تركية لورق الشجر , فيلفون به برغلا متبّلا باللحم ((المفروم)) لفائف بثخن الإصبع وفي أوان الملفوف واللفت يلفون بورقهما لفائف كاليبرق ويطبخونها بحامض السمَّاق . إنما يضعون مع اليبرق الملفوف كثيرا من الثوم اتقاءً لضرره . إذ يعتقدون أنَّ العرب أرسلوا في سالف الزمان إلى الفرنج أغراس الورد هدية . فلما رآه الفرنج ذا شوك ظنوا يهم سوءا وأرادوا الإنتقام فأرسلوا إلى العرب مقابل هديتهم بذار الملفوف الذي ينفخ البطن . فلما طلع الورد وتفتحت أكمامه ورأى الفرنج شكله الرائع ورائحته المنعشة , عادوا وبعثوا إلى العرب بالثوم لكي يمنعوا ضرر الملفوف عنهم
    ويأكلون من الحلواء الدبس العدسي الذي يصنعونه بيدهم ومن زبيب كرومهم
    وأحيانا يطبخون من البرغل المخلوط ببزر القنب المحمص أو قلب الجوز واليانسون يصنعون منه الحلاوى الحمراء , وهي عبارة عن طحين الحنطة يحمصونه بالسمن ويضيفون إليه الدبس ويكمّلون تحميصه معا حتى ينضج ويأكلونه باردا
    ويأكلون (( المغطوط )) , وهذه طريقة صنعه . بعدما يحلبون الحليب مساءً يضعونه في أوانٍ واسعة عديدة ذات سطح مستوٍ , ويتركونه إلى الصباح . فيصبح الحليب وعليه طبقة رقيقة من الزبدة . فتأتي المرأة ومعها الخبز التنُّوري وتطرح الأرغفة فوق الحليب . فيأخذ الرغيف من الزبدة ما يُغطى به وجهه . ثم تعود وترفع الأرغفة وتطبق كل رغيفين معا . وبعد مرور ساعة أو نصفها يأكلون منه مع الدبس . وهذه أكلة لذيذة جدا لا يعملها إلا من كان عنده عدد كبير من الماعز والغنم
    ويضعون العنب , بعد تنقيته من كل حبة فاسدة أو مجروحة , في غرفة مظلمة لا يدخلها الهواء كثيرا مفروشة بالتراب الأبيض . فيرصفون العنب فوقه , كل عنقود بحذاء أخيه , ويغطونه بورق الكرمة , وفوقه ملاحف من الخام . فيبقى هذا العنب محفوظا طول الشتاء حتى شهر نيسان . فيأكلون منه في سهراتهم , ويقدمونه لزائريهم وضيوفهم , ويتناولون منه كلما خطر لهم . وأكثر ما يعوّلون في أمر طعامهم الخاص على البرغل والخبز . لذلك كان الفلاح القوي منهم يسلق من البرغل كل سنة ما بين 40 و 80 مدّاً من الحنطة ( أي من قنطارين ونصف إلى خمسة ) ويذ َّخر مثلها للخبز . لأن الخبز والبرغل والدبس والكشك كان منها أكثر طعامهم . وينفق الفلاح منهم كثيرا في أيام شغله الزراعي , كقلب الأرض واقتلاع الأشواك منها وعزق كرومه .فعليه أن يهتم لأمر إطعام (( الفاعل )) أي العامل الذي يساعده , وأن يطعمه من أجود ما عنده لئلاّ تلحقه مذمة العَمَلَة له أمام الآخرين فيوصم بالبخل
    شُغْل النِّسَاء
    كل ما ذُكر آنفاً مطلوب عمله من ربَّة البيت . فهي التي تجلب اللّحم من حانوت اللّحام , وتدق منه الكبّة أو تلف به اليبرق بمساعدة جاراتها , وتعمل جميع أنواع المآكل . وهي التي تُشرف على طحن القمح في الطاحون , وتعجن العجين وتخبزه على التنور , وتجلب الماء اللازم لبيتها بالجرة على رأسها من مورده , وتغسل الثياب أي الألبسة وغيرها , وتنظف البيت , وتعتني بالأولاد وتربيهم , وترقع ألبستهم وألبسة زوجها , وتساعده أيضاً في الإهتمام بالدواب و إطعامهم , وأحياناً في أشغاله الزراعية . وهي تطيّن الدار وتبيّضها بالحوّارى , وتسلق البرغل وتجرشه إلخ
    ففي الصيف يجب عليها أن تستيقظ من النوم قبل شروق الشمس , وتذهب إلى مورد الماء حاملة ً على رأسها الجرة مبطوحة وفمها إلى الوراء , لكي لا يراه من يقابلها من الناس لأنهم يتشاءَمون منه . ويجب أن تحيي كل من تصادف من النساء الصادرات وعلى رؤوسهن جرار الماء , وأن ترد التحية وهي صادرة . فتنقل ما يلزمها من الماء وتعود لإعداد طعام الصَّباح لعيلتها , حاملة في جعبتها ما عرفته من أترابها , ممَّا جرى في البلد في أمس البارح وما قبله من خطبة أو زواج أو طلاق أو فراق أو ولادة أو وفاة أو سرقة أو مشاجرة أو تخاصم إلخ , فتقصه على ذويها
    ويوم يُطلَب منها العجين أو الغسيل , تستيقظ قبل بزوغ الفجر , وتجلب الماء اللازم لذلك . وتذهب إلى الكرم وتأتي بقفة من العنب البارد تحملها على رأسها وتعود قبل شروق الشمس إذا كان الكرم قريباً . وعليها أن تدعو كل من تصادفه من الرجال أثناء عودتها إلى تناول عنقود من العنب قائلةً : (( تْفَضَّل لَتْحِل البَرَكة )) . فيأخذ منها من يشاء , وبعد وصولها إلى بيتها تشعل النار إذا كان لديها قدََّاحة وصوََّانة , أو تذهب إلى أحد بيوت جيرانها ((فتشحذ)) أي تقتبس ناراً وتأتي بها على غصنٍ من الشِّيْح أو في وعاء , فتشعل النار تحت الماء . فإن كان للعجين تأخذ ((حمية)) أي شيئاً من الوقود (( لتربط )) أي لتعيِّن لها دوراً على التنور الأقرب إليها في الحي , إن لم يكن في بيتها تنور وإذا كان للغسيل , تضع في الماء كيساً صغيراً مملوءاً قلياً وتغتنم فرصة تسخينه لتجمع الألبسة الوسخة بعد ما يخلع زوجها وأولادها ثيابهم . ولا تلبسهم غيرها إلا إذا كانت من نساء الوجهاء المثرين في البلد أو من المشايخ , ثم تَشْرَع في غسْل الثياب
    الغَسِيْل عَلَى النَّهر
    وإذا كانت من عامَّة الناس فإنها تأخذ الألبسة إلى النهر ومعها مخباط من خشب وكمية من مسحوق (( الشْنَان )) الأشنان اليابس ( وهو نبات برّي إذا أُحرق وهو أخضر يخرج من رماده القلي المعروف . وهو كثير في بلادنا وكانت تصدَّر منه كميات كبيرة إلى المصابن في جميع الجهات )
    فتأخذ تبل الثوب في الماء وترش عليه من مسحوق الأشنان و (( تدعكه )) بيديها وتضمّ أجزاءه بعضها إلى بعض فوق حجر على حافة النهر وهي غائصة في الماء . ثم تجعل تخبطه بالمخباط وتقلبه رأساً على عقب حتى ينظف على زعمها . وهكذا تعمل بكل ما لديها من الألبسة وغيرها . و (( تفضّها )) أي تغسلها بالماء القراح بعدما (( تدعكها )) بيديها وهي في الماء . ثم تعود إلى بيتها حاملة (( غسيلها )) على رأسها فتنشره في أشعة الشمس وتزاول باقي أشغالها البيتيَّة : فإمَا تأخذ طعاماً لزوجها ومن معه من العملة في الكروم , أو تعدّه لمجيئه , أو تُقبِل على عمل خاص بها , كالغزل أو تمشيط الصوف إلخ
    عَمَل الكِشِك
    إذا كانت المرأة من عامة الشعب تعمل الكِشْكَ في الربيع إذ يكون ((الحليب)) أي اللبن كثيراً ورخيصاً . وإذا كانت من نساء الوجهاء المثرين فتعمله في الخريف لكثرة الدسم في الحليب أوانـئذٍ . فتأخذ من البرغل مُدَّاً أو مُدَّين ( ستة أرطال أو ضعفها ) , بحسب كثرة أعضاء الأسرة وحاجاتها , وتنقعه بالماء في مَعَاجِن من المساء إلى الصباح فيصبح ليَناً طريئاً . ثم تأتي بالحليب واللَّبن (الرائب) , بعدما تحلل فيه خميرة من دقيق الحنطة والشعير , وكمية معلومة من الملح , و تصبه فوق البرغل اللَّين وتجبله به , وتتركه مدة يومين . فيتشرب البرغل اللبن ويختمر فيصبح حامضاً . وتعجنه بيديها جيداً . وينقلونه من وعائه إلى مِلْحَفَة كبيرة يبسطونها فوق فرشة من التراب الأبيض . ويتركونه زهاء يومين , حتى يمتص التراب منه الحموضة ثم ينقلونه إلى ((خابية)) كبيرة ويتركونه من 10 إلى 15 يوماً , وينقلونه بعدها إلى السطوح . فتأتي النساء صباحاً مدعوَّات من قبل صاحبة البيت , ويشرعن في (( قـَرْقـَطـَتـِه )) أي تقطيعه كُتلاً صغيرة , فتأخذ الواحدة منهن قليلاً من الكشك في قبضتها , وتطبق يدها عليه , فيخرج الكِشْكُ من بين الإبهام والسبَّابة كتلةً صغيرة . فيرصفن تلك الكتل على بساط ويتركنها معروضة للشمس إلى العصر , فيجف الكشك قليلاً , فينزلنه إلى البيت . وتُدعى الصبايا والشباب لفركه بالأيدي ليلاً . فيجعل هؤلاء يفركونه بأيديهم وهم يُـنشدون أحياناً بعض الأغاني , كالمواليَّا وما يشبهها . وتنتهي السهرة بتقديم (( السهرية )) لهم , مما يتيسر وجوده من الفواكه أو غيرها
    فرك الكشك
    والويل لمن تتقاعس عن عمل كهذا . فإن جميع أترابها يصمنها بمختلف المذمَّات , ويرشقنها بلواذع العبارات ويقلن عنها أنها ليست (( إمرأة بيت )) بل هي (( هَـطـَّة )) أو (( رشله )) أو (( وِخْمَة )) . ولا يكون لها بينهن مكانة أو قيمة . ولا تحوز رِضَى زوجها
    أَعْمَال الرِّجَال اليَوْمِيَّة
    كذلك الويل وألف ويل للرجل الذي يتهاون في عمل من أعماله , شاقَّاً كان أم هيِّناً , أو للذي يميل إلى رخاء العيش ورفاهة الحياة . فإن مقامه يسقط بين الرجال ويصغر في نظر النساء أيضاً . فإنهم يرشقونه بألسنة حادة موجهين إليه الكلام القارص واللوم القاسي والتقريع اللاذع . وعليه أن يعيش بكل ما يُستطاع من الخشونة وشظف العيش , متَّبعاً في ذلك الحديث النبوي القائل (( تخَـوْشَـنـُوا فإن النعم لا تدوم )) . حتى أنهم يُرضِعون أولادهم الخشونة مع اللبن , ويربونهم على هذا النمط منذ الصغر . فيترك الرجل فراشه قبل شروق الشمس , ويتفقد دَوَابه , ويقدم لهم العلف اللازم , ويلقي نظرة على (( مُرّهِ )) ومعوَلِه وفأسه , ليرى في أي حالة هي . وبعد ما يتناول الفطور مع عيلته يَسْـتَصْحِب أولاده القادرين على العمل , ويحمِّـل الدواب الآلات الزراعية اللازمة له , ويذهب إلى بستانه أو كرمه أو حقله ليقوم بما هو مفروض عليه من العمل بهمة ونشاط لا بعرفان الكلل . فمن الفلاحة إلى (( التجريف )) أي مساواة الأرض , إلى (( القياض بالمرّ )) إلى الحصاد , إلى إصلاح الكرمة , إلى السطاح , إلى غير ذلك من الأعمال الزراعية المقدسة عندهم , بدون أن يأبهوا لتعليم أولادهم , ما عدا النزر القليل منهم
    الباب الثالث : تَعْــلِيْمُ الأَوْلاْد
    كان المسلمون , عندما يبلغ الصبي السنة السابعة أو الثامنة من عمره , يبعثون به في فصل الشتاء , أي حينما لا يتعاطون الأشغال الزراعية ويكونون عاطلين عن العمل , إلى شيخ الكِتََّاب ليتعلم القراءة . فيبدأ بحروف الهِجَاء على :هذا النمط
    (( ألِف لا شين عليها )) أي أَلف لا شئ عليها - (( با واحدة من تحتها )) أي نقطة واحدة تحتها – (( تا تنتين من فوقها )) - (( ثا ثلاثة من فوقها )) – (( جيم واحدة في نصها )) – (( حا لا شين عليها )) الخ .....
    وكان بعض المشايخ أو المعلمين يعلمون الأولاد هكذا : (( ألف ما زالت قشلانه )) بدلاً من (( لا شين عليها )) فيتعلَّم الولد حتى آخر الشتاء , أي إلى أن يبدأ شغل والده , فيأخذه هذا معه ليتعلم منه الشغل الذي (( يطعميه الخبز )) ويتعوَّده لأن القراءة والكتابة على زعمه لا تطعمه خبزاً . ويظل مع والده إلى أخر الصيف , أي إلى أن ينتهي شغله , فيسمح له إذ ذاك والده بالرجوع إلى ((الكتـَّاب)) فيأخذ الشيخ يعلّمه القراءة كما في الماضي , ثم في أجزاء القرآن
    الخِتْمِيَّة
    وبعد ثلاثٍ أو أربع سنين يعلن الشيخ لأهل الولد ختام تعليمه القراءة . فيلبس الولد لباساً جديداً أعدّه له أهله فيزينونه به , ويحمل القرآن على رأسه فوق كرسي صغير مخصوص يوضع عليه القرآن حين القراءَة , منقوش ومزين بالورود والزهور , ويطوف به الشيخ والأولاد رفاقه شوارع البلد معلنين بذلك ختام قراءَته وأنه (( خَتَم )) القراءة :وهم ينشدون
    الحمد لله ربي فارج الكُرَبِ ثم الصلاة على المختار من عربِ
    والشيخ يعدّد الأدوار على هذه القافية , والأولاد يردّدون اللازمة أي البيت الأول . وهكذا حتى الظهيرة . فيرجعون جميعهم إلى بيت الوالد حيث أُعِدَّ لهم الغداء . ويصبح الولد حينئِذٍ خاتماً القرآن , وما عليه إلا أن يساعد والده ويتمرن على الشغل والعمل تحت نظر والده . ويتقبل من الناس (( التحويطات )) والبسملات حوله وحواليه . فقد أصبح شاباً وعلى والده أن يخطب له
    وهكذا كان المسيحيون , عندما يبلغ ولدهم السابعة من عمره , يبعثون به إلى الكاهن فيعلمه حروف الهجاء على النسق الذي ذُكر قبلاً وإلى آخر الشتاء أيضاً . ومن بعد ذلك القراءة بالمزامير والأكتوئيخس وغيره من الكتب الدينية , وأخيراً في الإنجيل الشريف . ثم قليلاً من الكتابة والحساب . ويستغرق هذا التعليم ((شتويات)) عديدة , أكثر ممَّا لأولاد المسلمين , لأن المسيحيين كانوا يسمحون لأولادهم بأن يتعلموا أكثر من أولاد المسلمين . لذلك كنت ترى الأميّين منتشرين بالأكثر بين المسلمين . فكان المسلم يزعم أن القراءة والكتابة لا تطعم الفلاح خبزاً , كما قلنا والمسيحي يكتفي بأن يعلم ولده (( فك الحرف )) أي قراءة الرسائل و (( تعليق الإسم )) أي كتابة الإسم في الدفتر لا غير
    الباب الرابع : المَشَايِخ وَالفَلاْحُوْن
    في الشتاء يصبح الرجال بين الفلاحين بلا شغل , فيقضون أول النهار جالسين في (( مَـنَازِيْـل المَشَايخ )) . أي الغرف المعدة لجلوس الرجال , وفي دور (( المَخَـاتِـير )) يشربون القهوة ويتحدثون عن مصالح البلد العامة والخاصة , وعن المواسم والمزروعات , وعن أمر الأعشار والأموال الأميرية . ويصغون إلى ما يقوله الشيخ ويلقيه على مسامعهم من تنبيهات وتهويلات وقصص سالفة . فيأخذون ما يسمعونه مصدقين ومؤمنين وتكون أقواله عندهم كأنها مُنْزَلة لا مرد عليها
    فتراه بينهم كقاضٍ يقضي ويأمر وينهى , وهم مطيعون موافقون على كل ما يبدو منه بدون أدنى اعتراض على أقواله , لما له من السلطة والسيطرة عليهم . ومع هذا تراه غير راضٍ عن حياته معهم , فدأبه التذمر . وحتى الآن لا يزال البعض يذكرون أنه كان أحد المشايخ جالساً في (( المَنْزُوْل )) ومعه بضعة رجال بينهم واحد من الذين لهم دالَّة لديه . فأخذ الشيخ يتذمر من فلاحيه , ويندب سوء حظه معهم ويعدّد أتعابه أمامهم وما يقاسي من العناء والتعب في السهر على مصالحهم والذود عنهم , ويتأسف جد الأسف على وجوده بينهم . فقال له الفلاح المومَأ إليه : يا شيخ إن الفلاح الذي يملك فداناً واحداً من الحمير يفلح ويزرع عليه , ويعد نفسه سلطان زمانه وسعيداً في حياته ويكفي بيته مَؤُنة وعيلته طعاماً ولباساً . فأنت يا شيخ تملك من 70 إلى 80 فداناً تأخذ غلالها من ((هالفلاحين)) ( هؤلاء الفلاحين ) , فكيف لا تقوم هذه الغلال بأودك وأود عيلتك ؟ وعلام تتذمر ؟
    وكذلك يذكرون عن شيخ قديم أنه كان قد شاخ وأصبح عاجزاً فسلم (( المشيخة )) إلى ولده الشيخ الشاب . ولما رأى أن ولده يسئ إدارة الفلاحين قام يؤنبه ويوبخه بكلام قاسٍ صعب على الشاب سماعه . فقال لوالده : علامَ توبخني وتعنِّفَني وأنت لم تخلِّف لي من الأملاك شئ يذكر ؟ فما نصيبي من إرث سيقاسمنيه إخوتي و أخواتي السبعة عشر ؟ فأجابه الوالد : ألا يكفيك ما أورثتك إياه من الفلاحين الذين يربي عددهم على المئة والخمسين فدّاناً ( كذا ) يفلحون ويزرعون على حسابك وأنت تقاسمهم أتعابهم وهم لك مطيعون . أصلحك الله يا ولدي . فهكذا ظلَّت حال المشايخ مع فلاحيهم حتى أواخر القرن الغابر في النبك وفي جميع أنحاء القلمون , وخصوصا في أيام التجنيد وجميع العسكر أي وقوع القرعة العسكرية
    الباب الخامس : اَلتَجْنِيْد
    لم تكن في ذلك الزمان طريقة أخذ العسكر , التي كان يطلق عليها كلمة ((القرعة العسكرية)) منظمة كما كانت أخيراً . إذ لم يكن إحصاء للنفوس ولا قيود مضبوطة . فكانت الحكومة تُضطر أن تعتمد على ((المشايخ)) أي ((مخاتير)) القرى والقصبات . فكان بيدهم الحل والربط , فيبعثون من يشاؤون من أولاد الفلاحين إلى الجندية ويبقى من يرضون عنه عند أهله . وكان للشيخ اليد الطولى في هذا الأمر . إذ كان موظفو دائرة التجنيد يأتون من دمشق فيحلّون ضيوفاً على المشايخ ويعقد رجال الحكومة إجماعاً عامَّاً في دار الحكومة يحضره جميع مشايخ النبك والقرى التابعة لها ووجهائها , ويقرأون (( الفرمان )) أي الأمر السلطاني العالي بأخذ العسكر في حفلة رسمية تجمع بين موظفي الحكومة من ملكيين وعسكريين
    فتصطف الجنود رافعة سلاحها حتى آخر قراءة الفرمان . فيقوم القاضي أو المفتي بعده بدعاءٍ إلى الله ليحفظ الدولة العلية ويمدّ عُمْرَ ذي الشوكة السلطان عبد الحميد . ويختمونه بصراخ الحضور (( بادشاهم جوق يشا )) أي فليحيَ سلطاننا كثيراً ,ثم يشرعون في انتخاب العسكر أو الجنود وتعيين المدعوين للتجنيد . فيرمون القرعة في دار الحكومة , وتسحب الأوراق المصطلح عليها بحضور هيئة الحكومة ومشايخ البلاد ووجهائها .فكان يأتي الشاب ويمد يده إلى كيس ويسحب منه ((ماسورة)) ضمنها ورقة ملفوفة . فيأخذها منه أحد صغار الضباط ويقرأ مافيها ويعلن قائلاً : ((خالية)) أو ((عسكرية)) . فيرددها الحاجب الذي عند باب الغرفة , فتصرخ والدة الشاب , إما مُزَغردة أو مُوَلْوِلة , لأن الجندي كان يُبعث في ذلك الزمن إلى بلاد بعيدة , كبلاد اليمن أو الروملّي أو كريت أو الجبل الأسود أو بغداد أو أرزروم أو غيرها من ساحات الحروب العثمانية المخيفة
    الباب السادس : عَصْرِيَّاْت الفَلاَّحِيْن
    يظلُّ الرجال في (( منزول )) المختار حتى الظهر تقريباً . فيرجع كلٌّ منهم إلى بيته . وعند العصر يذهبون إلى ساحات البلد العامة . ومنهم من يذهب إلى ساحة الخان , حيث يجلس مفترشاً الأرض ملتفاً بعباءته يصطلي بشمس العصر , مُمَتِّعَاً نظره بمرأى القوافل الآتية من الشمال والجنوب , محدثاً رفقاءه عن الحوادث الحاضرة والسالفة فتارةً يحدثهم عن (( أشابه )) البلد والجوار أي شجعانها , وطوراً عن مشاهير عرب البادية وأفعالهم وغزواتهم وأُخرى عن أشياء مستغربة ومستهجنة مما سمعه أو رَآه : كالتلفون وسواه , أو عما جرى له أثناء سفرته القريبة العهد أو البعيدة . ويظلون هكذا حتى المساء فيرجعون إلى بيوتهم
    أما الذين يجلسون في ساحات البلد , فبعضهم يتسامرون كما ذكرنا , وبعضهم يلعبون (( بالمَئْقَلَة )) . وهي قطعة من خشب الجَّوْز بطول 75 سنتيمتراً وعرض 20 وسمك 5 سنتمترات , ويحفرون فيها أربع عشرة حفرة في صفين متحاذيين , وتسمى الحفرة منها (( َبيْتَاً )) فيضعون في كل بيت سبعاً من الحصى الصغيرة الملساء يلتقطونها :من النهر . وعلى هذا نظموا فيها هذا اللغز
    أرملة ولها زوجيـن عميا بأربعتعشر عين
    عاقر ما بتجيب ولاد إلـهـا ميـّه إلا اثـنـيـن
    يجلس اللاعبان على الأرض متقابلين وهي بينهما . فيأخذ كل منهما بدوره في تفريق حصى البيت على البيوت الباقية . فإذا أَلَّفَت آخر حصاة من يده زوجاً أو زوجين أخذهما ربحاً له مع ما ازدوج قبلهما . وهكذا دواليك إلى أن تفرغ المنقلة من الحصى . والغالب من جمع منها العدد الأكبر . فيحق له حينئذٍ أن يأخذ حصاة لها حدّ ويكشف عن زند المغلوب ويفركه بإصبعه ثم يحاكي ((يقلد)) الجرَّاح في عملية الفصاد , خشية أن (( ينفر دم المغلوب إلى رأسه )) من تأثير الإنكسار . عندئذٍ ينهال الحاضرون على المغلوب بالتهكم
    الباب السابع : اَلـْوَلاَئِـم
    يدخل المدعوون إلى غرفة من غرف الدار بعد ما يلقون السلام . ويخلعون نعالهم في العتبة المفصولة عن باقي الغرفة بحاجز من الخشب يسمونه (( درابزين )) . وتكون الغرفة مفروشة بالسجاد أو البسط والَلبَّاد , وقد مُدَّت في جوانبها الفرش , وفوقها المرافق والوسائد المحشوَّة بالخروق البالية بتَّكِئُون عليها . ولا يكاد يستقر الداخل في موضعه حتى يبادره الحضور , كلٌّ بدوره , بإلقاء التحية قائلين : ((مرحبا)) أو (( مسِّيك بالخير يا أبا فلان )) فيرد عليهم التحية بأحسن منها
    المَوْقَدَة وَالوجاق
    في إحدى زوايا هذه الغرفة موقد بثلاث أثافيّ من الحجر الصلب مرتبط بعضها ببعض بما يبنون حولها . فتصبح كأنها حجر واحد تتصل بأسفلها من الأمام بحجر مجوّف مقعر يدعى (( الحوم )) تجمع فيه النار . وفوق الموقد مدخنة من حجر ولِبِن وطِين يسمون بعضها الوجاق , وهي كلمة تركية . والوجاق واجهة من حجر الكداني الأبيض المنقوش نقوشاً عربية جميلة , بطول متر وربع وعرض خمسة وسبعين سنتمتراً وسمك عشرة سنتمترات مركزة بين الحائطين فوق الموقد على قاعدتين من أصل الحائط ومرتفعة عنه نحو تسعين سنتيمتراً .
    ويسقفونه ببلاط من نوعه , ويبنون المدخنة منه إلى سقف الغرفة حيث يصلونها بكُوَّة يصعد منها الدخان . ففي الموقدة يشعلون النار من الحطب والشيح والفحم و ((الجلَّة)), وهذه كتلٌ من روث البقر , (( الكِرْس )) وهو ما يتلبد من تراكم بعر الدواب واختلاطه ببولها .
    اَلْقَهْوَة
    أول ما يقع عليه نظر الداخل إلى هذه الغرفة , النار وقد صُفَّت عليها أباريق القهوة والشاي الحلبي . وهذا مركَّب من البهارات الحارة كالفلفل والقرفة والقرنفل والجنزبيل وجوز الطيب , المطبوخة مع السكر والمحفوظة أقراصاً ويصنعونها في حلب . وأمام الموقد صاحب البيت أو أحد أبنائه أو أقاربه وبيده محمصة من حديد ذات ساعد بطول ثمانين سنتمتراً
    وإلى طرف الساعد سلسلة صغيرة عُلِّقَ بها قضيب من حديد ينتهي بشبه ملعقة يحرَّك بها البنّ عند تحميصه . فمتى فرغ الرجل من تحميص البن يضعه في هاون من الخشب الصلب ليبرد , ثم يدقه بمِدَقَّة من الخشب عينه يسمونه (( المِهْبَاج )) دقَّاً موزوناً له إيقاع يستحسنه الحضور بينما الرجل يفتخر ويباهي بموسيقاه المُطربة
    حينئذٍ يأخذ في طبخ القهوة بشئ من الخمير المحفوظ في الأباريق ( أي ما تبقى من القهوة المطبوخة سابقاً ) فيضيف إليه الماء اللازم , ويغليه جيداً . ويسكب منه في إبريق مخصوص بالطبخ مع القهوة المدقوقة حديثاً ويحترس لئلا تمس يده القهوة المدقوقة خوفاً من أن يعلق بها من يديه رائحةً أو طعم غريب يذهبان (( بنكهتها )) وحينما تنضج يضع لها حب ((الهال)) مدقوقاً ويروّقها أي يسكبها في إبريق ثالث يختص بالقهوة (( البكر )) كما يقولون , ثم يصب من إبريق الخمير فوق الإبريق الذي طبخت فيه القهوة شيئاً من الخمير ويلصقه بالنار لكي يُطبخ ثانيةً , وهذه يسمونها ((التنوه)) . ويصب من البكر قليلاً في الفنجان ويحرّكه حتى يتلوث داخله منها , ويصب ما فيه في الفنجان الثاني ويعمل به كما عمل بالأول , ويرمي مافيه على الأرض . وهذه يسمونها (( حصة الشاذلي )) لاعتقادهم أن الشاذلي هو الذي ابتدع شرب القهوة أو هو أول من شربها , وأنهم إذا لم يرموا هذه من الفنجان إلى الأرض ينقلب الإبريق وتُراق القهوة حتماً . ثم يَصُبُّ القهوة بفنجـان ويشربها هو نفسه على مرأى من الحضور طمأنة لهم . ثم يدور عليهم ويسقيهم أولاً وثانياً . وهم يشربون ويعيدون الفنجان قائلين : (( دائمة )) , أي عسى أن تكون قهوة دائمة . فيجيبهم الساقي : (( صحتين ))
    وكانت القهوة في تلك الأيام لا تُصنع إلاّ في بيوت المشايخ والوجهاء المثرين , أو في الأفراح والولائم . وما كنت ترى أباريق القهوة إلاّ في بيوت هؤلاء . وعند الحاجة إليها يستعيرها من يقيم الأفراح في بيته . وكانت القهوة المشروب الوحيد الفاخر عندهم , وكانوا لا يعرفون غيرها من المشروبات المنعشة أو الكحلية مطلقاً , بل كانت نفوسهم تشمئز من ذكرها , مسلمين كانوا أم مسيحيين , وظلوا على ذلك حتى أواخر القرن الغابر .
    تَنَاوُل اَلطَعَام
    بعد ما يكمل عدد المدعوين يضعون في وسط الغرفة (( سفرة )) من الخشب ترتفع عن الأرض مقدار نصف ذراع . ويضعون عليها ((المنسف)) , وهو وعاء من نحاس كبير مقعر ملآن من الأرز أو البرغل المطبوخ بالسمن , في الوسط , وحوله صحاف فيها من أنواع الطبيخ المختلفة , لكل مدعوّ من كل شكل صحفة مملوءة
    ويضعون أيضاً من خبز التنور أكداساً , وملاعق خشبية على عدد المدعوّين . فيبدأ صاحب البيت قائلاً : (( تفضلوا على الميسور )) . فيجيبونه : (( ميسور غانم ))
    ويدنون إلى السفرة بحشمة واحترام الواحد بعد الآخر , كلٌّ بحسب منزلته , حتى تمتلئ المواضع حول السفرة فيأخذون في الأكل بعد البسملة , بدون أن َينْبِس أحدهم ببنت شفة . إذ كانوا يعتقدون أن الكلام حول السفرة حرام ويقولون : (( لا سلام ولا كلام على الطعام )) . فيأكلون صامتين , فلا يسمع من في البيت غير صوت التهامهم الطعام . وكانوا يفضلونه حارّاً جداً حتى الغليان
    فكان الواحد منهم (( يَشْرِق )) مافي المعلقة من الحساء (( شَرْقَاً )) عنيفا ً ( أي يرتشفه ارتشافاً ) فيُسْمَع له صوت عالٍ , ويَمْضَغ مَضْغاً لا يتفق مع آداب المائدة في أيامنا هذه . ويتسابقون بسرعة التهام الطعام . فمن أقوالهم المأثورة (( كل أكل الجمال وقم قبل الرجال ))
    وترى صاحب البيت وأولاده وإخوته واقفين , وبأيدي بعضهم الماء للشرب , وبأيدي الآخرين صحاف مملوءة من أنواع الطعام . فيتفقدون الصحاف والمنسف لئلا ينفد مافيها فيصبّون في ما نقص منها قائلين : (( يا مية أهلا وسهلا , ويا حلّت البركة , صحتين وهنا , الأكل على قد المحبة يا جماعة ))
    وكلما قام واحدٌ من المدعوين يلمس طرف السفرة بأنامله ويرفع يده إلى فمه مقبلاً إياها , حامداً الله , قائلاً : (( دائمة إن شاء الله )) . فيأخذ غيره محله , إلى أن يأكلوا جميعهم ويرجعوا إلى مجالسهم الأولى . وعندما تُرفَع السفرة وما عليها يقول المَدْعُوُّون جميعاً : (( سفرة دائمة إن شاء الله ))
    ويأخذون يتسامرون , ويتجاذبون تلك الليلة أطراف الأحاديث
    الباب الثامن : السَّهْرَات
    بعدما يشربون القهوة والشاي الحلبي , والتبغ (( بالسبيـــل )) أو (( الغليون )) , والتنباك في (( الأركيلة )) أي النارجيلة , ( وتكون غالبا جوزة من جوز الهند مهيأة كما في الرسم )
    كانوا في ليالي الشتاء الطويلة يأتون بمن يحسن القراءة وله صوت جميل , فيقرأ لهم إما سيرة عنترة بن الشداد أو قصص بني هلال ويسمونها (( تغريبة بني هلال )) أو قصة الزير أبو ليلى المهلهل , أو يقص عليهم قصصاً لا أصل لها أبطالها من الجن والمردة يلفقها بحسبما توحي إليه قريحته أو مما سمعه ووعاه من غيره , فيذكر لهم ((خاتم المارد)) , يفركه عند الإحتياج فيأتيه المارد ملبيَّاً له كل ما طلب قائلاً : (( لبيك , عبدك بين يديك )) ويذكر لهم (( طاقية الإخفا )) لكي يلبسها عند الحاجة فتخفيه عن عيون الناس وهو يراهم . و (( الشعرات السبع )) , و (( الريشة من الحصان أو من الطير )) ليحرقها عندما يقع في مشكل أو خطر , فيأتيه الحصان أو الطير فيستخدمهما لكل ما يلزمه ليخلص من كل ضيق
    لُعْبَة الصِّيْنِيَّة
    أو يلعبون بلعبة الصينية . وعليها تسعة (( فناجين )) أو أقداح صغيرة يخبئون خاتماً تحت واحد منها . وينقسمون قسمين . وعليهم أن يعرفوا أين مخبأ الخاتم , بموجب قانون هذه اللعبة . فمن غلب منهم يأخذ في تعيير المغلوب بأغاني وحركات هزلية لا تخلو من البذاءة والهزء والسخرية في غالب الأحيان . فيتقبل القسم المغلوب كل ذلك من الغالب برضى . ولابد للمغلوب أن يغلب يوماً , فيثأر لنفسه
    لَعِب الوَرَق
    أو يلعبون بورق اللعب , لعبة المئتين . ومن يغلب منهم يحق له أن يزيّن المغلوب بالورق الزائد , أي أن يضع بين عقاله ورأسه ورقة كريشة العروس يوم (( جلوتها )) . وله أيضاً أن يسمعه كلام هزء وسخرية . وهكذا حتى آخر السهرة
    فيأتيهم حينئـذ صاحب البيت بالعنب والجوز والتين والبطيخ والبرتقال والإجاص الملكي
    أوالشتوي , فيتناول كلٌّ منهم ما يشتهي ويريد . وهذه يسمونها (( السَّهرية ))
    وبعد هذا ينفرط عقدهم , ويبقى من كان ضيفاً في بيت مضيفه صاحب الوليمة , الذي أَوْلَمَ على شرف الضَّيف إكراماً له
    الباب التاسع : الـِّلبَاْس
    أَلْبِسَة الرِجَاْل
    كان الرجل يلبس أولاً جلباباً أي قميصاً يصل إلى ما فوق أقدامه . وتحته سُروالاً من الخام البلدي الأبيض يربطه بتكة فوق وركيه . وفوق القميص (( صدرية )) أي صدرة تحيط بالصدر والظهر بلا أكمام , لها أزرار على الصدر . ومع الصدرة (( شنتيان )) , أي سروالاً من الخام البلدي الكحلي المطرز بالحرير الأحمر والأصفر على جيوبه وعلى أطراف رجليه , يربطه فوق خصره بتكة من نوعه . وفوق (( الصدرية )) صدرة ثانية بأكمام بدون أزرار يسمونها (( أجلك )) مطرزة أيضا كالشنتيان . وهذه الثلاثة من الخام البلدي المصبوغ بالنيل باللون الكحلي أو الأزرق . ويتمنطق بمنطقة عريضة من الصوف الأحمر والأزرق ينسجها بيده . وقد أخذ في أواخر القرن الماضي يتمنطق (( بالكمر )) المصنوع من الصوف حديثاَ . وفوق هذه كلها يلبس عباءة صغيرة تشبه (( الأجلك )) يسمونها (( ريع )) , إنما تكون أكمامها إلى المرفق . وفي أيام البرد يرتدي عباءة من الصوف الأسود الموشح بقليل من البياض , وقد يكون نسيجها ذا أقلامٍ سود وبيض , وأكمامها إلى المرفق أيضاً , وهي تصل إلى ما فوق الركبة ويسمونها (( زناريه )) لأنهم يتزنرون فوقها أثناء شغلهم . ويلبس الجمَّالة منهم رداء من جوخ عسلي اللون سميكاَ ذا قبعة , يسمونه (( كبّود )) أو (( دامر )) ويضعون على رأسهم قطعة من القماش القطني ملونة بالأسود والأحمر والأزرق أو غيرها من الألوان , يلبسون تحتها (( لبَّادة )) من الصوف أو (( طاقية )) تحوكها نساؤهم بأيديهن وفوق الجميع عقال مبروم من الصوف أو الوبر بطريقة خاصة بالعُقُل . ويرتدون فوق الكل عباءَةً كبيرة من الصوف تنزل إلى الرجلين , ليس لها أكمام , وهي عريضة تُلقى على الكتفين فتغطي الجسم كله وترد عنه الهواء والبرد والمطر والثلج . ويحتذي (( المداس )) من صنع سكافيّ البلد , وله شكل خاص يجعله يضبط الرجل ويغمرها . وهو متين لأنه مصنوع من جلد الجمل أو البقر المدبوغ في هذه البلاد . وله نعلان : نعل عادي , ونعل من فراسن الجمال وكلاكلها
    ولا يهمُّ الجمَّالة ثقل المداس وقساوته , لكثرة ما يقومون به من الأسفار البعيدة في الجبال والأراضي الحجِـرة
    لباس الفلاحين
    أما الشبان فيلبسون فوق القميص والسروال رداءً (( كالقنباز )) يسمونه (( صاية )) من الخام البلدي المصبوغ باللون الأزرق . ويتمنطقون فوقه بسير من جلـد في الصيف أو بزنار من الصوف في الشتاء . ويلبسون عباءةً حمراء مقصَّـبة (( كالزنارية )) المذكورة قبلاً
    وهي من صنع الزوق الزوق : بلدة في قضاء كسروان بلبنان مشهورة بأقمشتها الحريرية
    ويتحلون بالخواتم الفضية . وترى أحياناً شبَّـاناً متزوجين ينيف عمرهم على العشرين سنة , وفي آذانهم أقراطٌ ذهبية . تُهدى هذه إلى البكر إذا كان غُـلاماً . ويكون عادة من أولاد الأغنياء أو وحيداً لأهله . وترى حول وجوه البعض منهم ضفائر من شعورهم تتدلى على أعناقهم حتى الصدور , فيباهون بها ويقلِّدون عرب البادية . ويلبسون على رؤوسهم كالرجال ما خلا بعض تغييرات يتبعها الشاب بدافع التطور والترقي . وترى رؤوس الشبَّـان أشكالاً كثيرة متنوعة . فمنهم من يُـمَـيِّـل عقاله إلى اليمين , ومنهم إلى اليسار , ومنهم من يقدمه فيضعه على جبهته ومنهم من يلقيه إلى مؤخرة الرأس
    وكان أولاد الأغنياء والوجهاء يلبسون القميص الأبيض ذا الأردان المطرزة بالحرير الأبيض ويتقلدون فوقه السلاح على أنواعه , وخصوصاً في أيام الأعراس والأفراح
    وكان الأغنياء والمتقدمون في
    السن يلبسون (( البُطُر )) و
    هو سروال فضفاض من الخام
    البلدي الأبيض , وأخيراً أخذوا
    يستعملون لذلك الأقمشة
    الأوربية التي يسمونها
    (( بياضاً )) أو (( مقصوراً ))
    أو (( مضاماً )) . وقليل من كان منهم يلبس العمامة البيضاء . وكنت ترى من الشيوخ من يعتّم بالشالة العجمية أو بما يشبهها
    أو بعقال من الوبر يلفونه على رؤوسهم فوق الكوفية أو الحطة الحريرية . أو بزنار حريري ملون كان يسمى )) طرابلسي )) لأنه من مصنوعات طرابلس الشام
    أَلْبِسَـةُ النسَـْاءِ
    أما النساء فكنًّ يلبسن ما يلبس الرجال من الألبسة الداخلية ما خلا بعض التغيير في أرجل السراويل التي تكون)) مزمومة )) الأطراف عند الأرساغ , والبعض منها يُـربط تحت الركبة فيتدلَّى إلى ما فوق الرسغ . ويلبسنَ فوق القميص قميصاً ثانياً بلا أكمام يسمونه (( خَـرَّاطة )) وهو أحمر اللون , وفوقه (( صدرية )) لها أزرار تُضبط على الصدر . وفوق الصدرية (( قنبازاً )) ذا ثلاثة فتحات : واحدة من العنق إلى القدم , واثنتان على الجانبين من الخصر إلى القدم أيضاً . وهذا القنباز يضبط في وسطه الأمامي تحت الصدر فتبقى (( الصدرية )) ظاهرة بأزرارها الفضية المعلقة بحلقات من الفضة , من العنق إلى الزنار
    وترتدي النساء أيضاً ثوباً فضفاضاً من الخام الأزرق يسمونه (( تَـنُّـورة )) ويتمنطقن بزنار من صوف ملوَّن , أو بشالة عجمية إذا كانت من الأغنياء أو البالغات سن الكهولة . فتكون هذه الشالة للمرأة مستودعاً للقضامة والزبيب والجوز والتين , ولأشياء أُخر كثيرة تحتاج إليها المرأة لترضي بها أولادها الصغار . وتستعمل زنارها هذا محفظة للدراهم وللمرآة و(( الكشتبان )) ولمفتاح صندوقها , ولمفتاح باب الدار الخشبي , إذ لم تكن الغالات الحديدية معروفة عندهم بعد , إلا نادراً
    وفي الشتاء تتدثر (( بالدامر )) المطرز (( بالقصب )) أي بالأسلاك الفضية والذهبية , وهو يشبه (( الأجلك )) لكنه من الجوخ . أو (( بساكو )) من الجوخ , واذا كان من المخمل يسمونه (( بانطو )) . وله أكمام , وهو يصل إلى ما فوق الركبتين أو إليهما فيقيهما البرد
    وتضع المرأة على رأسها طاقية سوداء تعصب جبهتها فوقها (( بشملة )) حريرية أو عصبة قطنية سوداء . وتلف رأسها بمنديل طوله أربع أذرع وعرضه ذراع , ملون بالأحمر والأسود والأصفر من مصنوعات حلب , تطلق نصفه على ظهرها من فوق قمة رأْسها فيصل طرفه نحو القدَمين , والنصف الآخر تلفه حول رأسها وعلى عنقها وتتلثم به بشكل يناسب ألبستها , فيرد البرد والهواء عن عنقها وأذنيها
    و (( تسبل )) أي ترخي (( سالفيها )) أي شعر مفرقيها على خديها حتى ذقنها , فيظهر وجهها إلى ما فوق حاجبيها مستديراً يستلفت إليه الأنظار . وعندما تقصد أن تقي وجهها لذعات البرد القارس , أو لأي غرض آخر , تأخذ مما لُفّ به عنقها من المنديل وترفعه إلى ما فوق انفها , فيتغطى به معظم وجهها ما عدا عينيها . وهذا يسمونه (( خمار )) وهو اللثام . وكان النساء المسلمات والمسيحيات أيضاً يتجنبن كثيراً أن تكشف لمّتهن أما الرجال , ولو كانوا من ذويهن الأخصَّـاء , ويحسبن ذلك محرماً وعيباً شائناً
    وكنّ لا يستعملن لألبستهن إلا الأقمشة القطنية والصوفية والحريرية المنسوجة بأيدي أبناء البلاد على أنوالهم البسيطة , كالخام البلدي والعباءَة والديما والكرمسوت والدامسكو والعصمانية والألاجا والحامدية وما شابه ذلك من مصنوعات دمشق وغيرها من البلدان
    وظلت الأقمشة الفرنجية غير معروفة عندهنّ إلا نادراً , حتى أوائل الربع الأخير من القرن الغابر . فهب يوماً رجل وفتح حانوتاً وأخذ يجلب إليه من بيروت الأقمشة على اختلاف أنواعها . فجعلن يتهافتن على لبسها منقادات بحبهن للجديد ونزوعهنَّ الفطري إلى التحول والتقلب والظهور بمظاهر غريبة عن المألوف , مأخوذاتٍ ببهارج الصناعة الفرنجية وزخرفتها
    وتحتذي النساء (( البابوج )) وهو من الجلد الأصفر معقوف الرأس ذو كعب قصير جداً وفي الشتاء يحتذين القبقاب العالي (( الشبراوي )) أي بعلو الشبر أو أكثر أحياناً , إتقاء للرطوبة والوحول
    وكانت البنات والنساء يضفرن شعورهن بضع ضفائر مع جدائل من الصوف ويرمين بها إلى ما وراء ظهورهن وكانت المثريات منهن يربطن أطراف جدائلهن بقطع من الفضة للزينة , أو بقطع من النقود الفضية المتداوَلة , نظير نصف (( الزهراوي )) وربعه يسمونه (( رختاً )) ويتمنطقن بمناطق من صوف أو حرير ملون لها أهداب حريرية فيها خيوط الفضة والذهب
    وكان الأغنياء المتقدمون في السن من كلا الجنسين يلبسون الجوارب العجمية من الصوف في الشتاء بعدما يبطنون أسفلها بجلد من (( الحور )) الأبيض والأصفر , وبجلد أحمر فوق أصابع القدم ومن وراء العقب , فيطول بذلك عمر زوج الجوارب إلى ما يزيد عن الخمس سنوات
    حُـلِيّ النسَـاء
    وكنَّ يتحلين بالأقراط الذهبية . والقرط حلقة بدائرة (( الريال )) نصفها الأسفل من كرَيّات صغيرة من الذهب مخرمة ومزركشة يعلق في كل منها (( ربعية )) أي ربع غازي , والنصف الأعلى سلك مربوط بالنصف الأسفل بمفصلة يُدخَل في الأذن حين التحلي به . ولذلك يسمونه (( حَـلَـقْ )) ويصلون القرط بسلسلة من الذهب أوالفضة مَـنوط بها (( غوازي )) , وفي أعلاها كـلب يُـغرَز في الشعر والعصبة معاً فتتدلَّى الغوازي بعضها فوق بعض على جانبي الوجه فتزيده رونقاً وبهاء , ويسمون ذلك (( حلق مشنشل ))
    ويتحلَّـين أيضاً بالخواتم والأساور الفضية , وقليلٌ منهنَّ بالذهبية , والغنيات يلبسن مع الحلق المذكور قطعتين من الذهب الرقيق مثلثتي الزوايا تدعيان (( قراني )) , و(( القراني )) مرصعة منقوشة تعلّـق بزرَدٍ كزرَدِ الحلَـق
    ويتحلين أيضاً بالحجب الفضية والذهبية . وهذه تكون غلافاً (( لكتاب )) , أو تميمة لوجع الرأس أو (( للقرينة )) التي يعتقد بها النساء أنها قرينة لهن من الجنّ مضرة , تسبب لهنَّ وجع الرأس أو العقم أو موت الأطفال أو غير ذلك من المصائب , وقد يلبسن التمائم اتّـقاءً لمضار الخوف أو للخبَـل
    ويتحليَّـن أيضاً (( بالكردان )) و (( الصنوبرة )) في العنق . وينظمن عقوداً من الخرز الأزرق وبينها (( الغوازي )) أو أنصافها يسمونها (( أطواقاً )) جمع طَـوق . ويتحليَّـن (( بالصف )) , وهو من أرباع الغوازي الذهبية يخطنها على العصبة صفَّـاً منتظماً فوق الجبهة . و(( بالناطور )) , وهو قطعة من الذهب مزركشة تشبه اللوزة الصغيرة مرصعة بالخرز تناط بالعصبة فتتدلَّى بين الحاجبين . و(( بالسليتات )) وهي سلاسل رفيعة من الذهب تلبس في المعصم كالسوار . ويتمنطقن حينما يتزينَّ في الأعراس والأفراح والأعياد , بمناطق من المخمل الأسود أو الأزرق أو الأحمر يدخلنَ فيها قطعاً من الفضة المزركشة كاللوز
    ويتحلينَ أيضاً بالخلخال فيلبسنه فوق الأرساغ , وهو من الفضة يعلَّـقنَ به جلاجل صغيرة تَرنّ عند خَطو لابستها
    سيدة من النبك بملابسها وحلاها القديمة
    (( وبالخزام )) في أنوفهن , وهو يشبه نجمة مصنوعة من الذهب في وسطها خرزة زرقاء تعلَّـق بها رقائق صغيرة من الذهب . وللخزام (( دبوس )) يدخلنه في ثقب بأنوفهن كثقب الأذنين , وله من الداخل رباط يمنعه من السقوط
    وفي أواسط الربع الأخير من القرن الغابر أخذت النساء تتزين (( بالشَـكَـل )) وهو سلسلة من الفضة أو الذهب يبلغ طولها أحياناً ذراعاً واحدة يعلقون في وسطها قطعة ذهبية من نقود النمسا يسمونها (( قرنيصة )) , وكانت قيمتها إذ ذاك 300 قرش أو ليرتين إنكليزيتين , ويعلقون على جانبي ((القرنيصة)) عشرين أو ثلاثين غازيَّـاً عتيقاً , ويلبسنَ (( الشكل )) في أعناقهن فيتدلى على صدورهن فتكمل به زينتهن
    وكان الشبان والصبايا يتزينون بالوشم على أيديهم وزنودهم , والبعض على صدورهم , ويباهون به كثيراً
    الباب العاشر : فِـلاَحَتِهِم & زِرَاعَتِهِـم
    يقسم الفلاحون في القلمون إلى ثلاث طبقات : قوية , ومتوسطة , وضعيفة
    الفلاح الذي من الطبقة الأولى هو الذي يملك أرضاً واسعة تُـسقى بالماء , ويملك مايكفيها من ماء البلد 1( تقسم ماء النبك إلى أربعة وعشرين (( عدَّاناً )). ويعتبرون النهار (( عداناً )) والليل (( عداناً )) , ويقسمون كل عدان إلى ثلاث فِـرَق . وكل فرقة تدوم أربع ساعات . فيكون مجموع الساعات 288 ساعة . وهذه يسمونها (( شدداً )) فمن كان له ساعة شدد يأخذ ثلاث ساعات رمليَّـة من الماء كما هو مبين في الجدول التالي عن تقسيم الماء بين فلاحي النبك
    أربعة وعشرون (( عدَّاناً )) أو مصراعاً يتبادلونها كل اثني عشر يوماً فيصبح أصحاب العدّان الليلي للنهار ويمسي أصحاب العدّان النهاري لليل
    النهار الليل
    عدان بيت الشيخ عدان بيت الصيفي
    عدان بيت المشحم عدان بيت اللهب
    عدان الحشاشين عدان بيت أبو إبراهيم
    عدان بني مسلَّـم عدان بيت الشاقي
    عدان بيت الأجرودي عدان بيت قطيط
    عدان بيت عابده عدان بيت أبو الديك
    عدان بيت خميس عدان بيت البدوي
    عدان بيت زهرة وبني سعد الدين عدان العساكره
    عدان بيت عروق عدان بيت مسكة
    عدان بيت الدماشقة عدان بيت الحاج مصطفى
    عدان بيت العينيَّـة عدان الخرامزه
    عدان بيت أبو يحيى عدان بيت النكار
    وأرضاً كثيرة في البرية لا تسقى إلا بماء المطر . وهذه هي الأراضي البعلية , وهي ملكٌ مشاعُ بين عامة الأهالي غير مقسوم , ما خلا قطعاً صغيرة مملوكة مُـلكاً مُـطلقاً
    والفلاح الذي من الطبقة المتوسطة هو الذي يملك مقدار نصف أو ثلث ما يملك الفلاح القوي من سقيً وقدر ما يملك ذاك من أرضٍ بعل
    والفلاح الذي من الطبقة الثالثة هو الذي لا يملك من السقي إلا القليل , وله من الكروم ما يقدر على إسقائه في الشتاء إذ يصبح الماء مباحاً للجميع
    وقلَّ من لا يملك قطعةً من الكروم أو لا يملك دابة أو دابتين مهما كان ضعيفاً أو فقيراً . والدواب ضرورية للفلاح أيَّاً كانت طبقته : أولاً للفلاحة والزراعة . ثانياً لجمع مزروعاته ودرسها ونقلها . ثالثاً لجلب الوقود في الشتاء إلى بيته . رابعاً للمكارة عليها في أوقات الفراغ . ولغير ذلك من الحاجات الضرورية
    فإنهم على اختلاف طبقاتهم , ذوو همة شماء ونشاط عظيم , مشهورون بإقدامهم على العمل وسرعتهم في إنجازه يكرهون البطالة والكسل ويقدمون على أعمالهم مدفوعين بعامل الأنفة والعزة , تخلصاً من الذل والهوان وهرباً من الحاجة والعوَز
    يقدسون الواجب ولا يأبهون لرفاهة العيش ورخاء الحياة , بل يحسبونهما كسلاً وخمولاً ويتجنبون تربية أولادهم عليها
    تراهم يرقبون الفرص . فلا يكاد يأتي الربيع ببهجته حتى يهب الفلاح منهم مستصحباً دوابه و(( العدة )) والسكة اللتين ورث شكلهما عن أجداده السالفين , إلى الأراضي البعلية . (( ويُـكَـدِّن )) أي يقرن زوجي بغال أو بقر , أو الجنسين معاً , أو الحمير ويشدهما إلى المحراث فيجرانه , وهو ممسك بيمناه عصاً بطول متر يسمونها (( مسَّاساً )) أي مساساً يسوق بها الفدَّان , ويقبض ويكبس بيده الثانية على (( كابوس )) السكة . فتشق الأرض خطوطاً متحاذية ,إلى أن يفلح كفايته من الأرض ويتركها للطبيعة تفعل بها ما تشاء مدة ثلاثة أشهر . وفي أواخر حزيران يعيد فلاحتها ثانياً .ويسمون عمله هذا (( ثناية )) ويتركها إلى منتصف شهر آب . فتصبح تلك الأرض صالحة للزراعة فيأتيها الفلاح بالحنطة أو الشعير ويزرع فيها ما تستوعبه من تلك الحبوب الموافقة لأراضي القلمون ومناخه وتربته . ويساعده على هذا العمل أولاده أو شركاؤه من الفلاحين الذين من طبقته . فإنهم يتشاركون فيفلحون ويزرعون معاً على بركات الله , منتظرين حلول رحمته تعالى بالأمطار والثلوج طول الشتاء . فيجلبون الحطب والشيح من جبالهم الشرقية والغربية , والكرس من (( مراح )) أي مأوى الغنم والجمال فيها . وفي أوقات الفراغ يسافرون شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً
    فيأخذون من محصولاتهم , كالحنطة والشعير والدبس والزبيب والثوم والجزر , فيبيعونها ويبتاعون بثمنها ما يحتاجون إليه من سمن وزيت وزيتون وحمص وعدس ولوبيا , وما شابه ذلك مما يلزمهم ويحتاجون إليه من مؤنة لبيوتهم
    الحَصَـْاد
    ولا يكاد ينضج زرع الأراضي البعلية حتى يكاد صبر الفلاح ينفد مع مؤنته . فيهب مع أولاده إذا كان قويَّـاً بأولاده ودوابّه , أو مع شركائه إذا كان ضعيفاً , ونفوسهم ممتلئة أملاً ونشاطاً
    ويصلحون ما تعطل من (( شباكهم )) ( جمع (( شبكة )) وهي أداة يستخدمونها لنقل الزرع المحصود على ظهور الدواب ) من السنة الغابرة ويهيئون (( الموارج )) أي النوارج والرفوش والمذاري والقرَب لأخذ الماء إلى البريَّـة خشية العطش . ويأخذون معهم ما يلزمهم للمأوى ولإعداد طعامهم , (( كالصاج )) للخبز والطناجر للطبخ والبسط والفرش واللحف أحياناً والأعبئة و (( البواظي )) . وهذه تحاك من الصوف سدى ولحمة , وتشبه العباءة الكبيرة بشكلها , غير أن لها أكماماً قصيرة جدَّاً يلبسها الفلاح تحت العباءَة لزيادة التدفئة في البرد القارس ولا سيَّـما في الليل حينما يُعزِبون في البرية بعيداً عن البلد
    ويذهبون كباراً وصغاراً , رجالاً ونساءً , شباناً وصبايا . وكان الرجال قبلاً يأخذون بنادقهم ذوات القدَّاحة والصوَّانة للمدافعة عن أنفسهم إذا هاجمهم عربان البادية أو عربان جبل الدروز والصفا . وكان من دأب هؤلاء أن يشنوا الغارات على الفلاحين وعلى أصحاب المواشي في (( مشاتيهم )) وعلى الطريق فيقطعونها وينهبون ويسلبون ويقتلون ، وكثيراً ما كانوا يدخلون البلد وينهبون منها ما تصل إليه أيديهم غير مبالين بالحكومة أوانئذٍ ولا هيَّابين سطوتها . فحينما كانت تـُنهب المواشي من (( مشاتيها )) كان يأتي من يخبر (( مشايخ )) البلد , وهؤلاء بدورهم يخبرون الحكومة ويُـصعِـدون (( الحواط )) أي خادم البلد إلى المئذنة فيصرخ قائلاً : (( يا قواسة , يا بغَّالة , هبّوا )) فيهب الرجال والشبان بسلاحهم وبغالهم , والبعض منهم راجلين , متزودين الخبز والماء . ويهب المشايخ والوجهاء أيضاً بخيلهم وسلاحهم , ويلحقون بالعرب مع جنود الدرك ( الجاندرمة ) . فتارة كانوا يدركونهم ويسترجعون المنهوب منهم , بعد موقعة دامية يتبادلون فيها إطلاق الرصاص , وتارة يرجعون بدون جدوى وأحياناً خاسرين منهم رجلاً أو إثنين أو أكثر . لذلك اضطرت الحكومة أن تعيّن فريقا من الجند كانوا يسمونهم (( عساكر موظفة )) مرتبطة (( بالشراندرمة )) ، تحت قيادة المرحوم محمد باشا الجيرودي المشهور بسطوته على عربان البادية وشجاعته الخارقة العادة وفروسيته التي لا يزال الناس يتحدثون بها إلى الآن . فكان يلحق بالعربان هو وجنوده المنتخبون فيقتل منهم وأحياناً ينكل بهم تنكيلاً رهيباً . وكان لهم معهم مواقع عديدة هائلة جداً . فإنه كان إذا لحقهم برجاله يحرق من يخونه الحظ فيقع بين يديه حيَّاً , ويُـرْجِـع المنهوب في أغلب الأحيان . وقلَّـما رجع بدون جدوى أو خاسراً من رجاله نفراً أو إثنين . وظل البدو على هذا حتى أواخر الربع الأول من قرننا الحالي أي إلى أن احتلت البلاد الدولة المنتدبة الفرنسية , فانتشر الأمن في البلاد وصار الأهالي يروحون ويغدون في صحراء سوريا بكل أمان
    وكان الفلاحون يقيمون في تلك البقاع الزمان اللازم لحصاد زروعهم . فيستيقظون باكراً , ويشرعون في الحصاد بأيديهم . وهم جالسون القرفصاء على صفٍّ واحدٍ , ويتبارون في النشاط والصبر على مضض هذا العمل الشاق إبَّان الحر المحرق
    وإذا كانوا يحصدون في حقل قريب إلى طريق عام أو إلى طريق تسلكه الخيَّالة فلا يتركون خيَّالاً يمر بدون أن يلاقيه ولدٌ أو فتاة حاملة بيدها (( شِـمالْ )) أي قبضة من الزرع تطعمه لفرسه قائلةً له : هذا (( شمالك )) فيعطيها ما تجود به نفسه من الدراهم : ثلاثة أو أربعة قروش أو ربع ريال مجيدي في ذلك العهد . فترجع هذه إلى ربعها مسرورة فرحة بما أعطاها , وهم يتغنون بأغاني الحصاد أو غيرها متحمسين . فتارة يقولون
    ليت الحصيدة كلها كرسنّة والموت أهون من حصاد الحمص
    فيجعل من يحسن فيهم القول يعدد الأدوار على هذه اللازمة , وهم يرددونها وتارة يقول
    يا أمَّـاني ريتك بور ريتك مرعى للزرزور ( ريتك : أي ليتَـكِ )
    أو يقول : يـا هــل طرنطاب هواكــم طــــاب
    و معـــــلمــكــــم حاضـر ما غاب
    أو يقول : شوَّش الجمال عقلي لمَّن شدوا عالرحيل ( أي لمَّا )
    أو : يامعلمتي يا حدندوقه خبز البايت مادوقه
    أو : شو شلب يا شو شلب رأس العنقود انهلب
    :ويقولون لمن يقصر عنهم
    جاي ورانا خشخشه برغوت مدري برغشه
    جاي ورانـــا غــاره جـربـوع مـدري فاره
    :ويقولون أيضاً
    يا حصاد الحر مر جرني عالفـــي جــــر
    ويتحدَّثون بأحاديث شتَّى عن الحوادث الحاضرة أوالغابرة , كالإفتخار والتعجب برجل من النبك أو من القرى المجاورة لها , وخصوصاً إذا كان من أقربائهم أو أصحابهم وكان شجاعاً مشهوراً بمطاردة الأشقياء ورد غاراتهم عنه وعن رفاقه بتفوقه على بضعة رجال من غير النبك بقوة جسمه ونشاطه ورشاقته بالضرب إذا وقعت مشاجرة أو مغالبة , أو إذا كان من الأدباء الذين يقولون المعنَّـى والزجل ويغنون على الدبكة وفي الأعراس . ويتحدثون أيضاً عن حوادث خرافية متعلقة بالجان والشياطين , وتارة عن الأولياء والقديسين والأنبياء , أو عن عنترة والزير والملك سيف وبني هلال وأبو علي الزيبق وما شابههم
    يرمون ما يحصدون وراء ظهورهم (( شمائل )) , فيأتي الفتيان والصبايا ويلتقطونها من ورائهم ويجمعونها حزماً يسمونها (( أغماراً )) . فمتى تجمَّـع منها ما يكفي لحمل الدواب الموجودة لديهم يحزمونها أحمالاً
    فيلقون كل حمل على شبكتين معدَّتين لهذه الغاية ثم يحملونها على الدواب ويرسلونها مع ولدين أو ثلاثة
    رجَّـادين ليرجدوها إلى البيادر . ويُـدعى هؤلاء الفتيان (( رواجيد )) وهم يسيرون على أقدامهم وراء الدواب حفاة مسافة تختلف من نصف الساعة إلى ثلاث أو أربع ساعات . وعندما يصلون إلى البيادر يجدون (( الناطور )) المعين لحراسة بيادر تلك البقعة ينتظرهم . فيساعدهم على إنزال الأحمال وحلها وتفريغها من الشباك . ويعود الفتية على الفور إلى الحقل ليجلبوا نقلة ثانية وثالثة . ويتركون الزرع للناطور . فيكدسه (( كومة )) أي كدساً مخروطي الشكل في وسط البيدر الذي يسمونه (( بيدر القش )) . ويظل الحصَّادون على ما هم عليه إلى الظهر , فيتغدَّون مما هيأته لهم النساء ويعودون إلى الحصاد بعد فترة قليلة . وفي المساء يتعشون ويجلسون وهم يتسامرون . ومنهم من يأخذ شبابته أو مزماره ويوقع عليه ما يُحْسِـن من الألحان المعروفة عندهم : كالمواليا والعتابا والميجنا . أو يؤلفون (( تعليلة )) يرقصون بها أو يدبكون ترويحاً للنفس من عناء النهار , حتى يسطو عليهم سلطان النعاس , فينفرط حينئذٍ عقدهم ويأوي كل منهم إلى مرقده , ويلتحف بعباءَته و (( بوظيَّته )) ليأخذ قسطه من الراحة مجدِّداً قواه لكي يعود في الصباح إلى ما كان عليه قبلاً بجدٍّ ونشاط . ويقيمون منهم حارساً يحافظ عليهم وعلى متاعهم وينذرهم بما يهددهم من الخطر المداهم ويتناوبون في هذه الحراسة إلى الصباح . وينهضون في الغد بهمة لا تعرف الكلال ولا يعتريها كسل , ويعودون إلى حصد الزرع حتى يأتوا على أخره , فيتحولون إلى حقل أخر . وهكذا إلى النهاية
    الـدّراسْ
    عندما ينتهون من الحصاد يقوم صاحبه (( بجورعة )) أي بوليمة يطبخون فيها اللحم والبرغل ويأكلون منها ختاماً للحصاد . ثم يأتي الفلاح إلى البيدر ويغرز في قمة الكدس عصاً طويلة , كما ترى في الصورة المقابلة . ويأخذ حبلا طوله سبعة أو ثمانية أمتار ويعقد في طرفه أنشوطة يدخلها برأس العصا لتدور عليها . ويأخذ بيده المذاري فينشل بها مقداراً من القش ويفرشه حول الكدس , وهذا يسمونه (( طرحة )) . يضع عليها نورجاً أو نورجين أو ثلاثة بقدر ما عنده من الدواب . ويربط مقود البغل بالحبل الطويل المذكور , ويغطي عينيه بأداة يسمونها (( طمَّـاسات )) , ويضع على كتفيه (( الكدَّانة )) , وهي لفافة من خيش أو من صوف , وفوقها (( السفاقات )) وهي من خشب . ويصل النورج بها بواسطة حبل يمتد من صدر البغل على جانبيه إلى النورج
    ويركب فوق النورج أحد أولاده الصغار , أو يضع عليه حجراً كبيراً يزن من 40 إلى 50 كيلو غراماً ليصبح ثقيلاً . ويسوق البغل فيدور على (( الطرحة )) جارَّاً وراءَه النورج . وهو يقلب الزرع بمذراه حيناً بعد حين حتى تتكسر (( الطرحة )) المفروشة فينقلها جانباً ويجعل منها إطاراً أو سواراً حول البيدر . وهكذا إلى أن يأتي على آخر الكومة , فيصبح هذا الزرع حلقة من (( دريس )) خشن . فيعود ويتناول من هذه الحلقة قسماً ويفرشه داخلها ويدرسه ثانية حتى يمسي ناعماً ويعيده إلى موضعه الأول في وسط البيدر . وهكذا حتى يمسي (( عرمة )) من (( الدريس )) الناعم قابلاً للتذرية
    ولا يكاد الفلاح ينتهي من دراس الزرع البعل حتى يأتي دور الزرع السقي فيذهب إليه بمنجله بعدما يشحذه جيداً ومعه أولاده وبعض أصحابه يبادله يوماً بيوم وأسبوع بأسبوع . فيحصدون الزرع ويأتون به إلى البيدر على ظهور البغال بغير الشبكة المار ذكرها بل بما يسمونه (( شحراً )) وهو مؤلف من سلّمين خشبيتين . طول الواحد منهما متر وربع , متصلة إحداهما بالأخرى بحيث تطويان وتفتحان عند الحاجة فتكون كل واحدة إلى أحد جانبي الدابة وعليها ينضَّـد الزرع المراد نقله . ثم يفعل بزرع السقي كما فُـعِـل بزرع البعل . وقد يؤخر الدراس إلى أن يجمع زرعيه البعل والسقي معاً
    وبعدما ينتهي من التكسير و التنعيم جيداً يدعو الرجال والشباب من أقربائه وأصحابه ليساعدوه على التذرية . وكذلك النساء تدعو النساء والصبايا لمعاونتهن في الغربلة . والجميع يبادرون إلى العمل بكل رضى
    لكل ناحية أو موقع من البيادر هواء يهب في أوقات معلومة عند الفلاحين . فيترقبون هبوبه ولا يدعون الفرص تفوتهم . فيأتي الرجال والشبان بمذاريهم في الوقت المناسب ليلاً , لأن الريح الغربية تهب حينئذٍ متوالية . وأحياناً يأتون عند العصر حين تهب الريح شمالية وشرقية قوية . فيضعون خشبة طويلة مقابل العرمة , مضادّة للريح لتفصل بين الحب والتبن . ويباشرون رفع الزرع المدروس بالمذراة وإطلاقه في الهواء , وهم يتغنون قائلين
    يــا هــوانا ما أطـيـبـو عـــــالـهـوا وتـجـنـبـو
    فيسقط القمح والحصى وعُقَد القش الثخينة ( وهذه يسمونها (( قـَصل )) ) , ويقذف الهواء التبن بعيداً عن القمح متراً أو مترين . حينئذٍ يسمون المجموع من القمح (( قضيباً )) , لأنه يبدو على شكل قضيب طويل وغليظ ((والمجموع من التبن يُـدعى (( تَبـَّاناً
    وتأتي النساء والصبايا بغرابيلهنّ صباحاً . فتقف امرأة أو اثنتان حول القضيب وبيد كل واحدة منهن غربال واسع الثقوب جدَّاً يسمونه (( عبَّارة )) , وتأخذان في غربلة القضيب
    فيسقط منه القمح والحصى الصغيرة والتراب , ويرمين القصل والحصى الكبيرة جانبا ,ً ثم تأتي صبيتان , فتقف إحداهما بطرف (( الصبّة )) أي ما تجمع من الحب بعد الغربلة بالعبَّارة , وتغرف منها بغربالها ذي الثقوب الضيقة مقداراً كافياً وتهزه هزَّاً عنيفاً , وهي واقفة مفاخرة بطولها وقدها وحسن قوامها وحركاتها ورشاقتها وحَـلَـقها المشنشل ) . فيسقط منه التراب والحصى الصغيرة والحبة الضعيفة جداً , وتبقى فيه الحنطة والحصى الكبيرة فترمي بها إلى رفيقتها التي تبعد عنها نحو مترين أو أكثر , فتتناوله هذه برشاقة بغربالها ذي الثقوب الموافقة , وهذا ـيسمونه (( مَسْـرَدْ )) , وتهزه كرفيقتها بلباقة , فتتساقط منه الحنطة الصافية إلى الأرض , وتبقى في المسرد الحصى الكبيرة الحجم مع قليل من القصل . فترمي به إلى مسافة مترين عنها . وتكون الأولى قد أَعادت الكرة ورمت إليها بما في غربالها ثانيةً كما فعلت قبلاً . وهكذا إلى أن ينتهي القضيب , فيصبح الحب خالصاً من جل النفايات
    ولما كانوا في القديم ينتهون إلى هذا الحدّ , كان يأتي ملتزم العشر أو أحد مستخدميه , وبيده (( الروشم )) , وهو قطعة من الخشب قد حُـفِـرت عليها كلمة (( يا كريم )) أو (( يا حافظ )) أو (( بركة )) أو إسم الملتزم . فإذا أَلقاها على القمح ظهرت الكلمة المذكورة مقروءةً جليَّـاً في القمح . ويقصدون بذلك ضبط الحنطة ومنع الفلاح من سرقة شئ منها قبل أن يأخذ الملتزم حصته العشرية , وكانت 12.50% , فيرشم (( الصبة )) بعدما (( يصببها )) بشكل مخروطي , ويذهب إلى غيرها ريثما يأتي دورها في القسمة . فيغتنم الفلاح الفرصة ويأخذ الشبان ينقلون التبن إلى الدار ثم يرجع الملتزم ومعه الكيَّـال حاملاً مكيالاً يسمونه (( رُبع مدّ أو نصف مدّ )) , والمد من الحنطة يزن عادةً نحو 18 كيلو غراماً . فيركع الكيَّـال على ركبتيه بجانب الصبَّـة , ويغرف منها بالمكيال مقدار نصفه ويقلبه بيديه الإثنتين على عقبه بعنف و (( يبرمه )) أو يديره ويهزه . ثم يغرف بيديه من الصبة ويضع بالمد حتى يجمِّـمه ويتكوَّم منه كومة مخروطية , بحيث لا يبقى فيه متسع لحبة واحدة . ويرفعه بيديه ويفرغه بجانبه أو في العدل قائلاً : ((بَـركه)) يعني واحد . ويأخذ بتكرارها : بَـرَكه , بَـرَكه , منغماً بصوت عالٍ لكي لا يغلط حتى يملأ المد ثانيةً فيفرغه قائلاً : ((من الله)) , قاصداً بذلك التيمن بإسم الله والطلب إليه تعالى أن تحل بركته في الصبّة . ويظل يقول (( من الله )) على النغم ذاته حتى يفرغ الثالث فيقول : (( ثلاثة )) . وبعد الرابع : (( أربعة )) . وبعد الخامس )) خمسة )) . وبعد السادس يقول : (( يا الله سترك )) أو (( الساتر الله )) . وبعد السابع يقول : (( سمحه )) , ولا يريد أن يلفظ سبعة لأنهم يتشاءمون بها ويقولون أن السبعة مسبوعة . وبعد الثامن يقول : (( يا الله الأمانة )) . وبعد التاسع : (( تُـسعد إذا صليت على النبي )) . وبعد العاشر : (( اللهم ارضَ عن العشرة )) , يعني أصحاب الرسول
    وعندما ينتهي من الكيل , أو من (( القسمة )) كما يقولون , يأخذ الملتزم ما يحق له . ويلتفت إلى كومة القصل ويمد يده إلى قلبها ويحركها ويقبض منها شيئاً وينظر إليه فيرى ما يتخلله من حبوب الحنطة فيطلب حقه منها . ويتفقون على شئ فيعطونه أكثر مما يحقّ له بسخاء ورِضى , ولا سيما إذا كان الملتزم أحد المشايخ أو من الوجهاء ( وكان الشيخ يأتي أحياناً ومعه رجل نبكي فلاح أمّي يدعى حسن حمَّاده مشهور بنكاته وذكائه . ومن نكاته أن بعض الشبان عزموا على السفر . فما كادوا يشدُّون أحمالهم حتى تلبَّـدت السماء بالغيوم . فترددوا مخافة أن يداهمهم المطر وهم في الطريق . فقال لهم حسن : (( لا تخافوا يا جماعة , فإذا أخذ المطر يسقط قولوا لربنا : نحن نباكنة (جمبع نبكيّ في عرفهم ) . فينقطع المطر عنكم حالاً )) . وهو يريد بذلك أن السماء لا تجود على النبك بالأمطار كما تجود على غيرها من القرى في أكثر السنين . والمشهور عن ذلك الفلاح أنه فريد في تقدير (( الصبَّـة )) بقدمه . فبعدما (( يصببها )) جيداً ويجعلها بشكل مخروطي يكيل محيطها بقدمه وهو حافٍ فيعرفها على الضبط ويأخذ الملتزم حصته منها بناءً على قول حسن المذكور لا غير )
    ثم ينقل الفلاح حصة الملتزم على دوابه إلى المذخر المتخذ لجمع أغلاله , ويسمونه (( الحاصل ))
    وبعد ذلك يأتي (( ناطور )) البيادر والناطور العمومي أي الذي يحرس البعل والسقي والبساتين والكروم , ويأتي الحوَّاط والشاوي أي ناطور الماء , والمنادي الذي يذيع ما يتفق عليه المشايخ في شؤون البلد الخاصة والعامة ويفتش عن الضائع بصوته الجهوري ( فيقول فيما يختص بأمور البلد : ((إدفعوا مال ميري )) أو (( روحوا لمنزول الشيخ )) أو (( كلّ من يعزّل نهره )) أو (( لا حدا يروح مشرِّق يا فلاحين )) . وللضايع يقول : (( يا سامعين الصوت صلوا عالنبي يا من لفي عليه أو لقى له حمار أسود أو عجل أحمر أو عباية زنارية والحلوانه كذا قروش يا أولاد الحلال )) ) . فهؤلاء يأخذون أجرتهم السنوية بنسبة ما للفلاح من ساعات الماء أو الفدان
    ثم يأتي اللحام والحداد والنجار والبيطار والسكاف يأخذون حقهم من الحنطة حسب الإتفاق والشرط بينهم . ثم الحلاق والحمَّـامي يأخذان حقهما بحسب (( الرؤوس )) أي الأشخاص الذين يحلقون رؤوسهم وذقونهم ويستحمون من العائلة , ذكوراً و إناثاً . فهؤلاء جميعهم يأخذون حقوقهم من الحنطة عن السنة بكاملها . فيعطيهم الفلاح عن قلب طيِّـب وكرم نفس
    بل كانوا يعطونهم علاوةً على ما يحق لهم , ثم يأتي بعدهم رجل من قِـبَـلِ الشيخ أي المختار الذي ينتمي الفلاح إليه , فيأخذ من البيدر ما يُـفرَض على كـل فلاح مثله بنسبة ما له من ساعات الماء أو الفدان , وهي حصة الشيخ من )) المشيخة )) أي مرتبه السنوي . وكذلك يأخذ من الشعير لعلف خيل ضيوف البلد ما يصيبه من ذلك . لأن المشايخ كانوا يجمعون في ذلك الوقت شعيراً من الفلاحين في مستودع خاص . فإذا حل ضيوف على المشايخ أو الفلاحين ((أو جاءهم خيَّـالة الحكومة أو جباة أموالها أخذوا علفاً لخيولهم من ذلك المستودع المسمًَّـى (( شونة )) أو (( حاصل
    ثم يأتي الصغار صبية وفتيات , فيجمعون في (( حروجهم )) أي في مقدّم ثوبهم ما يعطونهم من الحنطة أوالشعير ويركضون فرحين ليشتروا به قضامةَ أو بطيخاً أو خياراً و قثاء وما شابه ذلك من الفواكه التي يستلذونها . ويسمى ((ذلك شريَّـة ))
    ثم يتوارد فقراء البلدة والشحاذون من الأعراب والنَّـور وغيرهم من الغرباء الفقراء فيعطونهم بسخاء . ويعطون أيضاً من غلالهم (( لمشايخ )) الطرق أصحاب السناجق والأعلام , بسخاء وكرم , احتراماً لمراكزهم الدينية
    نَقْلُ الغِـلاَل
    وبعد ذلك يأخذ الشبان ينقلون الحنطة على بغالهم إلى الدار , في عدول تسَعُ من 120 إلى 150 كيلو غراماً . فعندما يصل الشاب إلى الدار يأخذ العدل على ظهره , جاعلاً فمه إلى أسفل , مباهياً بقوته ونشاطه وثقل حمله . ويدخل الغرفة المعدة لجمع الغلال . فتأتي إمرأة أو ولد ويحل رباط فم العدل فيفرغه وهو على ظهره . فيأخذه الشاب برشاقة وسرعة ويرجع به ليملأه ثانية . وهكذا يفعل غيره من الشباب حتى ينقلوا الغلًّـة بكاملها إلى الدار
    وكذلك ينقلون التبن في (( سرايج )) ( جمع سريجة ) لا يقل وزن الواحدة منها عن الثمانين كيلو غراماً . فيملأها اثنان جيداً ويرفعانها إلى ظهر البغل ويسندها أحدهما حتى يبلغ الدار فيجد على الباب مصطبة أو صندوقاً من خشب . فيسند عليه السريجة ويبعد البغل جانباً , ويأتي هو تحت السريجة فيحملها على ظهره ويصعد بها على سلم خشبية لها درجات عديدة قد لا تقل عن الخمس عشرة أو العشرين , مفتخراً بمقدرته مباهياً بصعوده صعوداً خطراً فيصل إلى السطح حيث فوهة المتبن . فيفرغها ويقذف التبن برجليه إلى المتبن , ويعود ليأتي بغيرها
    وهكذا حتى ينقل جميع البيدر من حبوب وتبن وقصل و (( عور )) , أي الزغبرة الرقيقة من التبن . والنساء يسبقنَ فيجمعنَ كـّلاً من هذه الأنواع على حدة . ويحفظن القصل خاصةً , بعدما ينقّينه من الحب والحصى , فيستعملنه وقيداً , ويستعملن (( العور )) لتطيين البيوت والسطوح
    وعند الظهر يأتي الفلاح إلى بيته , مستصحباً معه جميع الذين ساعدوه في البيدر . فيتغدّون من البرغل واللحم واللبن الرائب وغيرها . وينصرفون شاكرين قائلين : (( عقبال كل سنة )) فيجيبهم أهل البيت (( وأنتم سالمين تسلم أياديكم ))
    الباب الحادي عشر : صُنْع البرْغُل
    ومتى انتهى الشغل خارج الدَّار تشرع بعض نساء البيت في تطيين السـُّطوح وتبييضها (( بالحُوَّارى )) والبعض الأخر يـُصـَوِّلـْنَ الحِنطة السِّقي . فتملأ المرأة طِستاً كبيراً من النحاس ماء , وتأخذُ في الغِـرْبَال الضيِّـق الثقوب كمية من الحنطة وتغطسه في الطست وتهزّه هزَّاً خفيفاً , فتطفو الحنطة ويرسب الحصى والتراب والرمل في أسفل الوعاء . فتلتقط المرأة الحصى بملعقة من الخشب وتضعها جانباً . وتضع الحنطة في محلٍّ أخر فتنقلها الصبايا على الفور إلى السُّطُوح وتفرشها هناك لتجف جيداً في الشمس . ومتى جفَّـت يجمعونها ويَـذَّخـِرُونَها للطحن حتى نهاية السنة
    سَلْق البرْغُل
    ( لم أجد لكلمة البرغل أصلاً عربياً . فيلوح لي أنَّها متَّـخذة من كلمتي (( برٌّ غُـلِيَ )) أي حنطة غـُلِـيَت في الماء (حتى سُـلِقت فتحولت إلى برغل )
    وأمَّا القمح الذي يسلقونه (( برغلاً )) فيأخذونه من المصوِّل رأساً إلى (( الجَعِيْلَة )) أي الخلقين . وهي مِرجل كبير من النحاس يكون في الغالب لأحد الأوقاف أو لأرملة تأخذ أجرته ممن يسلق فيه البرغل , عن كل عشرة أمدادٍ من القمح (( ثمنية )) من البرغل الغير مجروش . ويبنون للجَعِيْلَة موقداً من اللِـبْن ِ في ساحة متوسطة من الحي ليسلق أهله برغلهم فيها
    فتدعو المرأة جاراتها وأقرباءها وأصحابها . فتأتي الصبايا قائلات : (( عالبركة سْـلاقكم )) فيجيبها أهل السلق حلت البركه )) أو (( النوبه حلت البركة )) أو (( هلَّـق حلت البركه )) . ويعنون (( بالنوبه )) و (( هلَّـق )) الآن )) ويذهب قسم منهنَّ لجلب الماء من النهر , وقسم ينقل الحِـنطة من البيت إلى الخلقين الذي يسع من الثمانية إلى الثمانية عشر مدَّاً , أي 144 إلى 324 كيلو غراماً . وينقلن الحنطة على رؤوسهن في قفف أو أطباق نحاسية كبيرة وتشعل إحداهنَّ النار تحت الخلقين وترمي فيها وقيداً من الشِـيْح والقصل مدة نحو ساعتين حتى ينشف الماء أو يكاد وينتفخ القمح , فيضيفون إليه من الماء ما يلزم حتى تنضج الحنطة جيداً فيبطلن حينئذٍ الوَقيد ويتركن القمح يغلي رويداً فوق تلك النار الهادئة (( ويَـتـَهَدَّى )) كما يقولون
    وتجلس النساء حول الخلقين ومعهن الصبايا يتحدثن بالأحاديث التي تدور حول الخطبة للصَبيَّـة العزباء , وسؤال المخطوبة عن حياتها مع خطيبها , وعما بلغ إليه (( مصروفه )) أي إنفاقه عليها , وعما وصلها من (( حق رقبتها )) أي نقدها , وعن قرب ميعاد زفافها , وعن حياتها مع حماتها ومحبتها لها . ولا تخلو جملة من أحاديثهنَّ من التحويطات والبسملات , مثل : (( يخزي العين )) و (( ما شاء الله )) وغيرها مما يرد العين الشريرة عن الخطيبة والخطيب . وعلى كل امرأة تمر في تلك الساعة أن تقول : (( يخزي العين , يخزي العين , عالبركة سْلاقكم , ما شاء الله من عمَّـا يسلق , الصلاة عالنبي )) . وهذا فرض واجب , والويل لمن لا يقوم بأدائه
    ويكثر مرور الشباب من هناك وقتئذٍ فتكلفهم النساء أن يقلبوا مافي (( الجعيلة )) رأساً على عقب بالمنشل الذي يسمونه (( مشلاة )) أو (( مشلي )) وهو عصا بطول متر ونصف تقريباً , وفي طرفها قطعة من نحاس مستديرة لها ثقوب
    وكثيراً ما يجلس الشبان بينهنَّ لأداء هذه الخدمة . وإذا كان بين الجالسات صبايا يأتي الشاب مدفوعاً بأمياله الغريزية , وينتظر نضوج الحنطة الذي يطلب مالا يقل عن أربع أو خمس ساعات , فيتحدث في أثنائها إلى من يميل قلبه إليها , ليختبر عن كثب صحتها ونشاطها وشيئاً من أخلاقها وصفاتها
    وعندما تعلن الخبيرات منهنَّ نضوج الحنطة تأتي البنات بأطباقهنَّ , ويتسابق الشبان حينئذٍ بعضهم إلى السطوح وبعضهم إلى (( المشلاة )) . فتأتي الفتاة بطبقها وتضعه على دعامة من لبن مرفوعة إلى جانب الموقدة عن يسار الشاب . فيغرف هذا (( بمشلاته )) من الحنطة المسلوقة ويضع في الطبق ما تقدر الفتاة على حمله , ويساعدها على رفعه إلى رأسها . فتحمله وتصعد به سلماً من الخشب ذات 15 أو 20 درجة . ويكون الشاب الثاني واقفاً في أعلى السلم على السطح , فيأخذ الطبق عن رأسها بين يديه , ويذهب به إلى السطح ويفرغه كومة واحدة ويعيده إلى الصبية , فتذهب وتأتي بغيره . ويكون غيرها من الفتيات قد أتت بطبقها . فيظلون هكذا بين أخذٍ وعطاء وأحاديث ودية وفكاهية إلى أن ينفذ مافي الخلقين . فيذهب حينئذٍ قسم من البنات لجلب الحِنْطة من البيت وقسمٌ لجلب الماء من النهر . فإذا كان ذلك ليلاً رافقهن شابان أو ثلاثة إلى النهر حتى لا يخفنَ . ويكررون العمل السابق كله حتى تسلق العيلة كفايتها
    حينئذٍ يمنعون الحضور من الذهاب إلى بيتوهم ويأخذونهم إلى البيت حيث يقدمون لهم القمح المسلوق وعليه السكر الناعم أو الدبس وقلب الجوز وبزر القـنـِّب المحمَّص , ويقدمون الخبز والجبن والعنب والتين والزيتون . فيأكلون جميعاً . ثم يذهب كل واحد إلى بيته قائلاً : (( عقبال كل سنة )) . فيجيبه أهل البيت (( وأنتم سالمين . الله يسلم ((ديَّاتكم ))
    وبعد قليل تصعد صاحبة البيت إلى السطوح وتفرّق كوم القمح المسلوق وتفرشها على السطح كله . وتثابر على تحريكه كل يوم في الصباح والظهر وعند العصر , فيتقلب , وتجعله خطوطاَ . ويسمون هذا العمل (( تـَثـْويْر ))
    تَنْمِيْش البرْغُل
    وبعد خمسة أيامٍ أو ستة , يصعدون الماء إلى السطوح صباحاً ويتركونه في الشمس إلى الظهر فيسخن . ويجمعون القمح المسلوق في أطباق ثم يصبُّـون الماء فوقه . وتجعل النساء تفركه بأيديها حتى يتبلل وتنفصل قشوره عن لبه ويعدنَ فـَيـفـْرِشْنه على السطح ثانية ويتركنَه يومين أو ثلاثة أيام . ويسمون هذا العمل (( تنميشاً )) , وهو يساعد على إزالة القشرة الرقيقة عن البرغل . وبعد ما يجف جيداً يُـنْزِلنَه إلى البيت من (( روزنة )) أي كوَّة في السقف معدَّة لهذه الغاية
    جَرْش البرْغُل
    وفي اليوم التالي تذهب المرأة أو ترسل إحدى بناتها تدعو النساء والصبايا إلى الجَـرش . وتكون قد أعدت من ثلاثة إلى خمسة (( جَوَارِيش )) في غرفة كبيرة إلى جانب البرغل . فتضع تحت كل (( جاروشة )) قطعة من القماش أو الجلد تقي بها الأرض من الرَّحَى , وبقربها طبقاً من نحاس مملوءَاً قمحاً مسلوقاً . فما يأتي أول الليل حتى تتوارد النساء والبنات والشبان قائلين : (( عالبركة جرشكم . يخزي العين ثلاثاً )) فيجيبهم أهل البيت بـِبَشاشة : (( أهلا وسهلاً . النوبه حلت البركه )) , مادِّين صوتهم في لفظة (( البركه )) , (( تفضلوا , تفضلوا )) . فيجلس كل ثلاثة أشخاص حول (( جاروشة )) : إما شاب وفتاتان , أو فتاة وشابَّان . وقل أن يوجد حول الجاروشة ثلاثة من جنس واحد , ما لم يكن الشبان من حي بعيد عن الحي الذي يصير فيه الجرش . فيقعد الواحد منهم ويطوي رجله اليسرى ويمد رجله اليمنى , أو بالعكس , فيحتضن الجاروشة , وكذلك الآخران , فتصبح الجاروشة بينهم وهم حولها كالسوار حول المعصم . ويقبضون على رائدها ويديرونها ويناط أمر إلقاء القمح السالم في حلقومها بمن هو قريب إلى الطبق ويُحسن العمل . ويأخذ الثلاثة يديرونها ويغنون الأغاني المطربة , كالموليا والدلعونا والعتابا وهيكــالو وما يكون جديداً ورائجاً من الأغاني . ومعظمها تغزل وعتاب ومدح ووصف وحماس وفخر إلخ . وكل من الحضور يغني على ليلاه
    وهكذا يبقى كل ثلاثة حول (( جاروشتهم )) يغنون ويتحدثون ويتغازلون ويتداعبون , وباقي الشباب والصبايا جالسون في ناحية من الغرفة ينتظرون فراغ جاروشة لكي يستولوا عليها فيجرشوا كما جرش غيرهم , ثم يذهبوا إلى جرشٍ ثانٍ وثالث ورابع , قياماً بالواجب أو تسليفاً , لأن الجرش سلفة ووفاء . على أن الفتاة لا تأتي إلى جرش لم يَدْعُها أهله إليه , خلافاً للشاب فإنه مباح له أن يدخل إلى أي جرش كان . وفي أغلب الأحيان يتسابق الجارشون إلى إفراغ طبقهم (( وطبّه )) على رؤوس غيرهم من الجارشين المقصرين
    أما النساء فيأخذنَ البرغل المجروش من حول الجواريش ويغربلنه بغربال مخصوص في زاوية من زوايا الغرفة ويعدنَ الحبوب السالمة التي لم تـُجْرَش بعد إلى أطباق الجارشين ويسمون هذه الحبوب المرتجعة (( سرادة ))
    ومتى انتهى كل ما عندهم من البرغل يأتون بالعنب والتين والبطيخ والجبن مع الخبز إلى الذين ثبتوا في العمل إلى الآخر , فيأكلون ويذهب كلٌ إلى بيته . ما عدا بعض الشبان الذين يذهبون على بيت آخر لا يزال أهله يجرشون
    وكثير منهم كانوا يبقون في الجرش إلى ساعة متأخرة من الليل . وبعدما يأكلون (( السهرية )) يذهبون إلى دورهم ويستصحبون حالاً دوابهم , فيمضون إلى الحقل ويبذرون الحنطة أو الشعير ويردّون عليها التراب ويسمون هذا العمل (( رِداد )) , ثم يرجعون قبل الظهر إلى بيوتهم فيتغدون وينامون إلى ما بعد العصر . ثم يتفقدون دوابهم وعدة فلاحتهم فيصلحون ما يلزم إصلاحه ويذهبون مساء إلى طريق (( الملاَّيات ))
    طريق الملايات
    (( وطريق الملاَّيات )) هذا هو طريق اللواتي يملأن الماء من الصبايا أو اللواتي يردن الماء مساءً , فكنت ترى على هذا الطريق الصبايا حاملات جرارهن على رؤوسهنَّ يتبخترن في مشيتهن ويفتخرن بقوامهنَّ وجمالهنَّ دون أن يمسكن الجرة بأيديهنَّ . ولكلٍّ منهن خِـدن يبادلها النظرات والأحاديث البريئة . وعند المساء يرجع الشاب إلى بيته فيطعم دوابه ويتعشى هو أيضاً ويسرع إلى البيت الذي يكون فيه الجرش
    ويُـحكى عن أحد الشبان أنه صعد يوماً إلى سطحٍ عالٍ فرأى أغلب سطوح بلدته مغطاة بالبرغل الغير مجروش فقال في نفسه مغتبطاً (( نيَّالنا نحن الشباب )) أي هنيئاً لنا , لأننا سنجرش كل هذا البرغل
    وأذكر على سبيل التفكهة ما كان يفعل الشاب الذي لم يرقْـه الجرش عند أحد الجواريش لسبب ما , وقد تقيَّـد به في بادئ الأمر . فقد كان يرفع الجاروشة العليا برائدها عن رفيقتها ,وهي دائرة , فيسقط البرغل صحيحاً غير مجروش , فيقصر الوقت بهذا العمل وينتهي الطبق سريعاً قبل أوانه . فيذهب الشاب إلى فرقة أخرى أو إلى بيت آخر حيث يجد الأشخاص الذين تلذ له معاشرتهم بالأكثر , بعدما ينفض ما علق بثيابه وسراويله من جراشة البرغل وطحين السَّميذ
    أغاني الجرش
    أغاني الدلعونة
    اللازمة
    والله و امان الله يا دلعونا ربي ظلمكم يا لظلمتونا
    :ويعيدونها بعد الأدوار التالية
    قومي يا بنيَّـه و المسا اغرب يا اُم السوالف يا جناح غراب
    غزلان وردت عالقـَنـَا تشرب وين النشامى الي يصـيدونه
    بنيَّـه يا بنيه وين هالقعدي مضت ليالي وحلت الوعــدي
    حطي السواره بالرهن عندي لما الثـويـب الي تـلـبـسـيـنه
    قالت والله ما برهن ثوبي وحياة أبي ما طـوّل الغيبي
    تحلف بابوها بـنت الكليبي صـاير مقام الناس يزورونه
    جتني تخطِّـم هـيا ما هـيا حطت بقلبي اتـنـعـشر ردنيه
    قلبي يـحـبـك يا لـتـدمـريه بحدر العرين و مفرق سنونه
    جتني تخطِّـم من عالسطـوحِ شـبـه الثريـا بالسمـا تلـوحِ
    قلبي يحبك يا بعد روحي ويا مُنى قلبي و يا نور عيونا
    جتني تخطِّـم من ورا الباكِ بنيَّـه ظغـيره تحـب العْلاكِ
    قومي يا بنيه انا واياكِ خلي البرغل لاهله يجرشونه
    جتني تخطِّم من ورا الصندوق بيضة غروره و الصدر مدقوق
    دخلك يا حبي عليَّ تمرق وارمي علامة غصن زيتونا
    جتني تخطِّم من ورا الرابي كوت ضميري كي العطَّـابي
    يُـمه يا يُـمـه لفون حبابي لفى عشيري تعوا هنونـا
    بنيه يا بنـيه لمن حبيتي لَـبو الحطاطه وشروال الزيتي
    ندراً عليَّ أنْ جيتي لبيتي لدبحلك كبش بأربع قرونا
    جتني تخطِّـم من قفا بيتا بدمـع عيني الفرش بلّيتـا
    هيَّ حبتني و انا حـبـيتا طقوا يا لعدا يا لتبغضونا
    مرَّت عليَّ تقلِّـي دخيلك بنيه ظغيره وماني من جيلك
    واصبر عليَّ حتى احكيلك على الي جرالي مبارح واليوما
    جتني تخطِّـم و الاسم ديبه والكحل بعينَـه بحضي عجيبه
    وان كان يا بنيه دارك قريبه لانصب ما بيني و بينك تلفونا
    ((أغاني موليَّـا ))
    اللازمة
    هيهات يا بو زلف عيني يا موليَّـا يشرب حصانك هنا ولو عكر الميَّا
    :ويعيدونها بعد الأدوار التالية
    من يوم شال الظعن فارقت أبو جديله والحيل مني انقطع والثوب ما شيله
    لعلّـللك يا قـلـب بالفيـن تعلـيـلـه حتى يغيب القمر و تشع الثريا
    من يوم شال الظعن اكلي وشربي نوح هليت دمع ودما شالت سفينة نوح
    دخيلكم يا خلق كادت تروح الروح واندهوا حبوبتي تقعد حواليَّـا
    لروح بيت العرب واقعد حدا اطنابُه واقول بيت الحجر يهدم على صحابه
    و الياخدك ريمتي بالسيـف قصـابـه وادعي دمومه نهر تجري كما الميَّه
    ولـف الرماني بالمحبـه و هـو خـالـي ظنيت حالي ملكته صبحت عالخالي
    دشرت كل الخلق و هويت ابو الخالِ وقنعت بشوف النظر بس التفت ليَّا
    يا دار يوم الرحيل ما ودعوني ليش لبكي واهل الدمع وبطرف ردني مش
    دورت شرقي النزل غربي النزل ما مش ابو جعود اربعه من عيَّـنه ليَّا
    لـروح للمصبغه و اصبغ انا ثوبي واقول يا مصبغه عافراق محبوبي
    يحـرم عليَّ الفرح و الدق بالنوبـه وما دام حبي عزب وبظل انا بنيَّه
    مكتوب منكم لفى عالـعيـن و الراسِ يا خوي درب الجهل لقلوبنا مآسي
    دنيـاك مثل الدرج ناس تعلى ناسِ ومصيبتك يا ولد قبلك جرت بيَّ
    مكتوب منكم لفى يا خوي نقرا به من دمع عيني لملِّي جواد وقرابِ
    باكر يفيض النهر بالك تجي قرابه خايف عليكْ تغرق وتروح بالميَّـه
    مطعون يا اهل الهوى باول هبوب الصيف منلي دراعه يا ولَّو قول شمط السيف
    وان كنت راعي هوى و مدوّرنّ الكيف اركيلته عالقه و من ايدها هيًّ
    واثنين جني قرن لاحن ورا الصيباط يمشن ثبات بعقل وبمرتبة ظبَّاط
    كنهن سلايل بدو مسعد يا هالرباط وضحة كحيلة مهى وساره لحيفية
    سهم النفذ بالقلب ما ظن احد يشفيه الا حبيب القلب هذاك يعرف فيه
    مالي رجا يا خلـق وانا رجـاي فيه هذاك يشفي جروحاً حطها بيَّ
    ايوب لـمـا ابتـلـي واحـد وانـا الـتـانـي ويعقوب لمن حزن من بعض احزاني
    تشعيل نار الخليل من بعض نيراني ومشَّيت نوح النبي بدموع عينيَّ
    سهم النفذ بالقـلب من لحظ ولفاتي وايش ينفع كثر الندم بعد الذي فاتِ
    دخيلكم يا خلق لا تطمروا رفاتـي قبل ان تجي ريمتي وتندب حواليَّ
    سهـم النفـذ بالقـلـب من حينمـا مـرَّتْ ومن آنها يا خلق بيَّ الحيا مرَّتْ
    ضاق الفضا بالنظر والارض بي مارت و صبحت دون الخلق مجنون ويليَّ
    مرضـان بحبكـم و انتم خبر مـا مـن وانا الذي من ظَغر في دينكم ما من
    يا هيه يا هل الفضل دخيلكم ما من يتوسطِـن بيننا بلكي تجي ليَّ
    مرضان بحبكم و انتم بليتونـي و النار بضامري اشبه بالايتوني
    يا هيه يا اهل الفضل من فضلكم توني منها بخبر يشفني من علةٍ بيَّ
    فَرْق البرْغُل
    في اليوم التالي للجرش تقوم النساء لفرق البرغل وتنويعه أشكالاً . فيجلبنَ الغـَرَابيل المتنوعة اللازمة , وتستلم كلّ من المدعوات غربالاً . فتغرف الأولى من كومة البرغل بغربالها الناعم وتهزه , فينزل منه على الأرض طحين البرغل المسمى في اصطلاحهم (( طحين سَمِيذ )) . وهم يستعملونه عادةً (( لواثة )) أي دقيقاً يذرّونه على الخِـوان المختص بالعجين لئلا يلصق به , أو يطعمون منه دجاجهم , وقد يلتـُّونه بشئ من الدبس ويتحفون به أولادهم ((ويسمون هذه الأكلة بسيسة ))
    وتعطي المرأة ما بقي في غربالها لرفيقتها , فتهزه هذه فينزل منه ما يسمونه (( العُمَيْشَـة ))
    وهذه تطعم للدجاج أيضاً , أو يقايضون بها على عنب المعرَّة عندما ينفد العنب عندهم
    وتعطي الثانية ما بقي في غربالها لرفيقتها الثالثة , فتهزه هذه أيضاً فينزل منه ما يسمونه (( أبو آمنة )) . وهذا يُـخلط بشئٍ من الدقيق وحبوب القـِنَّـب والبصل وحبوب الرمان الحامض ويُـخبز خبزاً لذيذاً يؤكل غالباً بـِدِبِس ويعده الصبيات طعاماً فاخراً لأنهم قلَّما يصنعون منه
    وتعطي الثالثة ما فضل عندها لرفيقتها الرابعة , فتهزه هذه فينزل منه ما يسمونه (( الصَرْصُوْرَة )) , وهي تستعمل حساءً لذيذاً كما أشرنا قبلاً
    وتعطي ما بقي لرفيقتها الخامسة فتهزه , فينزل منه ما يسمونه البرغل (( الرفيع )) الذي يستعمل لصنع الكبة الشرقية
    وتعطي هذه لرفيقتها السادسة الباقي فتهزه , فينزل منه (( البرغل الدوري )) الذي يُطبخ بسمن أو بلحم , وهو المعوَّل عليه في مآكل الفلاحين كما اشرنا سابقاً . ويبقى في غربالها البرغل (( الغليظ )) ومنه تُـطبخ (( المجدرة )) الشهيرة بين المآكل الشرقية فيأخذن كل نوع من البرغل على حدة إلى محل يهب فيه الهواء جيداً ويرفعنه في وعاء بأيديهنَّ وهن واقفات , ثم يفرغنه في الهواء قليلاً قليلاً , فيتساقط البرغل على الأرض فوق بساط مفروش لذلك ويقذف الهواء القشرة الرقيقة إلى مكان بعيد . وكلما فرغن من (( نسف )) نوعٍ يضعنه في خليته أو (( كوارته ))
    الباب الثاني عشر : السَّـطَاح
    كان الناس في القلمون يجرون في أعمالهم الزراعية على الحساب الشرقي اليولي كسائر أَهل البلاد , ولا يزالون كذلك حتى الآن . فلا يـَقـُصُّون شعور مواشيهم ولا يجزون صوف أغنامهم قبل حلول عيد الخضر أي القديس جاورجيوس ( 23 نيسان ش و 6 أيار غ ) . ولا يقطفون ثمار كرومهم قبل حلول عيد رفع الصليب ( 14 أيلول ش و 27 أيلول غ ) . وبما أن بلدة النبك كانت تُـصاب بالصقيع في معظم السنين , فلا يكاد يأتي اليوم العشرون من أيلول على الحساب الغربي حتى كان أهالي البلدة يهبّون كباراً وصغاراً , رجالاً ونساءً , إلى الكروم لاقتطاف عنبهم , نضج أم لم ينضج , ليسطحوه زبيباً . فيقومون باكراً ويحمّلون دوابهم ماء القلى المغلي , وأطباقاً من النحاس وطناجر ومقالي وملاعق , وخبزاً وجبناً وبصلاً وسمناً وبرغلاً , وقـِفـَفـَاً وصناديق من الخشب وغير ذلك ويذهبون إلى كرومهم . ويشرعون في قطف العنب بعناية واهتمام , محترسين ألا ينتشر من العناقيد حبوباً على الأرض . لأن الذي يترك وراءه من حبّ العنب لا يسلم من التعنيف . ثم يجمعون ما يقطفونه كرماً بجانب الجفان ويستمرون في القطاف حتى الظهيرة إذ يشتد الحر فيحملون أكوام العنب إلى حيث أقاموا طستاً كبيراً ملأوه من ماء القلي الذي مُزج بقليلٍ من زيت الزيتون حتى صار أبيض كاللبن . فيجلس وراء الطست شخص يغطس العنب تغطيساً كاملاً في هذا الماء وينبذ كل ورقة من أوراق الكرمة الظاهرة من خلال العنب لأنها تمتص الزيت ثم ينتشل العناقيد بعود ذي شعبتين خوفاً على يديه من ماء القلي الكاوي . ويبعث به إلى شخص آخر فيرصفه هذا على أرض محصّـبة قد مُهِـدّت لهذه الغاية
    فيضعون عنقوداً إلى جانب الآخر حتى يتم سطح العنب المقطوف ويتركونه معروضاً لأشعة الشمس ( ويقطفون أيضاً العنب النامي في أعالي الجفان ويتركونه حولها معرضاً للشمس برهةً , ثم يأخذونه إلى بيوتهم ويحفظونه مغطى بالورق بعيداً عن تأثير الهواء والنور بقدر الإمكان, ليتمتعوا بأكله في الشتاء . ويختارون أيضاً بضعة أغصان يكون في كلٍّ منها ثلاثة أو أربعة عناقيد جيدة فيقطعونها من طرفها القاسي الصلب ويلّقونها بناقيدها (بالسقف أو (( بالرفّ )) الذي يصفّون عليه الصحف والصواني النحاسية الزائدة عنهم ضمن الغرفة المفروشة ويحفظونها هكذا حتى آخر الشتاء
    وإذا كان كرمهم صغيراً فيقطفون ثماره وينقلونها إلى كرم أكبر منه ويسطحونها هناك . وكلما انتهوا من كرم تحوّلوا إلى غيره , وإلا أكملوه في اليوم الثاني أو الثالث . وقد يظل بعضهم عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً مشغولاً بسطح كرومه .ويطبخون كل يوم في الكروم . وقد يدعو بعضهم أقرباءهم وأصحابهم لتناول العشاء معهم هناك
    ويمضون هذه الأيام في الأفراح واجتماعات اللهو والسرور . وقد ترى البلدة خاوية خالية , إلا من الشيوخ والعواجز الذين لا يقدرون على الذهاب إلى الكروم
    وترى الكروم غاصة بالأهالي . وكثير منهم كانوا ينقسمون قسمين : قسمٌ يظل في القطاف والسطاح , وقسم يذهب إلى جمع ما سطح قبلاً . وتراهم يتسابقون في ذلك جد المسابقة , كأنهم ينهبون العنب نهباً , خوفاً عليه من الصقيع الذي كثيراً ما يقع حول عيد الصليب فيفسد العنب ويضيع موسم الفلاح منه
    التَدْبِيْـس
    بعد (( لـمِّ )) الزَبـِيْب بشهر , عندما يجف جيداً بحسب المثل السائر عند الفلاحين : (( يبّس ودَبّس )) , يختارون منه كل حبة سمينة وتامة النضج ويجمعون منها ما بين العشرين والخمسين رطلاً لمؤونتهم الشتوية . ثم يأخذون ما تبقى لديهم إلى المعصرة (( ليَمْعَسُوه )) بوساطة (( المدار )) . وهو حجر ضخم يدور حول محوره , يديره بغل يشد إلى خشبة متصلة بالحجر المذكور , فيسحق ماتحته من الزبيب المنثور بينه قليل من الحوَّارى التي يطيّنون بها جدران بيوتهم , لاعتقادهم أن هذا التراب يذهب بما في الزبيب من الحموضة , ويجعلون من الزبيب المسحوق هكذا (( كومة )) أي كتلة كبيرة يحفظونها في زاوية من المعصرة ويكتبون عليها بإصبعهم إسم صاحبها . وبعد مضيّ شهرين , يكون صاحب (( الكومة )) قد استحضر من البرية الشيح الضروري . فيغتنم شهر كانون المشهور عندهم :بأن ماءَه يحلل كلَّ مافي (( الدريس )) أي الزبيب المسحوق من حلاوته , ويبدأ بعملية التدبيس كما يأتي
    يذهب الرجل إلى المعصرة صباحاً . ويجعل يفتّ من تلك الكومة بالقدوم قطعاً صغيرة . وتجد في المعصرة أحواضاً صغيرة يتألف كل منها من ثلاثة قدور خزفية بشكل نصف كرة مثبتة على بناء مرتفع مجوَّف ومثقوبة في سفلها , ومرتبة الواحدة بإزاء الأخرى . وفي أسفل البناء وتحت كل قدرٍ قدرٌ أخرى تماثلها مثبتة في الأرض أيضاً لكنها غير مثقوبة , وبينها وبين الأولى نحو نصف متر , ليجمع فيها (( الجلاب )) أي شراب الزبيب . فيأتي صاحب الدبس بقطع من فتيت الزبيب , ويضعه في القدر العليا بعد ما يسد الثقب . ويضع في أسفله قطعة من الشيح يسمونها (( عرنة )) تُـثـَقل بحجر ويصب فوق التفتيت ماءً قراحاً حتى تمتلئ القدر ويمضي . ثم يأتي صباح اليوم الثاني ويفتح (( صمام )) أي ثقب القدر الأولى ليجري ماؤها إلى القدر السفلى . ويضع من الفتيت الجديد في القدر الثانية . ثم يأخذ (( الجلاب )) الذي نزل من الأولى ويصبه في القدر الثانية . ويسدّ (( صمام )) الأولى ويسكب فوق فتيته ماءً جديداً ويتركه إلى اليوم الثالث . فيفتح فيه صمام القدرين معاً , ويضع في القدر الثالثة فتيتاً جديداً ناقلاً (( جلاب )) القدر الثانية إلى الثالثة وشراب الأولى إلى الثانية .ثم يصب ماء قراحاً على فتيت الأولى . وفي اليوم الرابع يفتح الثلاثة معاً . ويأخذ (( جلاب )) القدر الثالثة إلى الخلقين للطبخ , بعد أن علقت به حلاوة (( فتائت )) القدور الثلاثة
    ويكل أمر الوقيد تحت الخلقين إلى شخص آخر من عيلته ويعود هو فيفعل كما فعل قبلاً . ويرفع من القدر الأولى الذي نفذت حلاوته أو كادت ويلقيه خارجاً فوق (( الجزّينة )) أي النفاية . ويكون الدبَّاس قد شرع يضرب )) الجلاب )) الذي في الخلقين بمسواط من خشب . ويدوم على ذلك نحو ساعة حتى ينضج جيداً . فينقله حينئذٍ بقادوس إلى طناجر معدة له , فتنقله النساء على رؤوسهن إلى الدار
    وهذه الطبخة الأولى تدعى عندهم (( حلوية )) . وقد يبقى قليل من الدبس في الخلقين , بإشارة من صاحبه . فيذكي النار تحته ويحرّكه بالمسواط حتى يصبح شديداً . ويصب عليه (( جلاباً )) بارداً فيجمد ويقسو . وهو ما يسمونه )) ((الشَبَر بقَه
    وبعد ما يعرض صاحب الدبس من هذا الدبس الجامد على الشيوخ الجالسين حول النار يتدفأون , يأخذ ما بقي لأولاده الصغار كهدية التدبيس , فيفرحون بها كثيراً
    :وهكذا دواليك إلى أن يأتي على آخر ما سحق من الزبيب . حينئذٍ يقول الفلاح
    (( نيَّال من زرع العفير ودبَّسْ , وجلب من حطب الجرد وكردس , وخطب إبنه وعرَّس ))
    ويظل الشيوخ والعاجزون جالسين حول النار (( يسولفون )) أي يتسامرون , وكل منهم يقص على الحضور قصة سالفة يثبتها ويبرهن عليها بتواريخ واهية مثل سنة (( طوشة النصارى )) أو (( الطوشة )) أو سنة التلجة الكبيرة أو سمة الجراد أو سنة الغلاء أو سنة الوباء أو سنة (( نغـده )) , وهو محل وقع فيه قتال بين الحكومة والأهالي , إلى ما هنالك من تواريخ وقصص وهمية واهية , حتى أذان الظهر فينصرفون
    الباب الثالث عشر : الخُطْبَة وَالزَوَاْج
    عِبَارَات المُجَامَلة والتَحْويطَات في الأَحَادِيْث
    من عادات سكان هذه البلاد المجاملة , كمعظم أهل الشرق , بعبارات لها صيغتها الخاصة وطابعها الخاص يتبادلونها في أفراحهم وأحزانهم وفي جميع أطوار حياتهم
    فإذا التقى اثنان يتبادلان التحية باسمين . ثم يسأل كل منهما الآخر بأدب ولطف وإخلاص عن صحته وأشغاله وأولاده وآله , مكثراً من الأدعية والتمنيات ليحفظ الله صحته ويطيل أيامه ويمد بأجله حتى يفرح بزواج أولاده ويبالغ في ذلك النساء اللائي يرفعن أكف الضراعة إلى الله ليقي الأبناء أذى العين الشريرة ويعتبرون فرضاً محتوماً على كل إنسان عندما يقابل أحداً في الطريق أو يدخل عليه وهو في عمله البيتي أو الخارجي , أن يبادر بقوله : (( يخزي العين . ما شاء الله . حوطتك بالله من عيني وعين خلق الله , أو بملائكته أو أنبيائه ورسله أو أوليائه وبسورة يَس , وبسم الله , وبسم المسيح وبسم الصليب , والعذراء مريم , أو مار مطانيوس , أو الخضر الأخضر )) يعني مار جرجس . ويكثرون من هذه التحويطات خيفة من العين الشريرة وأذاها . وكانوا يعزون كل مرض أو وعكة خفيفة أو ثقيلة تعتري الشبان أو الصبايا والأولاد الصغار أو ما عندهم من المواشي حتى الأشجار , إلى عيون الناس , حتى إلى عيونهم أنفسهم . فيقولون للولد الصغير : حوطتك بالله من عين أمك وأبوك ))
    ويتخذون الوسائط اللازمة , مثل سرقة قطعة من ألبسة من يشكون فيه أنه دخل عليهم أو وقع نظره على أحد أولادهم أو إحدى دوابهم , فيبخرون المصاب بدخان تلك القطعة فيشفى . ويلبسون من يخافون عليه من العين الشريرة بعض أشياء : كالخرزة الزرقاء , والشبَّة , وقطعة صغيرة من شجرة الميس , وجوزة صغيرة , وناب الذئب , وقرون الحية , وعفصة , وما شابه ذلك لكي يردوا عنه العين المؤذية
    وللنساء في أحاديثهنَّ جمَـل وعبارات مألوفة بينهنَّ يُعِرْنَها أهمية كبيرة فمن أهمل شيئاً منها أَتى ذنباً لا يُغتفر , فعلى الواحدة إذا لفظت في أثناء حديثها كلمة (( البيض )) مثلاً , أن تشفعها حالاً بقولها (( ما تشوفي الغيض )) . أو إذا ذكرت (( الدق )) أو الهم أو الغم أو الكي , أن تشفعها بمثل هذه الأقوال : (( ما تندقي )) , و ((ما تنهمي )) , و (( ما تنغمي )) و (( ما ينكوي لك قلب على غالي )) وكذلك في الكلام عن الأرز : (( ما تشوفي الرزيَّة )) . وكذلك قولهنَّ (( بلا قافية )) , و (( بلا معنى )) و (( بلا مؤاخذة )) و (( بلا ظغرة )) . وقولهنَّ : (( من غير شر )) و (( بعيد عنك )) و (( تكرم عن طاريه )) و (( أجلَّـك الله )) و (( حاشى نعمتك )) و (( ما ينذكر معه )) و (( ياخذ عمره )) و (( كش برّه سبع طرق )) و (( الله لا يقدِّر )) و (( الله لا يسمح )) . وغير ذلك من العبارات والإصطلاحات , وكلها تدور حول الصحة والرزق وأن تكون ديارهم زاهرة بالأفراح والمسرات
    مُقَدِّمَاْت الخطْبَة والزَوَاْج
    ولا تكون هذه الأفراح إلا بتخطيب الأولاد وزواجهم , وعلى الخُصوص الذكور منهم , ولا سيما إذا لم يكن في الأسرة غير صبي وحيد . فيصبح أمر الإسراع (( بفرحته )) أي بزواجه واجباً على والديه , وإن لم يزل بعد صغيراً لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره . فيصبح هم الوالدين الوحيد , وهمّ أقربائه وأصحابه ومعارفه , زواجه بأسرع ما يمكن حتى يأتي والديه بكنّة تساعدهما في البيت . فلا يراه أحد إلا يحثه على الإسراع في الزواج بينما والداه في قيد الحياة , لكي يتم لهما الفرح والغبطة والسعادة والحبور , لأن أمنية الوالدين في هذه الحياة إنما هي تزويج أولادهما
    وبديهي أن تتـنبه عواطف الصبي المراهق وتستيقظ أفكاره لدى هذا الحث المتواصل والترغيب الملحّ الذي لا يفتأ له سامعاً أينما ذهب وحيثما حل , فيصبح ولا شغل يشغله سوى لانتخاب فتاة تشاطره أعباء الحياة , ويضحي وقد وقعت من نفسه فتاة , ويغدو وقد أقلع عنها إلى غيرها , ويمسي وقد هفا قلبه إلى سواهما . ويقول في نفسه : هذه ضالتي المنشودة , وهذه (( فرحتي )) المقصودة . ولا يزال على هذه الحال , يتعرض لهذه ويتصدى لتلك ويتودَّد إلى أخرى , ولا يدع (( سانحة )) ولا (( بارحة )) تمر بدون أن يستفيد منها ولو بمداعبة أو بنظرة . فإذا صادفهنّ في الطريق , واردات الماء أو صادرات عنه , حاملات جرارهنَّ على رؤوسهن , يخطرن في مشيتهنَّ ويتباهين بدلالهن ومهارتهن في حفظ توازن الجرار على الرأس بدون أن يستعنَّ لذلك بأيديهن , وجد لنفسه مسوّغاً للتصدي إليهن . فطلب أن يرافقهنَّ رغبة في قضاء برهة يتحدث فيها إليهنَّ . ولا يفوته هذا الطلب عندما تكون الفتيات في البساتين والكروم , يقمنَ ببعض الأعمال . فيأتي إليهنَّ الشاب ويؤازرهن ويبذل لهنَّ المساعدة مخففاً عنهنَّ العناء غير طالب أجراً عن ذلك سوى رضى أولئك الحسان ومودتهنَّ , متجنباً أن تُمس عواطفهن , حريصاً على أن يكون سلوكه بإزائهنَّ شريفاً ليس فيه امتهان له أو لهنَّ . ولا يمنعه هذا الحرص أن يسرح ويمرح معهنَّ ضمن دائرة الأدب ويبادلهنَّ أثناءَ المداعبات البريئة بعض عبارات التصبب والوداد
    وإذا دعا داعي الفرح تراه يهب مسرعاً إذ يتسنى له في مثل هذه الظروف أن يتقرب إلى عروس محبته . فيتبادلان هناك خلسةً النظرات والإبتسامات ويتجاذبان بعض أطراف الحديث إذا استطاعا أن يبتعدا عن أنظار الوشاة الفضوليين . ولا يزالان بين أخذ وعطاء حتى تتوثق بينهما أواصر الود والألفة , ويتم التفاهم بين روحين وجدت إحداهما في الأخرى وحدةً في النزعة والميول . ولا يزال الإتفاق ينمو ويكبر حتى تظهر النفسان المتحابتان للعيان وتمتزجان لتقدما قرابين الحب , وتحرقا بخور الإخلاص , وتبرما عهوداً قاطعة بحفظ الأمانة والمودَّة , والسهر عليها وديعة ثمينة يحوّطانها بجميع أصناف العناية , ويبذلان لها الاقسام بسخاء , لثقتهما بأن هذه الاقسام سوف يسعيان إلى تحقيقها
    فمتى تألبت الجموع في الأفراح , وأرفَّت عليها ملائكة المسرات , ولعبت بالرؤوس خمرتها , وانصرف كلٌّ يبحث عن سلوى يجلو بها همه , فراح البعض يرقصون , والبعض يضربون الدف ويمرحون , وآخرون يدبكون على صوت المزمار أو الشبَّابة , متكاتفين يدفع بعضهم بعضاً بالمناكب , يرقصون بخطى متزنة متواثبة بقوة وحياة ونشاط , حينئذٍ يصفو الجوّ للعزَّاب وتشترك الفتيات في هذه الدبكة . فتأخذ كل واحدة منهن يد أخيها أو قريبها أو خطيبها أو من ترى فيه عريس أحلامها . وعندما يتماسك الشبان والشابات بالأيدي , ويرقصون ويقفزون متلاصقةً أكتافهم يتبادل المتحابّون المداعبات البريئة وعبارات التودد خلسة وهم في مأمن من الوشاة
    وقد ذكرنا غير هذه المواسم لتوطيد العلائق بين المتحابّين كسلق البرغل وجرشه . لأن الناس كانوا في تلك الأيام يعيشون نوع من الإشتراكية الممدوحة . فلا يقع حادث في أحد البيوت بدون أن يتوافد إليه الجيران والأصدقاء فيساعدوا أهل البيت في قضاء حاجاتهم . فيجتمع هناك عدد من شبان البلدة وشاباتها , الأمر الذي يزيد في شغف المتحابّين ولا يلبث أن يتسرب إلى ذويهم خبر تلك المودَّة المتوثقة وأكثر ما تبدو هذه الإشارات على الفتى المراهق لحداثة عهده في الحب وجهله حسن التصرف فيه . فتلاحظ عليه ذلك أمه , وإذا هو لم يفاتحها به بادرَته بالإستفهام عن حالة قلبه وشجعته ليمضي في هذا السبيل . ولا يكاد يلمس من والدته هذا الرِّضى وهذا التشجيع حتى يندفع إلى مذاكرتها بما جرى له . فتحمله إلى والده فَرِحَة طروبة , وتزف إليه بشرى تحمل إلى قلبه الغبطة فيصفق لها ويهلل , ويهم بالإشتراك مع زوجته في انتخاب عروس لولده , مستعيناً على ذلك بأقربائه وأخصائه وأصحابه , إلى أن يتفقوا جميعاً ويقر رأيهم على فتاة يرون فيها الكفاية والأهلية لأن تشارك ولدهم في حياته وتساعدهم على القيام بمهام البيت وأشغاله
    فيجعل العريس منذئذٍ يختلف مع والدته إلى بيت الفتاة , ليدرس أخلاقها ويقف على صفاتها ويتحقق حسن صحتها ويختبر نشاطها واهتمامها ببيتها وطريقة (( حوستها )) أي إدارتها فيه , لأن لهذا الأمر أهمية كبرى , لا سيما وأن أهل بيت حميها يرون فيها عوناً لهم على تطيين البيوت والسطوح ودهنها بالحوّارى ودق الكبَّة ولفّ اليبرق وصنع الخبز , إلى ما هنالك من الأشغال البيتية والزراعية أيضاً , كالحصاد والقطاف والسطاح وفرك الكشك وسلف البرغل إلخ ... فتساعد تلك الزيارات على توثيق الصلات ورفع الكلفة بين الأسرتين . فتندفع النساء في المجاملات إلى أبعد حد , وينتشر الخبر بين الناس , ويصبح حديثهم اليومي
    ويدعو أبو الفتاة إخوته من جهته ويبسط لهم الأمر , متمماً بذلك واجباً مقدساً يتحتم عليه قضاؤه مع آله وأنسبائه وكأنه بذلك يطلب إليهم السماح بأن تُزفَّ إبنته إلى من يطلب يدها
    وهو يحسب استشارته هذه لاحقاً لإخوته وأبناء عمه , فقد يكون بينهم من يرغب في الإقتران بابنته إذ له فيها الحق الأول . فليس على أبيها والحالة هذه إلا الإذعان لهذه الرغبة والنزول عندها . فيحمل ابنته على قبول الزواج بإبن عمها , رغبت فيه أم لم ترغب , ما لم يرضَ ابن عمها بأن تكون أخت الطالب أو إبنة عمه خطيبة له بدلاً من ابنة عمه , فتزف تلك إليه مرغمة راضخة لأمر والديها ولا يكون لها في اختيار رفيق حياتها أي نصيب . وإذا كان أبناء عم الفتاة غير قادرين على الخطبة في ذلك الحين أو يتمنعون عنها لأحد الأسباب فيتنحون عن هذا الميدان برضى وانتظام لئلا يكونوا عثرة في سبيل ابنة عمهم فيعرقلوا مساعي والديها لإسعادها . فيقرّ رأي أهل الفتاة حينئذٍ على أن يُعطوا ابنتهم لمن يطلبها . فيشيع في البلد بأن فلاناً أعطى قولاً بإبنته فلانة إلى فلان إبن فلان
    التَمْشِيَة
    بعد الإتفاق بين أهل الخطيبين على موعد معيّن وعلى عدد الرجال الذين سيطلبون الفتاة للشاب ( يلاحظون في تحديد هذا العدد حالة أهل الفتاة وسعة دارهم وما لديهم من المحالّ . ولكثرة الرجال الطالبين يد الفتاة أهمية في أعين الناس ) , يستدعي أبو العريس أقرباءه إلى بيته ويطلعهم على رغبته ويستشيرهم في الأمر . فيعيّنون منهم وفداً مؤلفاً من شيوخهم المتقدمين في السن وأصحاب المكانة في الأسرة , ويرسلون إلى بيت أهل الفتاة (( فـَـيُـمَـشُّون )) عليها , أي يطلبون يدها رسمياً من أهلها . ويسمون هذه الليلة (( ليلة لحس المقلي )) ( لا أعلم لماذا سُميت هذه الليلة بهذا الإسم , مع أني بذلت جهوداً كثيرة في البحث عن ذلك . والذي أظنه أنهم كانوا قديماً يقدمون في تلك الليلة للخاطبين بيضاً مقلياً بالسمن فيأكلونه غامسين لقمتهم بالمقلى نفسه حتى يأتوا على آخره ويلحسوا المقلى أيضاً لطيب الأكلة . أو أنهم كانوا يشترطون على الخطيب بأن يلحس المقلى وهي ساخنة محميّة . فإن أقبل على ذلك بجرأة راق في عيونهم وكان في نظرهم بطلاً شجاعاً . حتى إذا أقدم على العمل منعوه عن ذلك وأعطوه قولاً رسمياً عن استحقاقٍ منه وبكل رضى . وهذا امتحان لشجاعته وجرأته ومحبته لخطيبته , وهذه كان الشاب يفتخر بها قديماً كما يفتخر الشاب اليوم بعلمه ولطفه )
    فيذهب هذا الوفد إلى بيت الفتاة ويطلبها من أبيها . فيعطيهم هذا قولاً , بشرط أن يذهبوا ويأخذوا قولاً من أعمامها وأخوالها , جرياً على العادة المألوفة
    فيقوم الوفد في اليوم التالي إلى البيوت المشار إليها ويأخذون قولاً من أربابها بالرضى والقبول . وتقدم لهم (( النقولات )) من قضامة وزبيب وتين وجوز وغير ذلك من الفواكه علامة الرضى . ويودّعون حامدين شاكرين مثنين على حفاوة أنسباء الفتاة وكرمهم وصدق طويتهم . ويقرر أهل المتحابَّين موعد الخطبة الرسمية
    الخطْبَة
    في اليوم المعين يدعو أبو العريس الرئيس الروحي والأقارب والأصحاب ومشايخ البلد وأعيانها , إلى تناول العشاء عنده والإحتفال بعقد خطبة إبنه الرسمية . فتتوافد الناس إلى داره قبل الغروب زرافات زرافات , ويجلسون في ردهة من ردهاتها
    وهي عادةً غرفة كبيرة مفروشة بالسجاد والبسط ومرصوفة على جوانبها بالفرش والوسائد . وفي إحدى زواياها موقد وفوقه مدخنة وعليها سراج من فخار يُـنَـار بزيت الخِرْوِع الذي كانوا يستخرجونه من أراضيهم . وفي كل حائط من حيطانها سراج مثله على (( مسرجة )) من خشب يستنيرون بضوئه , وكلما ضعف نوره أصلحوه بأن يفركوا الفتيلة بأصابعهم ويرموا ما فسد منها . وكانوا يستعملون كتنبيه لإصلاح السراج هذه الكلمة المبتذلة )) مخـّطوا هالسراج )) . وفي الموقد نارٌ وعليها أباريق القهوة والشاي الحلبي . فيصطلون متعاقبين أفواجاً , يشربون القهوة ويدخّـنون التبغ والتـنباك . وعندما يكمل عدد المدعوين تبسط السُـمُـط على الأرض وتوضع عليها (( مناسف )) البرغل . فيجرون على ما ذكر في باب الولائم , متبعين آداب السفرة
    فلجلوس الرجل حول السفرة إصطلاح , ولمسك الملعقة إصطلاح . ولا يجوز لأيٍّ كان أن يخلَّ بهذه الإصطلاحات , التي يقدسونها ويحافظون عليها كثيراً وينتقدون من يخالفها أشدَّ الإنتقاد جهاراً , بقولهم (( هذا حرام وعيب )) وينسبون إليه الكفر والإلحاد . وإذا وجدوا شيئاً من فتات الخبز بالأرض يسرعون إلى إلتقاطه ويقبلونه ويرفعونه إلى رأسهم ثلاث مرات ثم يأكلونه ( وإني لا أزال أذكر معلمي وأنا صغيرٌ , إذ كان يقطع الرغيف بسكينه ليأكله . فكنت مع رفقائي نستهجن عمله هذا كثيراً ونعده كفراً )
    ويأخذون في تناول الطعام من الأطباق الكثيرة المشتركة فيما بينهم , بينما يقوم بخدمتهم إثنان أو ثلاثة من أهل البيت وأنسبائهم يقدمون لهم ما يحتاجون إليه من الماء ويحملون إلى المائدة بدل ما قد نفذ من أشكالها
    وبعد العشاء يعودون إلى ما كانوا عليه من شرب القهوة والشاي والدخان (( بالأركيلة )) و (( السبيل )) بحسب شهوة كل منهم . ثم يستأنفون حديثهم في مواضيع شتَّـى حتى ينتهي بهم الكلام إلى موضوع الخطبة . فيتقدم أبو العريس ويعطي الرئيس الروحي غازياً أو غازيين وشملة حريرية سوداء . ثم يذهبون جميعاً , رجالاً ونساء , إلى بيت أبي العروس . فيخف أهلها وذووها لاستقبال الخاطبين بكل بشاشة وترحيب , ويحلونهم صدور مجالسهم ويبالغون في الترحيب والإحتفاء بهم ويقدمون لهم القهوة والشاي . ويقدم أخو العريس أو إين عمه التبغ لمن )) يشرب السبيل )) , والتنباك لمن (( يشرب الأركيلة )) . وكان شاربو (( الأركيلة )) يجلسون بعضهم إلى جانب بعض يشتركون في الشرب منها متعاقبين , إذ لم تكن (( الأراكيل )) وافرة في ذلك العهد , وكان كثير منهم يحملون (( أراكيلهم )) من بيوتهم ليتفردوا في استعمالها . فيدور الحديث على ما توحيه الظروف الحاضرة , ثم يتطرقون إلى حالة الطقس وحالة المطر والمزروعات والمواشي , وينصرفون إلى التحدث عن حادث مهم كالقتل اغتيالاً أو أثناء غارة من قبل عرب البادية أو حادث نهب أو سلب ( كان من دأب عرب الصفا واللجا وغيرهن غزو هذه المنطقة ونهب مواشيها , كما أشرنا سابقاً . فكانوا يقطعون الطرق ويتعرضون لسالكيها ويسلبونهم ويقتلون من يقاومهم . بل كانوا يندفعون في كثير من الأحيان إلى اقتحام القرى المنفردة ونهب ما تصل إليه أيديهم منها . ما لم يكن لهم (( خوَّة )) على البلد . و(( الخوَّة )) هي اتخاذ بعض الأشخاص من ذوي النفوذ والمكانة بين عرب البادية أخاً للبلد ليمنع عنهم التعديات ويرجع إليهم المنهوب مقابل مبلغ من النقود وشئ من الملبوس كعباءة سعدونية وغيرها وكميةٍ من البن سنوياً . فيأتي الأخ إلى بيت الشيخ , وهذا يفرضها على أهالي البلد ويحصلها منهم ويسلمها إلى الأخ (المذكور بكل رضى
    ولا يزال المدعوون في مثل هذه الأحاديث حتى تحل الفرصة المناسبة . فيلتفت الرئيس الروحي إلى أبي العروس وذويها ويلقي عليهم التحية المألوفة هكذا
    (( الله يمسِّيكم بالخير يا جماعة الخير . جئنا إليكم خاطبين راغبين أن ننتسب منكم . فلا تردونا خائبين . ونحن نطلب إبنتكم فلانة إلى ولدنا فلان إبن فلان . عقبال الأفراح عندكم جميعاً )) . فيقول أبو العروس : (( أهلاً وسهلاً بكم جميعاً على عدد ما مشيتوا وجيتوا . وإذا لم تسعكم البيوت تسعكم القلوب . إلا أن هذا الأمر ليس بيدي , وهو منوط بعمها أبي فلان , وخالها أبي فلان , وجارنا أبي فلان , وصديقنا أبي فلان )) . ويشير بيده قائلاً : (( إنهم هم أُولو الأمر والنهي )) . فيجيبه الشيخ أو الرئيس الروحي : (( بارك الله فيك يا أبا فلان . عقبال فرحة أولادك )) . ويلتفت إلى من أُشير إليهم من أقارب الخطيبة ويلقي عليهم التحية ويقول : (( جئناكم خاطبين راغبين . عقبال الأفراح عندكم جميع )) . فيجيبونه
    (( وعندكم إن شاء الله . أهلاً وسهلاً . كلنا قدامكم وبين أياديكم وتحت أمركم . )) فيستدرك أحد أعمامها ذلك ويقول مخاطباً أهل الخطيب : (( ليس من مانع في ذلك ولكن ... ( وهنا يأخذون في الفكاهة والمزاح ) ... ولكن أخا الخطيبة وإبن عمها مسافران , وأخاها الصغير عسكري في بلاد اليمن , والأصغر منه وإبن عمها مع الماشية في مشتاها , وأخاها الكبير مسافر بجهة الموصل , ولا بد لنا من مشورتهم وسماع آرائهم . وإنَّا نرى من المناسب أن تُـرجأ الخطبة حتى يوم مجيئهم فنعرض عليهم ذلك . ونخبركم بما يقولون . فيقترح أحدهم على الحضور إرسال كتاب مع رسول إلى أخوتها في سفرهم المزعوم , يسألون فيه عن رأيهم . ويعقب ذلك سكون برهة قليلة . فيقول واحد من موكب العريس بهدوء وسكينة : (( إيش عليه )) يعني بذلك : لا بأس , أرسلوا ساعياً لمن تشاؤون وشاوروا من تريدون فإننا نحن ههنا قاعدون . إننا قد فلحنا وزرعنا ودبّسنا ولم يعد أي شغل يشغلنا . (( وإيش عليه )) لو ضلّينا عندكم نمضي آخر الشتوية بضيافتكم , نتسلى مع بعضنا بعض وننبسط من كرمكم ونقابل وجوهكم هالحلوة . راح نلاقي أحسن منكم وأحسن من بيتكم ؟ . فيجيبه واحد من ذوي العروس : (( نحن لا نرى في بقائكم عندنا شئ يزعجنا . ونتمنى لو تبقون عندنا طيلة العمر . فأهلاً بكم وسهلاً . ولكننا لا نعطي ابنتنا لمن تطلبونها له لأنه لا يزال صغير السن لا قدرة له على الفلاحة والزراعة ولا يستطيع (( القياض )) بالمرّ , ولا في مقدوره إسقاء الكروم في ليالي الشتاء الباردة , وليس له الخبرة والمقدرة الكافية لكي يكون عوناً لبيت حميه على قضاء أشغالهم فلا بأس علينا إذا أجلنا خطبته ريثما يشتد ساعده ويبلغ الشاب فنعطيه ابنتنا بكل طيبة خاطر إن شاء الله . ولِمَ هذه العجلة , فهي من الشيطان , ولا يزال الخطيب فتىً والخطيبة صبية ))
    وبعد الأخذ والرد واشتداد المحاورة والجدال والمزاح بينهم , وبعد ما يصل الخبر للعريس وهو في داره أن أهل العروس يمانعون في إجراء الخطبة الآن ويطلبون تأجيلها إلى أن يأتي أخوها الكبير من سفره , فتضطرب أفكاره ويحسب ألف حساب إذ يبلغونه ذلك بطريقة جديَّـة
    يتدخل الشيخ في الأمر قائلاً : (( الله يمسِّيكم بالخير يا جماعة . فليصلِّ كلٌ على نبيه ويمسح وجهه بالرحمن . كل ماوضعتموه لنا من الشروط فعلى الله وعليَّ قضاؤها . وأنا كفيل الغائبين بالرضى والقبول . وأقطع لكم على نفسي عهداً بإقناعهم . أما مسألة صغر سن الخطيب فإني أضمن أيضاً بأن سوف يعوّض عما يفوته من قضاء حاجات بيت حميه أضعافاً عندما يكبر . فما قولكم يا جماعة بهذا الحل ؟ )) ويكون الرئيس الروحي قد أظهر لزوم ختام هذه الفكاهة وهذا المزاح . فيقول ذوو العروس : (( نحن قبلنا كفالة الشيخ وأعطينا ابنتنا لطالبها إن كان الله أعطاه . إذ ماهو إلا ولدٌ من أولادنا . وإذا لم يكن لدينا عروس نزفها إليه فإن من الواجب علينا أن نجد فتاة تليق به )) . فيجيبهم الشيخ : (( بارك الله فيكم ! فأنتم جميعاً (( قدها وقدود )) . قدّرنا الله على مكافاتكم
    فإذا كان أهل الفرح من المسلمين أرسل الإمام إثنين يسألان الخطيبة إلى من تريد أن تكل أمرها , ويعقد الخطبة أو الكتاب حسب الشرع والعادة المألوفة
    وإذا كانوا من المسيحيين فيصطحب الكاهن إثنين من الحضور إلى الغرفة التي جلست فيها الخطيبة وأترابها فيسألها أمام الشاهدين هل تريد فلاناً خطيباً لها . فتجيبه بحياء وخجل بالرضى والقبول , بإشارة لا تكاد تـُرى , كأن تهزّ رأسها أو تومئ بعينيها دلالةً على رضاها . فيعود ويعقد الخطبة حسب العادة , بعد ما يعطي لأبي الخطيبة الغازيين والشّملة الحريرية (( المقصبة )) وينتهي الأمر
    ويقول المدعوون لأبي العريس : (( جعله الله مباركاً . عقبال الفرحة الكبيرة )) , أي الزواج . ولأبي العروس عقبال فرحة أولادك )) . وتزغرد النساء و (( يُـرَوّد ) الشبان . وتكون النساء قد هيأن أنواعاً من الضيافات , فتمد السُـمُط ويرصف عليها الأرز واللبن والخبز وغير ذلك مما في البيت من الدبس والزيتون , فيأكل المدعوون . ثم يشربون القهوة ويعودون إلى بيت العريس فرحين مرحين . فيلاقيهم الشبان بالتراويد , والنساء بالزغاريد والأهازيج
    :فيتفرق الشبان فرقاً كل أربعة أو خمسة يهزجون ويروّدون هكذا
    كم راس قطعنا وكم جثــه رميناها
    بالهوج والموج وضرب السيف خضناها
    نحنــا ونحنــا من سود اللحى نحنــا
    نحنـا الصقوره ولو قُـصَّـتْ جوانحنا
    لا تركب إلاَّ ثنيَّه اما رباعي اللحايف
    مسكين راعي الرديَّه قلبه من الموت خايف
    لآني من الهم مهموم و لآني بأسرار بايح
    اضحك ولو كنت مغموم ولو كان فيَّ الجرايح
    حمره من الخيل يا هو و جلالها من قطيفه
    ركَّـابها فلان يا هــو يشبه الزنيتي خليفه
    لاها بلبس الطرابيش ياهو ولاها بدق القهاوي
    هذا رصاص مر يا هو يحتار فيه المداوي
    بارودنا فجفج الدير يا هو صاحوا العذارى عفاهم
    صبيَّانا تفرج الهم ياهو جابوا القلايع وراهم
    يا نسر يا شايب الراس مالك على الجوع قوَّه
    لو طلّت الخيل بالليل عليك بأهل المروَّه
    جوز المليحه نصب خيمه و علاها
    جوز الشنيعة هرب عالشام وخلاها
    عينيك يا ناقل العود وحدك ولا لك مشارك
    والعمر له حد محدود دوس المنايا وعارك
    يا مير ملحم ويا شيخ الحماديه
    يا قبة النصر فوق الشام مبنيه
    قلعة بعلبك بعون الله ملكناها
    بالهوج والموج وضرب السيف أخذناها
    نحنا الغطارف ومنزلنا على الطارف
    ما ينزل الوسط إلا النذل والخايف
    يا هركله رحتوا مداعيس جتكم عواج الطواقي
    خيَّالنا بألف خيَّال ياهو والما يصدق يلاقي
    المهر مهري وانا بعرف طبايعه
    والسيف سيفي على رقاب الرجاجيل
    :غيره
    لا تاخذونا بكثرتكم وقلتنا كثير من الحَب تطحنها الطواحين
    :وكذلك تزغرد النساء ويغنين هكذا
    أيها يا فرحة الي إلي عامين بنطرها أيها وسألت رب السما ان يكملها
    أيها و تكملت يا علي يا ابن الكرامِ أيها و تكملت بعناية ربنا العالي
    (لولولوليش ( وتعاد هذه بعد كل من الأدوار التالية
    أيها سروري سروري صبحت اليوم مسرور أيها لا أدري من الله لدري حلمت في نومي
    أيــهـا الحمد لله هالشهوه قضيناها أيها و الحمد لله الي عشت لليومِ
    أيها اخوتي اثنين ويا عزي بالاثنينِ أيها واحد على الساقيه واحد على العين
    أيها وندراً عليَّ وان جوزت الاثنين أيــهـا لدق طبل النَّوَر وارقص بكميني
    أيــهـا فلان يا اسمر ويا علبة السكر أيــهـا يا من ربط مهرته في شجرة العنبر
    أيــهـا ياما عيرونا بنات الترك يا اسمر أيــهـا كل المحبين ليلة فرحتك تحضر
    أيــهـا لمن هالباب الكبير العـالي أيـــهــا لابو فــلان دبــاح الخيالِ
    أيـــهــا لمن هالفرس الأصيلة الواقفة أيـــهــا لأبو فــلان دواس الليالي
    أيـــهــا نحنا و نحنا ومن سود اللحى نحنا أيـهــا نحنا نكيد الاعادي أين ما رحنا
    أيـــهــا ما قلت لك يا فلان سيفنا نحنا أيـــهــا روس الأعادي غنم دبَّـاحها نحنا
    أيـــهــا علية ابو فلان عالعمدان رافعها أيـــهــا يا ريحة البن والقهوة مطالعها
    أيـــهــا لا تذكر البخل يا عزي ويا سندي أيـــهــا عادات بيَّـكْ قبل منَّـك مطالعها
    أيـــهــا معجن أبو فلان ثمان ترطال رزاته أيـــهــا يا باشة الشامِ ما نقلت قماشاته
    أيـــهــا يا سفرة الي مدها بديَّـاته أيـــهــا اكل الاماره ولَـشْح الخبز عاداته
    أيـــهــا رجالنا هوبرت نسواننا غنِّـتْ أيــها وراياتنا البيض من راس الجبل طلـِّت
    أيــهـا ليت التي شافت هالشباب وما سمِّـت أيـــهــا تقبر صباها وبعد الشمس ما طلـِّت
    أيـــهــا سفرة أبو فلان ثقيلة ما بتنشالي أيـــهــا معوَّدة عا صحون الرز والضاني
    أيـــهــا سبع صنَّـاع ما شالوا حلقها أيـــهــا من المنزول الى باب الخزاني
    أيـــهــا نحن بني عم عصبه ما بنفترق أيـــهــا لو جرى الدم عالعودان والورق
    أيـــهــا الـي يحبنا ينـزل لـساحتنا أيـــهــا واللي بيبغضنا بنار الجمر يحترق
    أيـــهـا نحن بني عم من حقـَّـا وتحقيقِ أيـــهــا وسيوفنا من ذهب دق المطاريقِ
    أيها جيوبـنـا من المال خشخشت أيـــهــا ويا نهرَة رجالنا بِـتْـنَـشِّـف الريقِ
    أيـــهــا نحن بني عم ما مال الهوا ملنا أيـــهــا نحنا جميع الطوايف شاكره منا
    أيـــهــا سن سيفك يا فلا وتكنى أيـــهــا وحياة عميرك ولا تنسى حدا منا
    أيـــهــا فلان يا مفتاح سوق الغرب أيـــهــا يا شمع مكـَّه ويا ضو القمر عالدرب
    أيـــهــا ما قلت لك يا فلان يا قوي القلب أيها اقتل واضرب وانصب مشنقة عالدرب
    أيـــهــا انا يا ناس ما عزي بمالي أيـــهــا عزِّي بالعمايم والرجالِ
    أيـــهــا انا عزي بفلان لو ندهته أيـــهــا سخي الكف أبو زيد الهلالي
    أيـــهــا فلان يا ذهب في كفة ميزان أيـــهــا يا مواجه السلطنة يا مرافق الحكام
    أيــهــا الي راح للوالي وحكى بحقك حرام أيـــهــا تقبره حريمه وتلبس أسود الرهبان
    أيـــــهــا فــلان لا تقول نسـيتـك أيـــهــا انت المبدَّى يا عزيز يا غالي
    أيـــهــا انت الذي فضلك علينا كلنا أيـــهــا من يوم كنا في القماط صغار
    أيـــــهــا أبـو فلان يا فنجان فرفوري أيـــــهــا يا جوخ أحمر عالشبَّـاك منثورِ
    أيـهـا لمن ركب عالكحيلة وقال لها دوري أيـــــهــا وحياة عمرك اعطي الجمع دستورِ
    أيـــــهـا نحن بني عم عصبه والتجينا ليك أيـــــهــا انت اكابر وهز الرمح بين ايديك
    أيـــهــا وان ردت شرَّقنا وان ردت غرَّبنا أيـــــهــا انت السكاكين ونحن اللحم بين ايديك
    أيـــــهــا ما قال فلان قوم لنشوف يا خالي أيها ونزيّن الخيل من فضه ومن مالي
    أيها وان كسبت الخيل من حظي ومن فالي أيها وان خسرت الخيل كله فداك يا خالي
    أيــها ما قال فلان قوم لنشوف يا ابن اختي أيها ونزيّن الخيل بالرشمه و بالرختِ
    أيها وان كسبت الخيل من حظي ومن بختي أيها وان خسرت الخيل كله فداك يا ابن اختي
    أيـــــهــا فلان يا ثوب الحريري أيـــــهــا وسيع الكم أحلى ما يصيرِ
    أيـــــهــا ما أحلى وقفته في باب داره أيـــــهــا بيأمر عالكبير و عالصغيرِ
    أيـــــهــا فلان يا سبع السرايا أيـــــهــا دخلت الشام رملت صبايا
    أيـــــهــا سيفك هالطويل الله يديمه أيـــــهــا على رقاب العدى يهري المنايا
    أيـــــهــا فلان يا جودي وموجودي أيها دارك عمار ودار الضد مهدودِ
    أيــهــا يا بساط أحمر وفي المنزول ممدودِ أيـــــهــا تحته المخرم وفوقه منسف العودِ
    أيـــــهــا تقولوا فلان مات ما مات أيها خلف خلايف مثل زهر النبات
    أيـــــهــا خلف فلان الله ينصره أيها وخلف فلان لــمـد السماط
    أيـــــهــا بيت فلان يا ميَّـه وتسعينِ أيـــــهــا يا نازلين على بعلبك وسرعين
    أيـــــهــا يا نازلين على بعلبك ويا امرا أيـــــهــا يا داعسين على فرش السلاطين
    أيـــــهــا لا تحسبونا فنينا ما فنينا أيـــــهــا رجال العز منا سالمينا
    أيـــــهــا اذا سلم منا وحيِّـدْ أيـــــهــا وحيِّـدنا عدال الاربعينا
    أيـــــهــا لا تحسبونا لاجـل المال دلـّينا أيـــــهــا لا ندلّ ولا نشمِّـت حدا فينا
    أيـــــهــا وان هوَّن الله يا فلان ونجينا أيـــــهــا نخلف ابونا ويرجع عزنا لينا
    ويتغنون بغير ذلك من الاغاني , وكلها حماسة وفخر ومديح , ينشدونها في الافراح و الاعراس إكراماً لفلان وأبي فلان والشيخ الفلاني إلخ
    ويظلون هكذا إلى ساعة متأخرة من الليل يرقصون ويمرحون . ثم يودعون أهل العريس متمنـّين للخطيبين السعادة والهناء , داعين لهما بتمام مهمتهما على خير قائلين : (( عقبال الفرحة الكبيرة )) . فلا يخلو البيت من الناس حتى يهب العريس مسرعاً , بعد نفاذ صبره إلى بيت العروس حاملاً لها منديلاً كبيراً مملوءاً من الاجَّاص الشتوي والملكي أو العثماني والجوز والتين والزبيب . ويقبل عند وصوله رأس حماته . وهذه فريضة يسمونها (( بوسة الراس )) . ويجدّد السهرة مع العروس وآلها فرحين مسرورين . ويرجع في آخر الليل إلى بيته وقد امتلأَ قلبه غبطة وسروراً ولذة وحبوراً ومنذ ما يعقد للخطيبين يصبح مفروضاً على العريس أن يقضي السهرة كل يوم عند عروسه ويُحرَّم عليه قضاء السهرة في غير بيت حميه إلا عند الضرورة الماسّة
    بَعْد الخطْبَة
    في اليوم الذي يلي الخطبة كانت العروس تذهب باكراً إلى مورد الماء فتملأ جرتها وتأتي بها إلى بيت حميها فيستقبلونها بالترحيب والإكرام , ويتحفونها بقطعة من النقود الرائجة إذ ذاك , تتفق مع حالتهم , مثل (( الفـَنَـسْ )) وقيمته 22 قرشاً , والريال أبو عامود ( 22 قرشاً ) أيضاً , والزهراوي ( 10 قروش ) , ونصفه وربعه والغازي ( وهذا من الذهب يساوي 30 أو 40 قرشاً ) , وحذاءً أي (( بابوجاً أصفر )) . ويسمون هذه الهدية (( عَـبرَة الدار )) , أي زيارة العروس الأولى لبيت حميها . ويبقونها عندهم ذاك النهار فتعاونهم على دق الكبة . ويدعون أهلها إلى تناول العشاء وقضاء السهرة . فيجتمع فيها الأقارب والأصحاب ويقضونها بين الرقص والغناء والضرب على الدف والنقارات والنفخ في المزمار والشبابة . ويقابلهم بالمثل أهل العروس بعد أيام قليلة , فيدعونهم إلى تناول العشاء عندهم . ويأخذ الناس يتواردون إلى بيت العريس للمباركة بالخطبة . فيأتون عيالاً عيالاً قائلين : (( مباركة الخطبة . عقبال فرحة الكبيرة )) وهم يقدمون القهوة والقضامة والزبيب والجوز والتين وغيرها من النقول
    ثم ينصرف العريس إلى شراء الجهاز له ولعروسه . فيبتدئ بشراء كمية من القطن لا تقل عن العشرة أرطال ويأتون بالندَّاف , ويستعينون بالنساء للف القطن المندوف (( فتايل )) على قطع دقيقة من الخشب . ويجمعون كل عشر فتايل يعقصونها عُـقـَصاً تسمى الواحدة منهن(( كوكة )) ويهيئونها للغزل والحياكة . وتشرع أم العروس في غزل القطن بمغزلها . فتصنع من (( شماميط )) تحولها بناتها إلى شُـلل فمواسير وقلما كان يخلو بيت من الدواب أو النول وسائر آلات الحياكة والغزل . فيحوكون خاماً أو يكلفون أحداً حياكته مقابل أجرة طفيفة . فيأخذ من يحوك الذراع نصف قرش . ويصنعون من هذا القطن أشكالاً من الأقمشة : فمنه ما يكون من القطن الخالص , ومنه من المدفف )) أو (( المُحَـوشى )) (كانوا يجلبون نفاية الحرير , وهي القز , مغزولاً ويصنعون منها المدفف والمحوشى . فالمدفف يكون أقلاماً من النوعين . والمحوشى تكون فيه حواشي الخام من القز ووسطه من القطن (
    والأغنياء يحوكون قماشاً من القز الخالص . ثم يصبغون من قماش القطن ما يلزمهم باللون الأزرق ليصنعوا منه الألبسة الخارجية , كالسراويل المطرزة والاجالك والصايات والصداري للرجال , والفساطين وغيرها للنساء ويرتدون هذه الألبسة أثناء أشغالهم الزراعية والبيتية , وفي أسفارهم وأيامهم العاديَّـة . وإنما كانوا يطرّزون قمصان النساء بالحرير الأحمر والأصفر والأزرق والأخضر على صدورها وأكمامها . ويعملون من الفرش واللحف عدداً يختلف بين الثلاثة والخمسة , وكثيراً من المرافق والوسائد
    وكانت الخطبة تدوم من السنتين إلى العشر , يكون العريس مكلفاً أثناءَها أن يقدم للعروس لباس رأسها وأحذيتها مهما طالت المدة . وكان عليه أن يقدم لها في الأعياد والمواسم الهدايا التالية : فلا يحل عيد القديسة بربارة مثلاً عند المسيحيين أو عيد من أعياد المسلمين , حتى تهب أم العريس إلى دعوة أصحابها وأقاربها من النساء . فيوافينها وكل منهن تحمل زوجاً من الجوارب أو منديلاً أو شملة حريرية , وهي تأخذ أيضاً شيئاً من ذلك , فيقدمن تلك القطع هدايا للعروس في بيتها . ويأخذن معهنَّ صحفة مملوءَة من القمح المسلوق قد نُـثر عليها من قلب الجوز والزبيب وحب الرمان والقنب . ويتغدين في بيت العروس ثم ينفرط عقدهن . وكان على العريس أن يقدم للعروس , كلما ذهبت إلى الحمام , أجرته وقطعة من الصابون . وأما العروس فعليها أن تملأ جرَّة أو جرتين من الماء كل يوم لبيت حميها , وتساعدهم في أعمالهم البيتية في أوقاتها . وعلى الحماة أن تنظر إلى صهرها نظرها إلى أولادها , بل ان تخصصه بشئ من المآكل الطيبة , مثل (( مشويَّة )) ( وهي قرص من الكبة المشوية ) كلما دقت الكبة في بيتها أو برغيف من (( المغطوط )) وغيرهما ممَّـا سبق ذكره
    الجهَاْز
    وعندما يتم عمل كل الألبسة يرسل أهل العريس وفداً من قبلهم إلى بيت العروس , ليستخبروهم هل تمموا المطلوب فيسافروا لجلب الجهاز , وهل نشأ عندهم مانع ليزيلوه . ويتفقون على يوم يسافرون فيه إلى الشام لشراء ما يلزمهم ممَّـالا يمكن الحصول عليه في النبك أو في جوارها : كالصندوق الذي هو من خشب الجوز المحفور أو المصدف والمرآة , وأدوات زينة العروس كالأزهار الصناعية والاسبيداج والحمرة والطيب والزَبـاد , والبدلات الثقيلة والحنَّـا والشموع إلخ . فتنزل العروس وأمها والعريس وأمه وأخته , إلى دمشق مع الجمَّـالة , راكبين ظهور الدواب وهي الطريقة الوحيدة للسفر في ذلك العهد . ويرافقهم إليها أحد أقربائهم أو أصحابهم من ذوي الخبرة في شراء هذه الحاجات . وكان سفرهم هذا يدون يومين كاملين ذهاباً ومثلها إياباً
    فيظلون في الشام نحو أربعة أو خمسة أيام يبتاعون فيها الأشياء اللازمة لهم , من جوخ وحرير وغيرها من ألبسة العريس والعروس الخارجية ممَّـا يتفق مع حالة العريس المادية . فإذا تم لهم ما يريدون قفلوا راجعين إلى بلدتهم بعد أن ينبئوا ذويهم عن يوم رجوعهم . ويكون أهل العريس قد أعدوا العدة لاستقبال مركب الجهاز الآتي من الشام فيدعون جميع الأهالي دعوة رسمية إلى تناول طعام العشاء عندهم واستقبال الجهاز
    موْكِب مُلاَقَاْة الجهَاْز
    يدعو أهل العريس أهالي البلد . يخرجون كلهم , يتقدمهم الخيالة بخيلهم المطهمة ورماحهم وسيوفهم , وهؤلاء يكونون من مشايخ البلد ووجوهها وأعيانها
    ويؤلف الرجال والشبان فرقاً عديدة , ووراءهم فرقة النساء . ففرقة تسير على ضرب الطبل , والثانية على نقر الدف , والثالثة تحدو حُداءً بدوياً , والرابعة من الشبان حاملي البنادق ذوات القدَّاحات والصوَّانات , يطلقون بها البارود الذي اتى به أهل العريس بكثرة . وهؤلاء يسيرون وراء الخيالة , ويسير وراءَهم باقي الفرق يهزجون ويرقصون ويحدون . والنساء وراء الجميع بِـزَفـَّـتِـهِـنَّ (( يَـسْحَـجْنَ )) أي يرقصنَ ويثبنَ بسرعة ويزغردن لهذه المواكب , وكأنهنَّ بذلك يحمسنها للذود عن حياضهنَّ عندما تهاجمهم الخيَّـالة . فيجعل هؤلاء يطارد بعضهم بعضاً ثم يكرّون على هذه المواكب كأنهم يشنُّـون الغارة عليها , فيقابلهم حاملوا (( البواريد )) بإطلاق النار بين أرجل خيلهم , فيرتدّون عنهم على أعقابهم خاسئين بلا جدوى . ويعيدون الكرة عليهم ثانية متحمسين أكثر مما قبل فيقابلهم الشبان بإطلاق النار ويردونهم خاسرين . هذا بينما الفرق المذكورة , الرجال بحدائهم وأهازيجهم , والنساء برغاريدهن , تزيدهم حماسةً ونشاطاً
    ويظل الموكب سائراً حتى يلتقي بالجهاز ومن معه من خارج البلد . فترى العروس وأخت العريس في هودج على ظهر جمل مزيَّن بالبنود (( والسفائف )) الملونة والسموط (( المشنشلة )) بالخرز والطرر من الشعر والصوف الملون والأجراس والجلاجل . تزغرد الفتاتان وتحمِّسان الخيَّـالة وحملة (( البواريد )) معاً فيرجع الموكب سائراً على هذا النحو حتى يصل إلى البلدة , حيث النساء مجتمعات فوق السطوح وفي النوافذ , يزغردن ويلقين على الموكب الجوز والتين والزبيب والقضامة , حتى يصل إلى دار العريس , فتستقبلهم هناك النساء بالزغاريد والأهازيج أيضاً . ويستمر الشبان على إطلاق البارود فيها . وإذا كان لها (( فـَسحَة )) فسيحة تأخذ الخيَّالة تلعب بالرماح على ظهور الخيل ضمن الدار , كأنَّ ذلك يزيد أهلها فخراً وشرفاً ويكسبهم عزَّاً , وهم يرون في ذلك سبيلاً لإظهار مودتهم ومحبتهم للعريس وآله . ولا يلبثون أن يتحولوا عن لعب الخيل وإطلاق البارود والحداء إلى الرقص والدبكة والسحجة حتى يأزف موعد طعام العشاء
    فتبسط السُـمُـط وتوضع عليها أنواع المآكل . فيأكل الحضور أيَّـاً كان عددهم . ويعود الناس إلى ما كانوا عليه من رقص ودبكه وضرب على الطبل والدف , ينشدون الأغاني والأهازيج والمعنَّـى . وينعزل بعض الشبان في غرفة يقومون فيها ببعض الألعاب الرياضية , فيتبارون هناك في المصارعة والمغالبة ورفع الأثقال . ويستمرون على ألعابهم هذه حتى آخر السهرة . وينصرفون مع الجمع وليس في نفس الغالب شئ من الفخر ولا في نفس المغلوب شئ من الحقد والبغض . فلا ينظر الغالب إلى المغلوب باحتقار ولا يضمر المغلوب للغالب شرَّاً . غير أن من تتم له الغلبة على أقرانه يصبح في نظر أهالي البلد جميعاً ذا مكانة ويشار إليه بالبنان حتى بين المغلوبين أنفسهم
    وفي اليوم التالي تتوافد الناس إلى بيت العريس يباركون لهم بالجهاز . فتحمل إليهم كل إمرأة ثماني بيضات تقدم إليهم برسم المباركة (لأنهم سيحتاجون إليها في أيام العرس . فيجتمع عندهم منها ما ينيف على الألف بيضة يقدمونها (كلها في أيام العرس مقلية بالسمن مع الكشك
    فيقدم أهل العريس للمباركين زبيباً وتيناً وجوزاً وقضامةً في صحاف من نحاس يوضع من كل نوع منها صحفة أمام شخصين أو ثلاثة . ويقدمون لهم القهوة العربية والشاي الحلبي . ويكون يوم وصول الجهاز إلى بيت العريس فاتحةً لسلسلة من (( التعاليل )) , أو الليالي الراقصة الساهرة , يقيمونها كل ليلة مدة شهر على الأقل وتمتد أحياناً حتى يوم افتتاح العرس
    وفي هذه الأثناء يرسل أهل العريس الجهاز إلى بيت العروس لكي يتمموا خياطته , فيـَكِلـُون ذلك إلى إمرأة تحسن الخياطة في البلدة . فمتى صار كل شئ جاهزاً تنبئ أم العروس بيت حميها بذلك , وتدعوهم إلى حضور صرّ الجهاز مع غيرهم من الأقارب والأصحاب . ويكون ذلك إشارة إلى بيت العريس بلزوم الشروع في إقامة العرس فتذهب أم العريس , تصحبها بعض نسيباتها وغيرهنَّ إلى بيت العروس لحضور صرّ الجهاز
    صَرّ الجهَاز
    تدخل نساء أهل العريس إلى غرفة قد نـُضِّـد فيها الجهاز . فتجلس أم العروس في وسطها واضعة بجانبها الألبسة )) بُـقـَجَـاً )) ( جمع بُـقجَة أي صرة ) . فتأخذ واحدة منها وتضع مافيها من الألبسة جانباً . وتبسط الصرة على الأرض أمامها وتتناول قطعة من ألبسة العريس وتقول مثلاً : هذا شروال الجوخ للعريس . وتصير تعدّد كل قطعة في الصرة , من أكبر مافيها مثل الشروال إلى أصغر قطعة مثل كيس التنباك والتبغ حتى الحذاء . وتصرّها قائلة هذه بدلة العرس عقبال بدلة عرسانكم . وتأتي بغيرها , ويكون فيها كالأولى أقمشة وسراويل وألبسة داخلية , فتفعل كما فعلت قبلاً ما عدا أنها لا تقول هذا شروال جوخ بل هذا (( قِـنْبَاز )) عصماني أو قنباز حرير (( أَلاجا )) أو حامديّة . وتريهم إياها , ثم تصرها . وتأتي بغيرها , إلى أن تريهم خمس بدلات للعريس أو ثلاثاً . وبعد ذلك تريهم بدلة الصمدة )) أي (( الجلوة )) للعروس , ثم غيرها . وتصر ثلاث أو أربع بدلات للعروس . وتريهم القمصان والسراويل الداخلية العديدة للعروسين . وهكذا تعرض على الحضور كل الجهاز , حتى (( الأجربة والطواقي والتكك )) . وأخيراً تريهم (( سلم اللباقة )) وهو مؤلَّف من بضع (( كباسات )) , أي كعكة من فضلات الأقمشة تضعها المرأة تحت الجرة عندما ترد الماء , وبضعة جيوب متصل بعضها ببعض مؤلفة من أقمشة مختلفة الألوان توضع فيها المشط والصابونة والكشتبان , وبمثل هذه الأشياء , أي بتركيبها وتخريمها وتطريزها تظهر العروس لباقتها وأخيراً تـُري الحضور بدلة العريس . وهي سروال من الجوخ معه باقي الألبسة الداخلية , أو قنباز من الحرير , أو شنتيان من الخام البلدي المطرزة أرجله بالحرير الملوَّن و تصرها على مرأى من الحضور . وتختم أم العروس بقولها : (( عقبال الأفراح عند الجميع )) . ثم تقدم لهنَّ الصحاف المملوءة من أنواع النقول . فيأكلن ويعدن إلى منازلهن شاكرات حامدات
    العُرس
    كان محتوماً على من يعمل العرس في ذلك العهد أن يجعل موعده بين كانون أول وشباط . لأن الناس يكونون أوانئذٍ قد فرغوا من جميع أشغالهم الزراعية ومن تأمين ما يحتاجون إليه من المؤونة لقضاء فصل الشتاء , فيمسي البيت ذاخراً بالأشياء التي يجب أن تبذل في الأعراس , ويكون في استطاعة الناس أن يشتركوا في الأفراح التي تـُقام في البلد , بدون أن يستهدفوا لضياع شئ من أشغالهم . فيكون العرس حافلاً بالأهل والأقارب والأصحاب وسائر أهل البلد , من مسيحيين ومسلمين , وكلٌّ منهم يشعر بما يجب عليه ليحافظ على اتقان أفراح هذا العرس . ولما كانت جبال القلمون في تلك الأيام لا تزال سائدة فيها السذاجة والبساطة , وأبوابها مغلقة بوجه كل تمدن حديث , ظلَّ أهلوها محافظين على عوائدهم القديمة لا يعرفون واسطة للفرح والإنبساط إلا الأعراس . فيهبون للتمتع بأفراحها بشوق وصدق وإخلاص
    فيشمل الفرح عامة الأهالي , كأن العرس لكل واحد منهم . ولم تكن الأعراس بالأمر الهين الذي يُـقـْضَى في وقت يسير , بل كانت تستغرق مدة من الزمان لا تنقص عن الشهر , تـُقـْضَى ما بين مذاكرات ومداولات واستعدادات :للأفراح المقبلة على الشكل الآتي
    المَشُوْرَة الصَّغِيْرَة
    تبدأ المذاكرة بين أهل العروسين قبل العرس بعشرة أيام . فيعينون موعده . فيدعو أبو العريس عندئذٍ أهله وأقرباءَه الأخصّاء ليلاً , ويخبرهم بتقرير موعد العرس , ويستشيرهم ليرى هل يجب أن يعملوا العرس كبيراً أم صغيراً فإذا قرَّ رأيهم على أن يكون كبيراً اغتنموا هذه الفرصة ليصالحوا كل من كان معهم على شئ من الشقاق والنفور , لكي يشترك جميع أهل البلد في الأفراح . ويعينون يوماً يُدعَى فيه مشايخ البلد ووجهاؤها والأقارب والأصحاب للمشورة الكبيرة
    المَشُوْرَة الكَبِيْرَة
    تتوارد الناس صباح اليوم المعيَّن إلى بيت العريس بدعوة منه . ويجلسون في غرفة كبيرة قام في زاويتها موقد قد صُـفـَّـت عليه أباريق القهوة والشاي الحلبي , كما ذكرنا قبلاً . وبعد ما يكمل عدد الجمهور وتدار عليهم القهوة والشاي مراراً , يسأل الشيخ الوجيه بينهم أبا العريس قائلاً : (( يا أبا فلان , الله يصبّحك بالخير . دَعَوتـَنا لمنزلك ((العامر وها نحن قد لبينا دعوتك فماذا تريد منا ؟
    فيجيبه أبو العريس : (( أهلاً وسهلاً بكم . شرفتونا والنوبة حلت البركة . بدنا نستـِّـر هالصبي ( ويعني بذلك أنه يريد أن يزوج ابنه ) . عقبال الأفراح عندكم جميعاً . والرجل لا يقدر على القيام بأمر ما بدون أهله . وأريد أن تمدّونا برأيكم ليتم هذا الشئ بمعرفتكم ورضاكم جميعاً . لأن الأفراح لا تتم إلا بأهلها ( ويشير بيده إلى الحضور ) ((وأنا بدونكم لا أقدر على شئ
    فيجيبه الحضور : (( كلنا قدَّامك وبخدمتك يا أبا فلان . وأنت صاحب الفضل على الجميع . وما يصعب عليك يهون علينا إن شاء الله )) . فيجيبهم : (( بارك الله فيكم . وإن شاء الله نكافيكم بيوم الأفراح عندكم ))
    فيسأله الشيخ : (( هل تريد أن تعمل عرساً كبيراً أم صغيراً ؟ )) فيجيبه : (( أنا تحت أمركم . ولكننا أنا وأمه مشتَهين ومتشوقين أن نقيم فرحةً كبيرة في ديارنا قبل موتنا )) . فيقول الحضور : (( نحن حاضرين والشر غايب ((إبشر بكل ما تتمنى وتريد
    ثم يسألونه هل يريد أن يدعو أحداً من القرى المجاورة . فإذا أجابهم بالإيجاب عيَّـنوا شخصين أو ثلاثة منهم لدعوة أهل القرى وأرسلوهم على الفور . ويعينون أيضاً يوماً لجلب الحطب والشيح , وموعد دعوة العرس العامة ؟ ويكلفون لجنة من أهل العريس مع والده لأخذ خاطر الحزانى في البلد . ومن العادات التي كانت جارية حينئذٍ أنه إذا توفي أحد من الأهالي أيام العرس , فعلى أهل العرس ان يقوموا يتعزيتهم ويشاركوهم في حزنهم . وعلى أهل المتوفى أن يوفدوا إلى بيت العريس من يشجعهم على المضيّ في عرسهم بقوله لهم : (( إن أفراحكم سبقت أحزاننا فالعريس ولدنا . والمتوفى ولدنا . فسيروا بأفراحكم على بركات الله . فهو يُتـَمِّمُها على خير وينجينا مما هو أعظم
    ويتعهد المشايخ بأن يحافظوا على الأمن والسكينة أثناء العرس ويحولوا دون وقوع مشاجرات بين شباب الحارات فكثيراً ما كان يحدث مثل هذه الخلافات لبعض الضغائن أو لترهات صبيانية لا أهمية لها
    وتنتهي الشورى ويصير وقت الغذاء فيمد السماط على الأرض في وسط الغرفة وعليه الطعام , وهو من البرغل المطبوخ بالسمن مع اللحم , ومن الكشك المصلّح باللحم والسمن , والأرز المطبوخ بالحليب , والبيض المقليّ ومعه الكشك المجبول , والزيتون والدبس والحلاوة الطحينية والجبن . فيتناول الحضور طعام الغداء ويشربون القهوة ثم يذهب كلٌ إلى أشغاله . ويذهب كل من المكلفين الدعوة لحضور العرس والأخذ بالخاطر وغير ذلك لقضاء العمل المفروض عليه
    وتذهب أيضاً أم العريس وأم العروس لأخذ خاطر النساء الحزينات , ودعوة بعض العيال إلى حضور العرس . ومن ذلك الوقت يأخذ الشباب في استعارة ألبسة العرس ممن يوجد لديه منها , وهم المتزوجون في السنة الفائتة أو التي قبلها . وتستعير الصبايا أيضاً (( المصاغ )) والألبسة اللازمة لهنَّ . وفي النهار نفسه تأتي النساء القريبات إلى بيت العريس . فيخبزن الخبز الضروري اللازم للعرس , وهو لا يقل عن أربعة أو خمسة أمداد من الطحين . ويساعدن أهل العرس على قضاء حاجاتهم , مُهَيئات زاداً لمن يذهب لجلب الحطب والشيح , مؤونة يوم كامل , وهي حلاوة من الطحين المحمص بالسمن مع الدبس . فيأتي الشبان بعد العشاء ويأخذون زادهم كل على انفراد
    جَلْب الشِّيْح
    يذهب الشباب بعد منتصف الليل إلى الجبال الشرقية حاملين بنادقهم خوفاً من غارات البدو عليهم أولاً , ثم لكي يستعملوها عند رجوعهم من الجبال بإقامة (( العراضة )) عند دخولهم البلد . ويرجعون عصر النهار التالي بالشيح والحطب فيسبق واحد منهم - بحملٍ منه ورافعاً علماً أبيض أو أحمر ويأخذه إلى بيت العروس . فتعطيه هذه طاقية من البياض المطرَّز بالحرير الأبيض تطريزا دقيقاً جميلاً قد امتاز به أهل النبك وجوارها , وهي مما يلبسه الشاب تحت الكوفية والعقال
    ويخبر الناس بقرب وصول (( الحطَّـابة والشيَّـاحة )) . فيخرج الخيَّـالة بخيلهم ورماحهم , والشبان بعراضاتهم يضربون الطبول , ويهزجون ويحدون حداء العرب , والنساء بزفتهنَّ يضربن الدف ويرقصن سحجاً ويزغردنَ ويسير الجميع بموكب حافل إلى خارج البلد لملاقاة الحطَّـابة . ويرجعون جميعاً بعراضة ولعب خيل وإطلاق البارود , حتى يبلغوا البلدة حيث تكون النساء على السطوح وفي النوافذ يزغردن ويرمين على الموكب القضامة والزبيب فعندما يصلون إلى دار العريس يدخلون الحطب والشيح إلى البيت , ويرسلون إلى بيت (( الشيخ )) أي المختار حملاً من الحطب وحملاً من الشيح
    ويرسل الخيالة خيلهم إلى بيوتهم ويلتحقون بباقي الشباب فيشاركونهم في الدبكة والرقص حتى الغروب
    حينئذٍ يقف واحد بباب الدار يمنع الناس من الخروج قبل العشاء . فيأكلون ويعودون إلى الدبكة والسحجة و )) التعليلة )) . وأخيراً ينصرف الشبان إلى المعاركة والمغالبة , بينما الرجال يستمرون على إنشاد المعنَّـى والزجل والعتابا حتى آخر الليل . ويكون هذا النهار موعد الحمام الأول للعروس , ويسمونه (( الحمام الكدَّابي )) وفي أثنائه ينصرف المكلفون أن يدعوا الأهالي جميعاً إلى حضور العرس , وقد قضوا مهمتهم . ويكلف أهل العرس لفيفاً من أقاربهم ليهتموا بتهيئة الطعام والقيام بخدمة المدعوين على المائدة في حفلات العرس . وهؤلاء يُطلق عليهم إسم (( ((الحوَّاسين
    وإذا اتفق أن أحد المسلمين أَقام عرسه في أيام الصيام عند المسيحيين فعليه أن يهيّئ لهم من المآكل ما لا يفسد عليهم صيامهم . وكذلك إذا اتفق عرس أحد المسيحيين في شهر رمضان فعلى صاحب العرس , أن يهيّئ طعام الفطور أي العشاء للمسلمين في وقته تماماً , أي عند المغرب , لكي لا يجعل لهم سبباً ليتخلفوا عن حضور العرس , ولئلا يبقى لأحد من أهالي البلدة عذر لعدم الإشتراك في الأفراح العامة . ذلك إنهم كانوا يعتبرون العرس ناقصاً إذا لم يشترك (فيه جميع أهل البلدة , ما عدا الحزانى ( أي الذين فقدوا قريباً أحد أقربائهم
    الذَبَاْئِح
    وفي اليوم التالي تصبح دار العريس شبيهة بمطعم , وبدارٍ للأفراح وللدبكة والرقص , وبمحل للألعاب الرياضية وتصير كعبة للأهالي يجب على كلٍّ منهم أن يؤمها ويعرض نفسه لمساعدة أهل العرس ومشاركتهم في أتعابهم كما يشاركهم في أفراحهم . ويستثنى من ذلك المتقدمون في السن من الوجهاء البعيدي النسب
    وعلى أهل العرس أن يجعلوه مستكمل الشروط حاوياً جميع أنواع الفرح موافقاً لأميال الجميع , مسلمين ومسيحيين رجالاً ونساءً , كباراً وصغاراً , ولا سيما إذا كانوا من الشيوخ أي المخاتير أو الأعيان أو الوجهاء المثرين
    فترى في دار العرس الفسيحة أناساً يرقصون , وغيرهم يدبكون , وآخرين يسحجون , وشباناً يتبارون في الألعاب الرياضية : مثل قذف الحجر , والنطّ , والمغالبة , ورفع الأثقال , وقذف البرتقال , وغيرها . وترى الصبيان يلعبون بالكعاب والجوز و (( الدحاحل )) أي الكرات , والبنات الصغار يلعبن بالخرز و (( الخشطبة )) الحصى وغيرها . وترى بين الشبان واحداً مشغولاً باختيار خطيبة له , وآخر يختبر صفات خطيبته , وغيره لا شغل له سوى الإنتقاد وملاحظة خطيبته أو شقيقته أو إبنة عمه أو إبنة خاله لئلا تفرط إحداهن في علاقاتها الحرة
    وترى هنا بائع البرتقال , وهناك بائع القضامة , وهنالك عطاراً وغيره من الباعة . حتى أنك لترى الأولاد الصغار يُعدُّون بالمئات يلعبون ألعاباً متنوعة في تلك الدار وفيما يجاورها
    وفي صباح هذا النهار تـُذبَح الذبائح في الدار نفسها , على إطلاق البارود و (( التراويد )) والزغاريد . ويهيأ الطعام عند أهل كلٍّ من العروسين . لأن النساء والبنات جميعاً يأكلن في بيت العروس ما عدا نساء وبنات أهل العريس وتذهب النساء اللواتي يدعوهن أهل العريس مع أمه وخالته وعمته إلى بيت العروس ليأخذنها مع الصبايا بناتهنَّ إلى الحمام الثاني (( الصحيح )) بإذنٍ من ذويها . وعندما يصل موكبهن إلى الحمام تقف إمرأة من أخصاء بيت العريس في مدخل الحمام حاملة الصابونة , فتعطي لكل واحدة منهن قطعة يبلغ وزنها نصف أوقية , وتعطي العروس أربع قطع تزن الواحدة أوقية . وعند الظهر يرِدُ الطعام إلى الحمام من بيت العريس ومن بيت العروس , لها ولكل من معها , مع أن كل واحدة من المستحمات تأتي بطعامها من بيت أهلها أو من بيت خطيبها
    :وتأخذ النساء والبنات في تحميم العروس ويغنين لها من هذه الأغاني
    شعرك طويل أحب النوم في ظلـُّه أحلف يمين الشتا والصيف ما حلُّـه
    راح أبوكِ إلى الباشا وبيَّـنله شعرة من البـِيْض تسوى عسكرك كلـُّه
    شعرك سناسل ذهب يحيّـر الولهان ما بين شعرة وشعرة ينبت الريحان
    يسلم أبوكِ بعزه هالرفيع الشان بَـيّ الأصيله عِـلِي شانه بكل زمان
    يا عروسه يا بيضه ويا غضه يا سمكة البحر تسبح في حوض فضه
    كم قدموا ناس إلى بيك ولم يرضى بالله اصلحوا بيننا لا عاشت البغضه
    يا عروسه ما احلى معانيكِ انتِ ذهب خاص جنس العيب ما فيكِ
    انتِ أصيله وكل الناس تشهد لك يا جنة الخلد نيال الحظي فيكِ
    يا عروسه ويا أم العيون السود يا بنت أمير العرب يال مالكيش وجود
    وان كان مررتي على بيك ويا عروس و يقول يامرحبا ها كل شي موجود
    بيضه وحمره وكرة مال حط لها والطير لو كان بأعلى الجو حط لها
    مهرة أخوك على كفي بنقلها دشرت شغلي وجيت اليوم اغسلها
    ورد العرايس عند العصر بيندّي يا بلبل الصبح عالأغصان بيهدي
    أحكيكِ يا نور العين ما تردي وحياة أبوك وأخوك تحفظي ودّي
    وتظل النساء يغنين لها من هذه الأغاني والأهازيج والزغاريد إلى أن يتم تحميمها
    الغَدَاْء
    عندما يقرب الظهر يتوارد الرجال والشبان أفواجاً إلى بيت العريس لتناول الغداء . فتستقبلهم أربع نساء يقفن قريباً من مدخل الدار , يزغردن ويغنين لكل من الداخلين أغنية توافق مقامه
    :فيغنين للمطران مثلاً
    أيـــــهــا قلوستك وزرّيــه أيـــــهــا وخاتمك وقيـــــه
    أيـــــهــا بنترجاك يا سيدنا أيـــــهــا تبارك عالرعيـه
    (لولولوليش ( وتعاد بعد كل من الأدوار التالية
    أيها سيدنا مبعوثَ لـيك مبعوثَ لـيـك أيـــــهــا وباعت البطرك يسلم عليك
    أيـــــهــا باعتلك بدله على طولك أيـــــهــا على طرافها صلبان تلبق عليك
    أيـــــهــا سيدنا لبقتلك البطركيه أيـــــهــا ما أحلى وقفتك بباب الملوكيه
    أيـــهــا ما أحلى وقفتك وقراية أناجيلك أيـــــهــا ياليت أمك جابت مثلك ميه
    :وإذا كان الداخل من الأئمة أو من مشايخ الطرق والرؤساء الروحيين من المسلمين فتقول المزغردات
    أيـــــهــا شيخ فلان يا شيخ البلادِ أيــهــا سيفك مسقط بوسط الحرب بينادي
    أيـــهــا كل المشايخ لأبو فلان تشهد له أيــهــا يا سور عكا حاوي جميع البلاد
    أيــهــا نحن بني جد والشيخ علي جدنا أيــهــا نحن قبب العالية مافي حدا يهدنا
    أيـهــا نحنا أسود الكاسره ما حدا يردنا أيــهــا نحن الشيوخ الحاكمه مافي حدا قدّنا
    أيــهــا شيخ فلان هالبلاد بلادك أيــهــا انت السمرمر و العدو جرادك
    أيــهــا ناديت لك يا شيخ الله ينصرك أيــهــا يا سبع حامي سهلتك وبلادك
    :وإذا كان من المخاتير المشايخ تقول له المزغردة
    أيهــا شيخ فلان جاك الحكم من استنبول أيها مع(قبَّـه جي)ترك مصرور في ورق مصقول
    أيها واللي بتدعي على عسكرك مكسور أيها تقبر صباها ولا يرحم لها مقبور
    :وإذا كان من مشايخ المسيحيين تقول له
    أيــهــا شيخ فلان ويا شيخ النصاره أيــهــا قبضة سيوفهم فضه كساره
    أيــهــا صيغ سيوفهم وأنعم عليهم أيــهــا هما مكسبك ما هم خسارة
    أيــهــا شيخ فلان يا سياجنا أيــهــا يا ناصب الميزان يا حقاني
    أيـهــا في غيابكم تبقى البلاد مخيفة أيـهــا في حضوركم تبقى البلاد بأمانِ
    :وإذا كان من موظفي الحكومة فتقول له
    أيــهــا فلان يا سبع السرايا أيــهــا دخلت الشام رَملت الصبايا
    أيــهــا سيفك هالطويل الله يديمه أيـهـا على رقاب العدا يهري المنايا
    :وإذا كان من أولاد المشايخ الشباب فتقول
    أيــهــا فلان وأخوه أيــهــا يا لولو لضموه
    أيــهــا ويا تمر عراقي أيــهــا ومن بغداد جلبوه
    :وإذا كان من الوجوه الأعيان تقول
    أيــهــا لمن هالباب الكبير العالي أيــهــا لأبو فلان دباح الحيالِ
    أيــهــا انت الذي فضلك علينا كلنا أيــهــا من يوم كنا بالقماط صغارِ
    وهكذا يغنين لكل من الشيوخ والشبان أو الحكام ما يليق به وما يعرفنهُ من هذه الأغاني . فمنها المديح ومنها فخر ومنها حماسة وتعديد مناقب صحيحة أو غير صحيحة , لكنها مجاملات يتبادلونها في مثل هذه الأوقات . فهذا سبع السرايا أو سبع الغاب , وذاك خيال الزرقاء أو الحمره , وفلان سيفه ورمحه مشرعان , والآخر كرَمه معروف وسفرته ممدودة ومنسفه كبير . فيدخل الزجل طروباً مترنِّحاً معتقداً بصحة ما قالت النساء عنه فيقول لهنَّ : (( يسلم تمَـكم ( أي يسلم فمكم ) . عقبال فرحة أولادكم والعزبان عندكم )) . ثم تدخل الغرفة التي يأكل فيها الرجال ثلاث نساء ويأخذن يغنين لهم من الأغاني المختصة بهذا الوقت , وهي ترحيب وتشجيع على الأكل وإظهار لكرم صاحب :العرس , كالأغاني التالية
    أيــهــا صحتين وصحَّـه أيــهــا وأربع عوافي معها
    أيــهــا واللي ما تقول لكم صحَّـه أيــهــا جوزها يدبحها لولولوليش
    أيــهــا سفرتنا يا ام الشراشيبي أيــهــا كلما نقصتي زيدي
    أيــهــا شوباش يا سفرتنا أيــهــا ما عليكِ إلاّ الأجاويدِ لولولوليش
    :ويمزجن الفكاهة بالترحيب فيقلنَ
    أيــهــا تقاتلت أنا وحماتي أيــهــا ضربتني في الوقية
    أيــهــا تغدوا يا جماعة أيــهــا ولا تسرقوا الزبديه لولولوليش
    أيــهــا أهلا وسهلا أيــهــا وبعينكم هالكحلا
    أيــهــا ويا نخله طويله أيــهــا في باب داركم هالاعلى لولولوليش
    ويكون الطعام حينئذٍ من البيض المقلي بالسمن . وقد صب عليه الكشك المجبول بالماء , وهو يشبه اللبن الخاثر ومن اليقطين المطبوخ باللحم المفروم والحمص والبصل وحامض السماق . ومن الارز بالدبس والأرز بالحليب والجبن والزيتون
    يتوارد الرجال زرافات زرافات إلى غرفة الطعام يأكلون مما بسط في وسطها على (( شراشف )) ( سُـمُـط ) . وإذا نفد نوع من الطعام أسرع أحد القائمين بالخدمة إلى تأمين حاجة الضيوف منه قائلاً : (( هاتوا أحمر )), فيبادروه بالأرز(( مطبوخاً بالدبس . وإذا نفذ القرع نادى قائلاً : (( هاتوا حامض )) . وإذا نفذ الأرز بالحليب هتف قائلاً هاتوا أبيض )) وهكذا إلى أن يتغدى الجمهور كله . وفي هذه الأثناء تكون الدبكات قائمة على قدمٍ وساق . ويشترك فيها الرجال والنساء والشباب والشابات , فرقاً تتبارى لتعزيز دبكتها أو رقصتها أو سحجتها
    مُلاَقَاْة الضِّيُوْف
    وبينما هم على ذلك يأتيهم من يخبرهم بأن أهل القرية الفلانية المدعوين جاؤوا إلى العرس . فتعلوا التراويد والزغاريد . ويخرج جميع من في الدار من رجالٍ ونساء لملاقاتهم إلى خارج البلدة , بعراضاتهم وزفـَّاتهم , يحدون الحداء الحماسي ويهزجون بالترحيب ويطلقون البارود ويلعبون على الخيل حتى يلتقوا مع عراضة الضيوف وزفتهم . فيرجعون بهم ويدعو كل من الرجال المستقبلين بعض الضيوف إلى بيته . ويأخذ منه عربوناً على ذلك منديلاً أو عباءَةً لئلا يخلف في وعده ويستضيف سواه . وينثنون أدراجهم إلى البلدة كما جاؤوا منها إلى أن يصلوا إلى بيت العريس . فيتركون الهدايا من السمن والحنطة وذبائح الغنم والماعز والحطب في بيت العريس , ويذهب كل منهم مع الذي (( استعرضه )) أي دعاه ليحل ضيفاً في بيته وينام عنده تخفيفاً عن بيت العريس . على أن طعام الجميع يكون من بيت العريس ظهراً ومساءً . وهكذا يستقبلون المدعوين من باقي القرى حين يحين وقت جلب العروس من الحمام
    جَلْب العَرُوْس مِنَ الحَمَّاْم
    كان الشبان يؤلفون عراضة ويذهبون إلى الحمام بعراضتهم هذه لجلب العروس . وحينئذٍ تكتسب الخطيبة صفة العروس الحقيقية لأنهم يلبسونها عندما تخرج من الحمام أزاراً أبيض ويحجبون وجهها بمنديل شفاف , وتمشي إلى جانبيها النساء وأمامهن الشبان بعراضتهم والبنات بزفتهنَّ , ويسيرون موكباً إلى دار العروس . فيرجع الشبان إلى دار العريس , وتدخل النساء والبنات مع العروس إلى دار أهلها , فيدبكن وهن ينشدن الأغاني التي توافق الدبكة الهادية
    مثل : قولون لـَـمْ السالف لغيرها ما وَالـَف
    أو : بدي حلو وبدي مُـرّ وبدي حامض لفاني
    أو : لموا العشيره واجمعوا الخلانِ يا نار قلبي والهوى رماني
    أو : يا أسمر اللونِ ليش الجفا يا عيوني
    وتعدّد واحدة منهنَّ على كل أغنية ما تحفظه من نظم الأدباء . وإذا كانت من اللواتي ينظمن فتنظم شيئاً قليلاً حتى :يسترحن , ثم يغيرن الدبكة إلى أخرى مستعجلة تدعو إلى الوثب والنط والحركة السريعة فيغنين عليها هكذا
    يا أم الحطة حطيتي بقليبي نار
    أو : ايش كلفك يا زين لوح الميجنا
    أو : ورد خد المحسنه من قلـّبه غير أنا
    أو : يا دوس عالبيدر يا شبيب يا مغندر
    أو : حليوه وين كنت اليوم عيونك شاردة للنوم
    :أو يَسْحَجُون فيغنون
    يا شايل الصندوق من قاعته ردوا على الصندوق صناعته
    أو : برهوم وايشلك عندنا حوران والنقره لنا
    أو : شايل السيف مع جوز الرداني
    أو : حنا الحروب وتريد الحروبيه
    أو : يا نجمة البراقه والقمر طل بساقه
    وعند ذلك يتسلل بعض الشبان ذوي النفوذ إلى ما بين النساء , هذا بحجةٍ تافهة وذاك بعذر واهٍ فيدبكون معهن خلسةً ويرجعون إلى بيت العريس . ويظلون على هذا المنوال حتى يتعشى رجال بيت العروس , وهم قلائل , فيكونون مثلاً عمها وخالها وأبناءهم وبعض الأنسباء والأخصاء . فتنصرف النساء والبنات إلى تناول عشائهن مع العروس ثم يدخلن وإياها إلى غرفة يؤلفون فيها (( تعليلة )) فيرقصن رقصاً عربياً , أزواجاً وأفراداً , ينتظرن مجئ بيت العريس بالحنَّـاء
    أما في بيت العريس فينصرف الشبان , بعضهم للدبكة والبعض الآخر للسَحْجة . ويأخذ المدعوون يتوافدون إلى بيت العريس ليتناولوا طعام العشاء . فتمد السُـمُـط ويُبسط عليها الطعام . فيتقدم الرؤساء الروحيون والضيوف والشيوخ والوجهاء إلى غرفة الطعام حيث تكون النساء مزغردات كما في أثناء الغداء . ثم يليهم الشبان والنساء والصبايا والأولاد . وأخيراً يصرخ رجل من أهل العريس بأعلى صوته قائلاً مرتين أو ثلاثاً : (( الذي باقي بلا عشاء ياهو يأتي للعشاء )) . ثم يعود ويصرخ مرتين أو أكثر : (( العيش يا جوعان )) . وعندما يفرغ الرجال من تناول طعامهم يجلسون فر غرفة خاصة بهم يشربون القهوة والدخان ويتجاذبون أطراف الحديث ويتذاكرون في إرسال الحنَّـاء إلى بيت العروس كالعادة , بينما الشبان يسترسلون في دبكاتهم ورقصاتهم إلى أن يُـعلن ميعاد إرسال الحنَّـاء
    أخذ الحناء
    ولا يكاد يُـعلن ذلك حتى يتجمع الشباب فرقاً , ينشدون التراويد , وتزغرد النساء ويعلو الضوضاء . ويدخل شاب إلى غرفة الرجال قائلاً : (( الذي يخف عليه يتفضل لأخذ الحنَّـاء للعروس معنا )) . فيذهب من يشاء من الرجال وتكون الحنَّـاء مجبولة موضوعة في وعاء نحاس , مزينة بالشموع والإجَّاص الملكي أو الشتوي . فيسيرون , وقد حملَت أمامهم المشاعل والأنوار , وفي مقدمتهم الضيوف ومشايخ البلد ووجهاؤها , وراءَهم الشباب بعراضاتهم يحدون ويهزجون . وتأتي النساء والبنات بعدهم بزفتهن , بينما المشايخ يحافظون على الأمن والسكينة خوفاً من وقوع حادثٍ بين الشباب . وعند وصولهم بقرب دار العروس يخف أهلها , رجالاً ونساء , لاستقبال موكب الحنَّـاء . بالزغاريد والترحيب . فتدخل النساء غرفة خاصة بهنّ والرجال غرفة أخرى كبيرة مختصة بهم . وتدار القهوة والشاي , ويقدم التبغ والتنباك . أما النساء فيحطن بالعروس ويغنين لها ويرقصن . وتجلس بقربها والدة العريس وعمته وخالته وتأخذ أم العريس منشدةً
    يا كـِنْـتِي يا كـِنـَّة الزينه سبحان الله هلِّـي وصلك لينا
    حلفت ما لبسك إلا حريرينا من عند عمك ان كان الشبر بألفينا
    ثم : طلت من القصر ريحة ندها فايح تشبه غزال الذي من مرقده رايح
    امرق على الورد لاقي الورد لك لايح يا صيت بيـِّـك و مثل العنبر فايح
    أو : أصابعك طوال والحِنَّـا عليهم عال يا اخت فلان يا لتسوي خزاين مال
    وحياة بيِّـك و هالينشاف فيه الحال يسوى لحكم القضاو كل شي بيحوى مال
    أو : يا عروسه ريتها مباركه الحنَّـا يا للي سبيتي الحواري الساكنه بالجنه
    يا للي سبيتي الحواري في بَهَا حسنك وجبين مثل البدر يا ناس جننا
    أو : نحنا بنات العرب ما نركب إلا خيل وسيوفنا مسقطه و كمامنا للديل
    عدوّ بيك يدق بوابنا بالليل نُـرمّل حريمه ندوسه في نعال الخيل
    أو : يا عروسه ويا تفاح مليسي أنا جلبتك من أرض الشام على كيسي
    نرداً عليَّ وان جلست مجاليسي لنقطك بالذهب ليفرغ الكيسِ
    أو : بنت الأكابر و يا بنت الاجاويدِ عا باب بيك الخدامين وعبيدِ
    من شان عينك تراني اليوم فرحانه وكرمال بيِّـك لحنِّـيك أنا بإيدي
    أو : ياما مشينا ورا الكحله ومشَّـينا ياما مشينا ودق النعل باجرينا
    ياما مشينا ورا بـَيِّـك ويوعدنا هذه الاكابر بيصبح وعدهم دينا
    وغير ذلك من الأغاني المختصة بوقت الحناء . وتظل نساء بيت العريس يغنين مقدار ساعة من الزمن , وهن جالسات إلى جانبها , بينما باقي النساء والبنات يدبكن بين الشباب في صحن الدار وهذه ساعة يغتنمها الشبان والبنات فيدبكون معاً مغنين هكذا
    مكسب هالساعة مكسب واكسبوها يا شباب
    حتى يستلم الرجال بدلات العريس وطقم الحمام مع قطعة من الصابون المطيب تقدمه العروس إلى العريس ولفائف الحنَّـاء . ويرجع موكب بيت العريس كما جاء بعراضاته وزفـَّاته إلى البيت
    حِنَّاْء العَرِيْس الكِدَّاْبِيَّة
    بعد وصول الموكب إلى بيت العريس بقليل يجتمع الشبان حول العريس , حاملين الحنَّاء المجبولة وشموع العريس ومروّدين , بينما النساء يزغردن . ويتقدمون مع العريس إلى أوجه ضيف من الضيوف , مبالغة في إكرامه واعتباره . فيأخذ الضيف من الحناء بقدر الجوزة بين أصابعه , ويضعها في كف العريس ويطبقها عليها ويلفها بمنديل لفَّـاً سطحياً قائلاً : (( الله يتممها على خير )) . فيتحولون عنه إلى الضيوف الباقين , فإلى رجال البلد بحسب وجاهتهم , فإلى الشبان ذوي المكانة بينهم أو الذين هم من غير حيهم . وترى حينئذ جميع الذين في الغرفة فرَقاً )) يروّدون )) وهذه حفلة الحنَّـاء (( الكدَّابية )) , أي الرمزية
    وكانوا يعتبرون هذه المراسيم واجبة ضرورية جدَّاً لا بد منها لإرضاء الناس كلهم . لأن الحناء الحقيقية تتأخر إلى ما بعد حمام العريس . وإذا اتفق أن يهملوا تقديم العريس بين يدي واحد من الحضور الوجهاء في البلد , فإنه يخرج من العرس حالاً غاضباً ناقماً , ويضطر أهل العرس إلى مراضاته . ففي الغد يذهب العريس مصطحباً معه وفداً من الوجوه إلى بيت الغاضب ليستعطف خاطره , ويرجعون به بعراضة فخمة جداً . ويعملون ذلك لئلا يشوب العرس أي شائبة . وهكذا في كل من مراسيم العرس
    حَمَّاْم العَرِيْس
    بعد برهة قليلة يرسل بيت العريس وفداً يدعو من يريد من رجال العروس للاستحمام مع العريس . ثم يأخذه الشباب في موكب حافل بالعراضات والحداءالحماسي المشبع بالافتخار والأهازيج الحربية المملوءة تهديداً ووعيداً كما سيأتي بيانه
    وهي منقولة عن عربان البادية أو عن جبل الدروز والبعض من نظمهم . فيبدأون هكذا
    سيروا على ما قدَّر الله والكاتـبـه ربك يصير
    و ان هوَّن الله ندبحه ونُــفـخت طبول الوزير
    يــا نازلاً تل الكتيبة يا شين قول لي وايش بلاك
    خايف على روحك تروح و حريمتك تقعد بلاك
    يا قاعداً و الشر عالق والكون دشرته وراك
    يا أم الوحيد إبكي عليه و الموت ما شيّـم حدا
    وان كان ما بكيتي عليه لا بد ما تبكي غدا
    يا شمَّر بيعوا خيلكم جتكم شلافنا ورِماح
    ردوا البيارق عاليمين وخدوا الاعادي بالصياح
    يا راعي الشلف العريض خدلك عمود وخلّـها
    شلـفـاتـنـا دق العجم و مخضبة بدمها
    من شافها ما قدر ينام كل النهار بهمها
    يا حارضاً سوق المنايا عيباً على اللي ما يبيع
    و العز بظهور السبايا والعمر عند الله وديع
    يا فيصل ربعك ضيَّـعوك واسري على ضو القمر
    لو تعتلم باللي خدوك لبَّاسة الجوخ الحمَـر
    يا حبسه حنا ما درينا والعذر يا عيون المها
    حنا على الباشا غزينا ومن أجلكِ عفنا الحيا
    ياما حلى ركب الخيول يا ما حلى هدب سيول
    يا ما حلى لا ترحلوا يا ما حلى جاكم نذير
    لذلك كان يرافقهم المشايخ إلى الحمام خوفاً من وقوع مشاجرة يؤدي إليها ما يكون بين الشبان من ضغائن وأحقاد سابقة تتولد من أهازيجهم وحدائهم لإيقاظها . وكثيراً ما كان يحدث من المشاجرات بالرغم ممَّـا يبذله المشايخ والرجال العقلاء من جهد لحفظ السكينة والسلام
    ولا يكادون يدخلون الحمام حتى يتسابق الشبان إلى غسل العريس وتنظيفه . ويقدم أوانئذٍ أولاد المشايخ والوجهاء البرتقال للعريس وللشبان أيضاً , تأييداً لزعامتهم وإظهاراً لكرمهم وحفاوتهم بالعريس . وحينما ينتهي الشبان من غسل العريس والإستحمام يحمل أحد أولاد المشايخ الدف ويقف بمدخل الحمام . وأول من يتقدم إليه العريس يضع له في الدف (( زهراوي )) أو نصفه أو ربعه بحسب حالته الماديَّـة
    وكذلك الشبان , يضع كل منهم ما تسمح به نفسه من النقود الرائجة . فهذا يدفع قرشاً وذاك نصفه , وذاك ربعه حتى يدفع كل من اغتسل . ويكون ذلك مثل (( نقوط )) للحمام لا دخل به بالأجرة . لأن العريس يكون مستأجراً الحمام (( من بابه )) كما يقولون , لاستحمام العروس وموكبها والعريس وموكبه , بمقدار ريال أو ريالين مجيديين نقداً , يقدم معها سريجتين أو ثلاث من التبن للوقيد
    ثم يبرحون الحمام بعراضاتهم إلى الدار فيستقبلهم أهلها بالزغاريد والأهازيج , وحالاً تـُمَد السُـمُط ويبسط عليها الطعام . فيأكلون ويستريحون قليلاً , ثمَّ يعلنون حنَّـاء العريس الصحيحة
    حِنَّاْء العَرِيْس الصَّحِيْحَة
    يجتمع الشباب وهم يرددون ويهزجون . وتأتي النساء مزغردات , تتقدمهن والدة العريس وأخواته وعماته وخالاته وأقرباؤه . فيأخذون يغنون له الأغاني المختصَّـة بحناء العريس
    :مثل هذه
    يا عريساً ومد الكف وتحنَّى وحياة عميرك ولا تجرح حدا منا
    وحياة عميري وما بجرح حدا منكم يا سيف بَـيّي على رقاب العدى غنَّـى
    فعندما تذكر المغنية إسم أبيه تزغرد النساء جميعهن : لولولوليش
    ويأخذ الشباب يرددون مع النساء ما يغنين به , والمغنية تكرر اللازمة وتقول بدلاً من (( سيف بيّي )) (( سيف عمي )) و (( سيف خالي )) و(( سيف أبو فلان )) و (( سيف الشيخ فلان )) على رقاب العدا غنَّـى . ثم يبدلون :اللازمة بغيرها فتقول المغنية
    يا عريساً ويا دباح الحيالِ وامرق بخيلك على وردٍ وريحانِ
    امرق بخيلك عا راس العين واسقيها وان كان مافي عليق بيَّـك بيكفيها
    ويأخذ الشباب يرددون اللازمة كما في المرة الأولى , والمغنية تعدد الشطر الأخير وتقول (( عمك بيكفيها )) و )) خالك بيكفيها )) و (( الشيخ فلان وأبو فلان بيكفيها )) حتى يذكروا جميع الأقارب والأصحاب والوجهاء الغائبين :والحاضرين . ثم يستبدلون اللازمة بهذه
    إيش هالكفوف اللي تليق لها الحنا وإيش هالعيون الغزال ما تستحي منا
    سنّ سيفك يا فلان واتكنى لا عاش عدوَّك ولا مال القريب منا
    ويذكرون أسماء الذين أشرنا إليهم من الأقارب والأصحاب والمحبين وغيرهم , حتى تتم حناء العريس
    فيأخذ الشبان أيضاً الحناء وحينئذ يُـعرَف الشبان الذين يكونون مثل شباب العريس وحاشيته . فالذي يتحنى منهم فهو من الحاشية ويسمونه (( عزام )) . والعزام هو الذي يتزين في صباح اليوم الثاني ويوكل إليه مع رفقائه أمر دعوة الأهالي إلى حضور حفلة الحلاقة والتلبيسة والغداء والعشاء وجلب العروس . وعلى (( العزامين )) أيضاً أن يحافظوا على العريس مخافة أن يختطفه الذين لا يتحنون ولا يتزينون . وهؤلاء يطلق عليهم إسم ((البرشان)) ( جميع أبرش ). وهم لا يزالون يحاولون اختطافه في الفترة التي تمتد من انتهاء الحنَّـاء إلى أن يلبس بدلة العرس فيمتنع عنهم اختطافه ويتاح لهم أن يخطفوا عقاله فقط . فإذا تمكنوا من خطف العريس أو عقاله لا يرجعونه إلا مقابل ذبيحة أو هدية أو ما يقابل ثمن الذبيحة . ويظل هذا الأمر متاحاً لهم حتى دخوله على عروسه . وكثيراً ما كانوا يتمكنون من اختطاف عقاله فيضطر شباب العريس إلى افتدائه بما ذكر . ولذلك يفرض على العزامين أن لا يفارقوا عريسهم بتةً وأن يناموا حوله متلاصقين في تلك الليلة
    حِنَّاْء العَرُوْس
    بينما يكون العريس وشبابه في الحمام تهتم النساء والبنات بحناء العروس . فتجتمع البنات حولها ويأخذن يربطن أصابعها بخيطان من القطن , أو يرسمن على يديها وروداً و (( عروقاً )) ورسوماً بديعة بمذوِّب الشمع العسلي , لكي يحنِّـيها فوق هذه الرسوم . فإذا زالوا عن يديها هذه الرسوم تظهر الحناء بديعة جداً . ويغنين لها الأغاني :المختصة بحنائها كهذه
    أصابعك طوال والحنّا عليهم عال يا أخت فلان يا لتسوي خزاين مال
    وحياة بيك وهالينشاف فيه الحال يسوى لحكم القضا ولكل مافي رجال
    :وإذا كانت العروس سمراء تقول المغنية
    ما أحلى السمر لو وقفوا بباب الدار والنقش في كفكِ غنى بيوت شعار
    هاتوا اللبن والعسل لنقطع الاسعار لحسة من العسل تسوى من اللبن قنطار
    ما قال السمر نحن حسننا فينا سود الحواجب مع العينين يكفينا
    نحن خواتك يا فلان غلِّـينا يا تعس من باعنا يا سعد شارينا
    ما قال السمر نحن الخوخ في عناقه يا ريقنا السكري يا سعد من داقه
    قولوا لجوز الشنيعة يبرّد خلاقه قولوا لجوز المليحة سبحان خلاَّقه
    قالت السمر نحن خوختين بعود والشب اللي يرانا ما يجيه قعود
    وحياة ذاك النبي هل بالسما موجود والسمر حلوين لو كانوا عبيد وسود
    ما قال البن للتتن إيش بك معاديني لا إنت من ثقلي ولانَك من موازيني
    روح يا تتن يابو الدخاخيني أنا أنا البنّ مشروب السلاطينِ
    ويغنينَ لها من هذه الأغاني ومما يوافق المقام حتى تتمّ حنَّـاؤها . وتتحنى البنات كلهن والنساء والصبايا حتى اللواتي لم يبقَ فيهنّ شئ من الفتوَّة يتحنين ويحملن معهن حنَّـاء لأولادهن الصغار . ولا يزلن على ذلك حتى آخر الليل . فتذهب النساء إلى بيوتهن ويظل أكثر البنات حول العروس , وينمن معها في غرفة واحدة إلى الصباح
    يوم الهوج والموج
    في صباح اليوم التالي تذبح الذبائح على أصوات التراويد و (( ضج )) البارود والزغاريد . ويأتي شبان العريس بعد ما يتزينون ويلبسون أحسن ما لديهم أو يستعيرونه من أقربائهم وأصحابهم . وكان المسيحيون في تلك الأيام يعيِّـنون للإكليل يوم الأحد . فبعد ما تُـذبح الذبائح يأخذون العريس إلى الكنيسة بلباسه الذي يختاره رثـَّـاً عتيقاً (كان العريس قبل مباشرته العرس يلبس أعتق ما عنده من الألبسة وهو يبغي بذلك أن يظهر بألبسة العرس أكثر بهجة وأناقة ) ثم توافيه العروس بموكبها . وبعد القداس يعقد لهما الكاهن الإكليل . ويرجع العريس إلى بيته مع الشبان , والعروس إلى بيتها مع البنات
    (( العَزَّامِيْن ))
    ينقسم شباب العريس فرقاً يسمونها (( عزَّامين أو عزَّامة )) ( نسبة إلى العزيمة , وهي في لغة العوام بمعنى الدعوة أو الوليمة ) , لدعوة أهل الحارات وجميع سكان البلدة إلى الغداء , وحلاقة العريس وإلباسه لباس العرس وجلب الفرشات , وتصويل الرز , وجلب العروس
    دَعْوَة أَهْل الحَاْرَاْت
    فعندما تدخل فرقة منهم أحد البيوت تدعو أهله إلى ما ذُكِر , فيقدم لهم أهل البيت شيئاً من الزبيب والجوز والتين والبرتقال والإجَّاص أو غيره مما يوجد لديهم , فيمسي منها مع كل واحد من (( العزَّامين )) كمية غير يسيرة
    وفي هذه الأثناء يجلسون العريس على منصة عالية في صدر الغرفة . ويقف حوله أربعة أو خمسة من الشبان حاملين السيوف والقامات والعصي يحافظون عليه
    هذا و(( التعليلة )) قائمة و الناس يتواردون ليهنئوا العريس بالحناء . وبعد (( التـَّعْلِيلـَة )) يعقد الشبان والرجال معاً في صحن الدار دبكة حافلة . فيجلس المشايخ والضيوف والوجهاء والأعيان في محل مرتفع (( يتفرجون )) على هذه الدبكة العامرة . ويقف القوَّالون والأدباء في وسط الحلقة , فيتبارون وينظمون الزجل بداهة ً , وكل منهم يفتخر بنفسه ونـَظْمِه ويأتي بأحسن ما عنده من النظم
    ومن لوازم هذه الدبكة الهدوء والسكينة , ليتمكن الحضور من سماع الأدباء وتفهم أقوالهم والإصغاء إلى براعتهم وفنهم . فتراهم يبدأون بمديح الضيوف والمشايخ والوجهاء , ويأخذون في الاطناب بكرم صاحب العرس والعريس والدعاء لله بحفظهما وتهنئة العروسين وما شابه ذلك . ثم يشرعون في الأغاني الفكاهية والنكات , فيمازحون بعضهم بعضاً ويلقي أحدهم على الآخر أحاجي و ألغازاً يسمونها (( على المرصود ))
    والناس يهرعون إلى حضور هذه الدبكة النادرة للتفرج ولسماع تلك الأقوال التي لا يزالون يذكرون بعضها حتى الآن . فيقولون : قد قال فلان كذا , وقال فلان كذا , وأجابه فلان كذا ( مثال ذلك أنهم يذكرون عن شاب كان من القوالين البارعين جدَّاً , وكان قد ورث القول عن أبيه . فاتفق له أن اجتمع هو وأبوه في دبكة واحدة . فأخذا ينظمان :وكانت اللازمة هكذا
    حوّل يا نجم الهادي حوّل وان كان لك راده ( أي إرادة )
    هوى الأسمر جنَّـني وسكنّـي بغير بلادي
    :فقال الشاب ملتفتاً إلى أبيه
    اهتزي يا أرض اهتزي حتى شوف كيفي وعزي
    أنا رضَّعتك من بزي ومشيتك دادي دادي
    :وبعدما رد الناس اللازمة صرخ الوالد ملتفتاً إلى القوم وقال
    هالأديب من اين جابوه يخرب بيت اللي ربُّـوه
    جحا أكبر من أبوه وأنا أصغر مولادي ( أي من أولادي )
    فسر الناس وابتهجوا . ويذكرون أيضاً عن أديب مشهور كان قد أُصيب منذ خمسين سنة بوجع في يده . فبعد أن عالج نفسه بما كان شائعاً من وصفات وعقاقير عجائزية بسيطة بدون جدوى , قصد الشام ونزل ضيفاً على شريكه في التجارة . وكان شريكه من ذوي المكانة وله فيها صديقان طبيبان يزورانه كل صباح فيشربان القهوة والنارجيلة كما كانت العادة المألوفة بينهم , وهما الدكتور إبراهيم مشاقه والدكتور تانبل بيك . فلما رأياه على هذه الحال أخذ الإثنان يطببانه بقدر ما كانا يعرفان . ومرت على ذلك برهة طويلة , من 40 إلى 50 يوماً , بدون أن يرى العليل شيئاً من النجاح والتحسّن , فحزن ويَئِس وترك الدار مساء يوم أحد وذهب يفرّج عن نفسه في مكان يُـدعى )) الصوفانية )) , حيث كان شبان القلمون أهل النبك ويبرود وديرعطيه وقاره ومعلولا يجتمعون ويقيمون دبكة في مساء الآحاد والأعياد . وكان يومئذٍ عيد الخضر فأخذ يدبك معهم وقال
    لولا مشاقه وتنبل بيك ما كان صار بإيدي هيك
    بدي أحرق بوهاد وهاد وبكره بكّـر على فنديك ( وهو الدكتور فنديك في بيروت )
    :فردد الشباب اللازمة . وأعادوها وكررها مرتين أو ثلاثاً وقال
    لولا تنبل ومشاقه ما اتعوقت هالعاقه
    الحكمه بدها لباقة ماهي شغل تراب وكريك
    ثم قال : هلـِّي يا دموعي وزيدي من اللي عطلوا إيدي
    خضر الأخضر يا سيدي تشفيني أنا بين إيديك
    وأخذ يعد عليها مثل هذه الأقوال حتى آخر الدبكة . وفي اليوم التالي أو الذي بعده جاء الدكتوران كعادتهما صباحاً إلى بيت مضيفه , وهما عالمان بما نظم وقال في حقهما . وأخذا يعاتبانه على ما جرى منه . فأجابهما على الفور إنني قلت هكذا
    لولا هيك وهيك وهيك ما كان صار بإيدي هيك
    أنا داخل على مشاقه وواقع على تنبل بيك
    فضحكا وسـُرّا من ظرفه ونكتته البديهية , وهكذا كانوا يقيمون الدبكات في الأعراس والأفراح , وأحياناً في الأعياد ويهتمون بها وبانتظامها ويتلذذون بسماعها وحضورها )
    وبعد هنيهة تعود فرق العزامين إلى دار العريس . فيلاقيهم الأدباء بالترحيب والمدح والتحميس , نظماً على اللازمة التي يكونون بادئين بها مثل
    يا دار منلـِّـك هالجود قالت من ابا وجدود
    دام الله عزك يا دار كل شي لِـكْ يبقى موجود
    أو : دهري و عمري فيَّ خان بعد أن كنت أقنص غزلان
    بعت الباز و قلبي جاز وعفت الضيعة و السكان
    أو : وان كان زرعك ماحل عليش تريد رواحل
    خيَّـك ما خلاش مطرح داريها جرد وساحل
    أو : يا صايد الأحجالِ من صوت حبي جالي
    يا مـدقـدق الدرعـانِ كاس المرار اسقاني
    أو : يا راوي فصِّل وقيس تفصيلك ما ظن يخيس
    و اللي قوله ما بيعجب كيفما باع بيبيع رخيص
    أو : هيهات دهري والزمان يعودا لعنّ عنات الوتر عالعودا
    هيهات دهري والزمان يداني لعنّ عنّ وتار العيدانِ
    يا حسرتي كيف قصروا ميداني ركبوا المهاراوركبوني العوده
    مرصود دهر العالم كله راح كرمك صحّ لعصر الراح
    بلا نقط لولا صلح أولاد الكار ما العالم للعامل راح
    أو : باب ببوّاب ببابين بقفل بمفاتيح جداد
    باب ببوّاب ببابين بعنتر عبس بشدادين
    بشدادين بعنتر عبس بعبسين بعنتر شداد
    أو : شربت البحر ونشفته ومشيت بأرضه حافي
    بحلف يمين ما شفته ولا بلبل روس شفافي
    أو : الخصر بيمرق من الدملج ما بيحمل ثقل الزنار
    يا رفاقي لمّـن بيموج أسرع من بابور النار
    أو : داري زمانك داري الدنيا بدها مداريها
    لا بد الزمان يعود الميّ تجري بمجاريها
    أو يا ريمة اللي بأول الغزلانِ ترعى النفل والعشب والريحانِ
    أو : بدي خد و بدي ند وبدي ورد استنبولي
    ومن غير هذه (( اللازمات )) . فيأخذ (( العزامين )) يقدمون للأدباء مما جمعوه من البيوت . فيستمر الأدباء على مديحهم تارةً وتحميسهم أخرى . وأحياناً يخصصون أناساً منهم بأسمائهم ويعددون مناقبهم ويتمنون لهم الخير , وإن يحظى كل من العزامين العزَّب بعروس تليق به . وإذا كان متزوجاً (( يطعمه الله صبي )) . وإذا كان له حماة غير متفق معها فيدعون لله بقصف عمرها . وتكون تمنياتهم وأدعيتهم كلها ضمن دائرة نظمهم الزجلي بداهةً , ليقدم كل واحد شيئاً كما ذكرنا . والذي لا يعطيهم يقشِّبونه ويهجونه ويصمونه بتهم ما أنزل الله بها من سلطان , ويغلظون له القول ويسخرون منه كثيراً . وقلَّ من يسلم من شرّهم ما لم يعطيهم شيئاً مما معه . فيقولون للذي يعطيهم على هذه :اللازمة
    يال متلبِّـس يال عزَّام يال قايس حالك بالخيط
    يال متلبِّس يال عزَّام ريته يسلم هالهندام
    وين ال ما فت مكرّم ويصير لك في البلد صيت
    تكون مكرّم ومعزَّز وعن قريب بتتجوَّز
    وفي حياتك تتلذَّذ وتشبع تزيين وتمشيط
    :وإذا تردد أحد العزّامين في العطاء أو تمنع فيقولون له
    يال متلبّس يال عزَّام تضربلك في هالهندام
    وفلان بده حمام دربُه دغري على قليط
    فلان حمام بدُّه يجعله يلحق جدُّه
    عالفطيسة لهدُّه وياكل تشليخ وتمعيط
    ( قليط نهر بدمشق تصب فيه مجاريرها القذرة وكل أوساخها )
    .وهكذا حتى يأخذوا من جميع العزّامين
    حِلاَقَة العَرِيْس
    وتدور هذه الدبكة مقدار ساعتين أو ثلاث , إلى أن يحين أوان حلاقة العريس . فيروّد الشباب , ويطلقون البارود إعلاناً لحلاقة العريس , وتزغرد النساء . ويرسلون وفداً إلى بيت العروس ويدعون البنات إلى الحفلة . ويجلبون المناشف . فيجلسونه على كرسي أو مقعد عالٍ أقاموه في فسحة الدار , وحوله الشباب والرجال والنساء ينقرون على الدف ويرقصون أمامه . ويشرع الحلاق في حلق ذقنه . فيأتي والده مع والدته وهي (( مزنرة )) ( متمنطقة ) فوق منديلها , وهذه عندهم علامة منتهى الفرح . فيرقصان أمامه . ثم يرقص أخوته وعماته وخالاته وجميع أقربائه و أنسبائه من رجال ونساء , كأن ذلك فرضٌ واجبٌ عليهم أو كأنه نذر ليس لهم مناص من وفائه . ولا يزالون إلى الآن , عندما يسقي شاب رجلاً أو امرأةً يقول له الشارب : (( إن شاء الله اسقيك وانت مصمود )) , أو (( وانت بتحلق )) , أو (( أرقص بيوم عرسك ))
    :ثم يأتي وفد من بنات أهل العروس يزغردن للعريس ويغنين له مثل هذه الأغاني
    يا عريساً تحت فيّ الجوز حلقولك وأولاد عمك على الشهبا يشدوا لك
    لبَّـسوك فروة السمور على طولَك من عند بيك وما راحوا استعاروا لك
    وبينما الحلاق يحلق له تزغرد البنات والنساء ويرمين عليه الجوز والزبيب والتين والقضامة , وأحياناً الملبس والشبان كذلك يتبارون في رشق البرتقال على الجمهور إكراماً للعريس
    ظلَّ هذا حتى أواخر القرن الغابـِر . فأبدلوه بما يلي : يأتي الشاب حاملاً عشرين أو ثلاثين برتقالة , أو منديلاً مملوءَاً من الملبس وفستق العبيد والبندق والقضامة الملبسة وما يشبه ذلك من النقول . فيفرغه على (( صدر )) أي طبق نحاسي كبير موضوع داخل الحلقة لهذه الغاية
    وتأتي النساء كذلك ويضعن ما يحملن من (( النقل )) أو (( النقولات )) عليه . وأخيراً يوزّعون ما جُـمع على الحضور . ويظل البنات والنساء والشباب يرقصون بالسيوف أمام العريس حتى ينتهي الحلاق من عمله . فيعطونه أجرته ويتحفونه بطاقية من طواقي العريس (( إكرامية )) له
    جَلْب الفَرْشَاْت
    بعد ذلك يذهب الرجال والشبان بعراضاتهم والنساء بزفَّـتهنّ إلى بيت العروس . فتقدَّم لهم القهوة والشاي والإكرام وبعدما يجلسون قليلاً يستلمون الفرشات ويُـحمِّـلونها على ظهور الجمال أو البغال المزينة بالأجراس والبنود و (( الطرر )) المشكلة , ويرجعون بها إلى بيت العريس كما جاؤوا . ويكون أهل العريس قد هيَّأوا الغداء , فيدخل الناس إلى غرفة الطعام ويتناولونه كما وصفنا قبلاً ثم يرجعون إلى الدبكة أو إلى السحجة و التعليلة , والرجال المتقدمون في السن يعودون إلى غرفتهم ليشربوا القهوة والدخان حتى ينتهي جميع من في العرس من تناول الطعام , فيعلنون حلول ميعاد إلباس العريس ويعيِّـنون المحل المعدّ لإلباسه : في بيت عمه أو خاله أو أحد أقاربه الوجهاء المثرين وذوي المكانة الرفيعة بينهم
    إِلْبَاس العَرِيْس
    يأخذون العريس بعراضة فخمة و (( زفة )) عامرة إلى المحل المعين فيستقبلهم أهله رجالاً ونساءً بالترحيب والزغاريد . ويجلس الرجال في غرفة من الدار يشربون القهوة والشاي , ويدخل العريس إلى غرفة ثانية مع بضعة شبان من أصحابه الأخِصَّاء وبعض النساء الكاملات للغناء إكراماً للعريس . فيلبسونه بدلة العرس على صوت التراويد والزغاريد . وهي سروال من الجوخ الكحلي أو الأزرق ذو تكة حريرية حمراء أو خضراء ذات (( طرر )) مطرزة بالخيوط الفضية والذهبية , وصدرية مخرَّجة بالحرير , وعليها (( زرَد )) من الفضة معلقة به أزرار من الفضة المزركشة بحجم حبة البندق , و (( كبران )) من الجوخ , وكبُّـوْد مُـفتـَّكْ , وكوفيَّـة حريرية , وعقال على رأسه ويزنرونه بشالة عجمية أو بزنار حريري . ويلبسونه الأجربة العجمية . ويضعون في زناره خنجراً هذه البدلة كان يحصل عليها الرجل مرَّة واحدة في حياته , ويطول عمرها كثيراً حتى تبقى محفوظة لأيام شيخوخته ولا يلبسها الشاب إلا مدة عرسه وفي أيام الأعراس وبعض أيام أخرى تدعو إليها الضرورة . وأما الأجربة فكانت غير معروفة عند الكثيرين منهم . وقد سمعت من شاب في الثلاثين من عمره أنه سمع من جده أنه لم يلبس الأجربة بحياته إلا مرة واحدة , يوم عرسه فقط
    وأحيانا كانوا يلبسونه طربوشاً مغربياً ذا طرة غليظة زرقاء . يلقون فوقه شملة حريرية مقصبة ويلبسونه جزمة حمراء ذات طرة زرقاء أو صرماية حمراء
    تَصْوِيْل الأَرُز
    ثم يركبونه فرساً . ويقف شبان العريس حوله وإلى جانبيه حاملين السيوف والقامات يحافظون عليه , والعراضات والزفات قائمة أمامه ووراءه , وصوت البارود يدوي فيملأ الفضاء , والخيـَّالة تلعب بالرماح والسيوف على ظهور خيلها , والنساء يزغردن سائرات ويسحجن وراءهم
    وبعضهن يحمل أطباق الأرز على رؤوسهن إلى النهر الجاري خارج البلدة بجانب الغفري . فيشرعن في تصويله أي غسيله , بينما الخيالة يلعبون بالجريد وحَـمَـلة البواريد ينصبون هدفاً يسمونه (( نيشان )) ويتبارون في إصابته بالرصاص على بعد مئة متر
    والشبان يدبكون والبنات يسحجن متعاقبات . فمتى تم تصويل الأرز يأخذ الخيالة حظهم من لعب الخيل والجريد والبواردية من إصابة النيشان . ثم يعودون أدراجهم ويطوفون في شوارع البلدة كما جاؤوا . فتلقي عليهم النساء من النوافذ والسطوح القضامة والزبيب إلخ فيصلون إلى دار العريس قبل الغياب , فيواصلون هناك الدبكة والسحجة :والرقص . ويكون أهل بيت العروس قد شرعوا في تزيين العروس وتجميلها على النحو الآتي
    تزيين العروس وتجميلها
    للتجميل والتزيين نساءٌ معروفات في البلدة تُسمَّى الواحدة منهنّ مُـعَدِّلـَة , ويسمون التجميل تعديلاً . فيدعون مزينةً أو اثنتين فتأخذان العروس إلى دار قريبة من دار أهلها , ومعها من صويحباتها ثلاث أو أربع حاملات جميع ما يلزم من أدوات الزينة والبهرجة والتبرج والتجميل المألوف في ذلك الوقت . ويأخذن فوق الحاجة من الحلي و(( المصاغ )) النسائي من عند أهل العروس ومن البنات الموجودات في العرس , لأن ذلك مباح لهن فلا يمانع فيه أحد
    فيطلين وجهها بالأبيض ( الأسبيداج ) , وخديها وذقنها وشفتيها بالأحمر , بمقدار زائد عن المألوف . ويضعنَ قطعاً مستديرة من الورق المقصَّـب في منتصف الأحمر , وينقـّطْن نقطاً سوداء حول هذه القطع المقصبة . ويضعن من هذه النقط السوداء أيضاً صفـَّاً أو صفـَّين متحاذيين ممَّـا بين الحاجبين إلى آخر الجبين الأعلى . ويرشُـشْن على وجهها من مسحوق ذهبي لمَّـاع بَـرَّاق يسمونه (( بهرجان )) . ويعصبن أعلى جبينها بعصبة بيضاء عُـلقت بها رباعي ذهبية صفـَّـاً على عرض الجبين . وفوقها شلمة حريرية مقصَّـبة سوداء أو خمرية اللون , مناط في وسطها (( الناطور )) فتغطي هذه العصبة البيضاء ما عدا (( كناراً )) منها رفيعاً عُـلـِّق فيه الرباعي . ويلبسنها الحلق المشنشل بالغوازي مرفوعاً إلى الرأس بسلسلة , كما ذكرنا
    ويلبسنها القراني الذهبية والكردان والصنوبرة , ويضعن على رأسها إكليلاً من الورود الصناعية , وفي وسطه ريشة أو ريشتان من الريش المخصوص بالعرايس . وفي أواخر القرن الغابر عُـرف عند الأهالي (( الشَـكـَـلْ )) فصاروا يُلبـِسُون العروس شكلًين أو ثلاثة , ويلبسونها الأساور في يديها والخلخال في رجليها , والخزام في أنفها وعدة خواتم في يديها , وزناراً أو زنارين من الفضة . ويهيئنها (( للصمدة )) أي الجلوة . وتذهب النساء والبنات لتناول العشاء ويرجعن وكلهن شوق إلى الجلوة
    جلوة العروس
    تُجْـلِس النساء العروس على صندوق مرتفع عالٍ في صدر أكبر غرفة من دار أبيها , أو من دار أحد جيرانهم إذا كانت دار أبيها صغيرة . ويقف عن جانبيها بنتان تُسَميَّان (( إشبينات )) تحمل كل واحدة منهن شمعة طويلة تضئ على وجه العروس . وتأخذ النساء يغنين لها الأغاني المختصة بالجلوة كما يلي
    أيــهـا جلستك يا عروسه جلسة البنَّـا والنقش في كفتك زقفتله غنَّـى (صفقت له)
    أيــهـا حط القدم عالقَـدَمْ ما سمعت له رنه يا ريت بطن الحملك مسكنه الجنه
    : لولولوليش وتعاد بعد كل من الأدوار التالية
    أيــهـا نحنـا البنيـات نحن فـلفـل غالـي مكتوب عاجبينا ما ناخذ نذالِ
    أيــهـا ما ناخذ إلا الشجاع صاحب الناموس والنذل ما ناخذه لو زادنا مال
    أيــهـا يا عريساً و لا تندم على المالِ حواجب عروستك كأنها هلال
    أيــهـا حواجب عروستك قوسين محنيَّه تسوى أهل حارتك نسوان ورجالِ
    أيــهـا بيضه و حمرا وتفرط حب رمانِ والنقش في كفك أرنب و غزلانِ
    أيــهـا وحياة بيِّـك لا تشربي بفنجانِ إلا بكاس الذهب منقوش سلطاني
    أيــهـا نحن البنيات ما هو نقدنا هيِّـن ما نلبس إلا الحرير الاطلس الليّن
    أيــهـا نحن لمَّــا نلبـس و نتـزين نخلي شباب العزب يرهن ويتدين
    أيــهـا ياما مشينا ورا الكحلا و مشّينا ياما مشينا ودق النعل برجلينا
    أيــهـا ياما مشينا ورا بيك ويوعدنا وعد الأكابر بيصبح عندهم دينا
    من هنا يبدأن بالغناء على المردود . وكلما ذكر أحد من أقرباء العروس تزغرد النساء
    الله يحيي بلادك الربتك يا زين شوف كيف رماك الهوى من بلادكم لوين
    ان كان مررتِ على بيك ويا عروس و يقول بالله اقعُديلك عندنا يومين
    يـا عروسـه ما أحلـى معانيـكِ انـتِ ذهـب خـاص جنـس العيب مافيكِ
    انـتِ أصيلـه وكـل الناس تشـهدلـك يــا جنـة الخلـد نيَّــال الحظـي فيـكِ
    شـعرك طـويـل احـب النوم في ظله احـلـف يمـيـن الشتـا والصيف ما حله
    راح أبـوكِ إلـى الباشـا وبيـن لــه شـعـرة مـن البـِيْـض تسـوى عسـكرك كله
    تدللـتِ و يــا بنـت الدلالِ تـدلـلـتِ و مــا أخـذتِ نــدالِ
    تدلـلـتِ واخـذتِ مثـل بيِّـــكْ و يــا لـولـو مـع المـرجـان غـالـي
    جلستـك يا عروسـة جلسة السـتـَّات يا يوسف الحسن إلُـه ( له ) في خدك غمزات
    ناسـاً يقولـوا قتل ناسـاً يقولوا مات و ناسـاً يقولـوا قطع جـسر الحديد وفـات
    يا لواقفة عالجـلي والسيـف يجليكِ سـألـت رب السـما العـالـي يهنيـكِ
    وسألت رب السمـــا يحفظ لنا أبيكِ يـنـصـر رجـالـه عـلـى قـومٍ تعاديــكِ
    يا تركمان على المنهل وكيف راحوا ترعى المراعي و عند السر ما باحوا
    كرمـال أبوكِ أنا لصيـر فلاحـه والحق ضعون الأصايل وين ما راحوا
    يا زارع الورد بالاحواض يا عايق لمن زرعته على خدك طلع رايق
    يابو عيون الشهل والمبسم الشايق فيَّـقتني عالجهـل مـا كـنـت أنـا فايـق
    وتأخذ معظم نساء البلدة يتواردن زرافات زرافات لرؤية العروس والتمتع بنظرتها , كأن هذا الأمر واجب مقدس لا يجوز أن تـُحرم منه واحدة من النساء كبيرة كانت أم صغيرة . وعلى كلٍّ منهن أن تقوم به ولو تجشمت في سبيله كثيراً من التعب والعناء . ولا يخشَيْن في ذلك لومة لائم . فترى الإمرأة , ولها من العمر ما يزيد عن الستين سنة والسبعين أيضاً , حاملة بإحدى يديها عكازة وبالثانية فانوسها , حانية ظهرها آتية من شرقي البلاد إلى غربيها , وأحياناً كثيرة تحت المطر والثلج , لكي تقوم بهذا الأمر المقدس . وخوفاً من أن يفوتها هذا المنظر أو (( الفرجة )) كما يسمونها , تدخل الواحدة مع رفيقاتها , وإذا كان بينهنَّ من يحسن الغناء فتزاحم الناس حتى تصل إلى قرب :العروس , فتغنـِّي لها هكذا
    يا سـمكة البحر امشي وتقــّلي رجلكْ امشـي شـويه وشـويه لا يبـان حجـلكْ
    وان سألتِ عن الأكابر انظري اهلكْ انـتِ اصيلـه و كل النـاس تشـهدلكْ
    يا سـت فلانـه ويـا ام العيـون السـود يا بنت امير العرب يَالْ مالكيش وجود
    وان مـررتِ علـى بيـك ويـا عروس ويقول يا مـرحبا ها كـل شـي مـوجـود
    ( مالكيش وجود أي ليس لك مثال )
    وتأخذ تعدد : وان مررت على بيِّك , وعلى أخوكِ , وعلى عمك , وخالك , وفلان الخ وكلما ذكرت اسماً من هؤلاء تزغرد النساء الواقفات حولها . وهكذا يأتي غيرها وتغني لها ما تجود به قريحتها قائلة
    يا ورد يـا ورد عالأغصـان ميــالِ أيـش هالثريـا تلالي في سما العالي
    خصرك رقيق وشوفوا ماانسبه للميل عاشان بيك وميلي يـا ضنى حالـي
    يا عروسـة و يـا نجمـة غـراره اذا رحلتي ومن يضوي على الحاره
    وان مـررتِ علـى بيـك اســتعرضكِ واصبح جهازك على الدربين سياره
    :وتأتي غيرها وتقول
    يـا عروسـة ويـا جبنـة بتتعصَّـرْ ويا صحن قشطة مرشوش فوقها سكر
    والـلي معـه مـال ياخذ مثلكِ واكثر والْ ما معه مـال عا حسـنك بيتحسَّـرْ
    شـيلي رويسـك ويا مرفوعة الراسِ لا عيـب فيـكِ ومهمـا قالـت النـاسِ
    شـيلي رويسـك الـى بيـك وقولي لـُه نـحن ذهـب خاص واما غيرنا نحاسِ
    ولا يمر على هذا قليلٌ حتى تمتلئ الغرفة من النساء والبنات من أهل العروس والمتفرجات إلى درجة لا يكاد يصدقها العقل فقد يكثر الازدحام في مثل هذه الليلة حتى يضيق معها جو الغرفة بالهواء الضروري لتنفس تلك الجموع
    فلا تلبث السرُج والمصابيح التي يستنيرون بها أن تنطفئ لقلة الأوكسجين الذي استهلكته مئات الصدور الزافرة في هذه الغرفة مهما كبرت . فإذا أقامت واحدة منهنَّ مقدار دقيقتين داخل الغرفة تخرج والعرق يتصبب منها بغزارة لأنك إذا دنوت إلى بابها لا تجد فراغاً يسع واحدة , وترى البخار والروائح الكريهة خارجة كأنها من مدخنة
    وكذلك في بيت العريس يتوارد الناس عند المساء للعشاء وللنقوط . فيقف رجلان بجانب باب غرفة الطعام يحملان بيديهما صينية نحاسية كبيرة . فيتعشى الرجل ويدفع زهراوياً أو نصفه ويخرج . وهكذا يفعل كل من في العرس حتى ينتهي العشاء . وكذلك يفعلون في بيت العروس . وهذا النقوط يأخذه أبو العريس . وكذلك نقوط بيت العروس لأبيها . ويسمونه نقوط العرس . وكثيراً ما كان يبلغ نقوط بيت العريس الثلاثة والأربعة آلاف قرش
    ثم يجتمع الشبان في غرفة العريس ويقومون بتعليلة حافلة جدَّاً . وعندما تبلغ الساعة الثالثة بعد الغروب يأخذ العريس شابَّـين من أكثر رفقائه وفاءً له ويذهب خلسةً إلى بيت العروس حيث يراها من الباب وهي )) مصمودة )) واقفة على المنصة . ويقوم بواجب عليه وهو أن (( يستكثر بخير )) بيت حميه ويقبِّل رأس حماته ويشكرها , ويرجع أدراجه إلى ما بين الشباب . حينئذٍ يعلنون جلب العروس . فتروّد الشباب وتزغرد النساء ويتهيأون للذهاب
    جَلْب العَرُوْس
    تتقدم العراضات وجهاء القوم مع الضيوف والمشايخ , والمشاعل أمامهم , إلى بيت العروس . ويدخلون إلى غرفة الرجال بأبهة وافتخار . وتدخل النساء إلى غرفة العروس يغنين لها أغاني الجلوة . ويجلونها على السيف فيضعونها على حده شموعاً عسلية صغيرة , وتمسك بطرفيه الاشبينتان , وتأخذ نساء بيت العريس يغنين لها الأغاني الآتية :على نغمها الخاص
    تمايلي بنـت السـخا و الجود أهلك كبار وبُسطهم ممدودِه
    الله يـديملـنـا ابـوك بظـهرنا حتى تظلّ ظهورنا مشـدودِه
    عراضة
    ويأخذن يكررن الله يديم لنا أخوك , وعمك , وخالك , وفلان , وأبو فلان , إلخ , والنساء تردد اللازمة وتزغرد :كلما ذكر اسم أحد المذكورين . وتتحول المغنية إلى غيرها فتقول
    يا عروسـه بالنبـي المصطفـى دبّلي عيونك ولا تعطي قفا
    وان مررتِ على ابوك يا عروس يدبحلك ميتين كبـش معلفـا
    :ويكررن أيضاً وان مررت على أخوك , وعمك , وخالك إلخ . ويتحولن إلى غيرها . فتقول المغنية
    قالوا المغنيّه اهلك حـديـديّــه
    يا ورد ما حلَّك قطافك على نـيَّــه
    يا مرحبا طلـوا مـن الجردينِ سود اللحى ومبرشمين الخيل
    يا مرحبا لو كـان أبــوكِ معهـم يشـبه امير بخدمته عابديـنِ
    :ويفعلن كما سبق وينتقلن إلى أغنية أخرى فتقول المغنية
    في نصّ هالحارة تربة غزيّلي والخد أحمر والعيون كحيِّلي
    ما قلـت لـك بحيـاة بيـك ميّـلي لنصف هالبستان ارعي وقيِّـلي
    ثم : كيف بجليك ويا لعلوعتي يا شعاع الشمس يا ضو القمر
    كيف اجليك وبـيِّك ما حضر يواجه الحكام ويعطينا أمر
    :وأخيراً يقلن
    نخّ الجمل قومي انزلي يا نايفه والخيل تعبت والمناصب واقفة
    قالت ما بنزل ولا اعلى الجمل حتى يجي بيي كبير الطايفه
    وتأخذ تعد : حتى يجي عمي , وخالي , وفلان كبير الطايفه
    وتأخذ العروس في البكاء منذ ابتداء الجلوة . وبعض النساء يضربن الأرض بأرجلهنَّ ضرباً مضبوطاً يوافق هذا النغم . والبعض منهن يصفـّقن بايديهنّ يرددن اللازمة . والعروس تتمايل كالغصن وهنَّ يعددن مناقبها ومناقب أهلها :من كرم وجاه وعز قائلات
    يا واقفة بالجـلـي و السيف يجـلـيـكِ سـألت رب السـما العالـي يهنيـكِ
    وسـألـت رب السـما يحـفـظ لنـا بيـك و ينصر رجاله على قومٍ تعاديـكِ
    خصـرك رقيّـق تلوَّى يا عريق الآس والعين سـوده طويلة والشـعر بسـباس
    وان كان مررتِ على بيك استعراضك و يقول هذا غزالي عاد لي يا نـاس
    يـا زهـر يـا زهر فوق النهر يا غالـي يا زهـر عالـي علينـا و الثمن غالي
    ما قال خيِّــك ونحـن سـباع في غابـه نحـن سـباع و مـا نخشى سوى العالي
    ( هذا قيل لعروس اسمها زهرة والناظم أخوها )
    خشـف النظرته يا خشفه بأول العـان والتـم خاتم ذهـب و شـفاف مرجانِ
    وحيـاة خيـك يـا خشـفه و التعزّينـه لنصـب لكِ بالفلا شـادر و صيـوانِ
    ( وهذا قيل لعروس اسمها خشفه والناظم أخوها )
    حسنك ضناني ويـا حسـنا دخيـل الله ودخيل عيسـى معه موسـى كليم الله
    بالله يـا نـاس قولــوا كلكــم قـولـوا يا عنق حسـنا انـا حوَّطتـه بالله
    ( وهذا قبل لعروس اسمها حسنا والناظم واحد )
    إيـش هالثريـا ال تلالي في سـما عالي شـبه القمر لو اعتلى ابن ثمن ليـالِ
    يا خصر فلانه شوفوا ما انسـبه للميـل عاشـان بيك تميلي يا ضنى حـالي
    ورده و ورده وضمَّــة ورد عاشـفافك يا طول حبل المرَس شعرك على كتافك
    وان مررتـي علـى بيـك و يا عروس طقطق فناجين العجم حين الذي شـافك
    ( وهذا نظمه المذكور أعلاه لابنة خاله واسمها وردة )
    ايش هالعـروس بنـت قوم الخيريـنِ مشـمره و تومـي بـاليميـنِ
    قـالـت للضعـون اظعـن لـيـمــي و اهلـي عالضيـوف معوديـن
    لا تبكـي يـا نـور العيـن لا تبكـي مانك غريبه و لا بيِّـك مغربك
    أنا لضمك لصدري و انتحب و ابكـي و اقول فرقة بنيتي يا ما اصعبكِ
    ( هذا تغنيه ام العروس عند بكائها )
    :وإذا كان للعروس أخ شماس فيقولون له
    يا عروسـه و يا أخـت الشــماميــسِ و الدير يرهج و تندق النواقيـسِ
    والديـر يرهـج إلـى خـيِّــك وفوتاته وان شـا الله بعد مدَّه يصير قسـيسِ
    هذا والشباب يدبكون في صحن الدار ويسحجون , والرجال يشربون القهوة والشاي ويدخنون التبغ والتنباك . وبعد ما يرتاحون قليلاً يطرحون أمر أخذ العروس على بساط البحث , ويأخذون في الفكاهة والمزاح . فيضعون أمام أهل العريس العراقيل والمعجزات . ويشترطون عليهم شروطاً شديدة ما أنزل الله بها من سلطان . ويطلبون منهم أعمالاً غير ممكنة كما في يوم الخطبة حتى يحرجوا موقفهم . فيبعث الله لهم من يحل هذا المشكل بطريقة وهمية أو بوعد واهٍ , فيُسمح لهم بالعروس . فيطلبون من والدها تنزيلها عن عرشها المزعوم . فيكل الأمر إلى أخيها الأكبر أو عمها , فينزلها هذا وهي تبكي . وهنا يعترض (( الحواط )) أي خادم البلدة الواقف في باب الغرفة منعاً لدخول أحد الشبان إليها . فلا يدعهم يخرجون بالعروس حتى يعطوه حقه . فيأتي واحد من قبل بيت العريس وينقده زهراوي أو اثنين ويأتون بها إلى الغرفة حيث أبوها مع الرجال فتودّعه مقبلة يديه , وأيدي والدتها وأخوتها وأَخواتها , وأيدي أعمامها وأخوالها , وهي تنتحب لفراقهم . وأخيراً يلبسونها الإِزار ويركبونها متن الفرس مطهمة . ويضعون عليها فوق الازار عباءة سعدونيَّـة أو فروة (( بكدليَّـة )) خوفاً عليها من البرد والهواء , لأنها خارجة من تلك الغرفة المزدحمة حيث تبلغ درجة الحرارة حداً عالياً جداً , بعد ما أَقام فيها هذا الحشد على الحالة التي ذكرنا نحو ثلاث أو أربع ساعات , والنساء حولها كالبنيان المرصوص , لا يقل عددهن عن المئتي نسمة أو أكثر . ويضع أهل العروس على أكتافها (( الخلعة )) , وهي قطعة من القماش الحريري أو الجوخ أو ما شابه , وهي هدية أهلها لها . وأحياناً يهدي إليها بيت عمها وبيت خالها أو غيرهم من الأنسباء تحفاً أخرى . ثم يقود الحوَّاط الفرس وعليها العروس , وتسير :الرجال والعراضات والزفَّات حولها . فالرجال بحدائهم والشبان بأهازيجهم يقولون
    يخلف عليكم كثر الله خيركم إنتوا المناصب ما مناصب غيركم
    يخلف عليكم كثر الله خيركم إانتوا الأكارم ما أكارم غيركـم
    يخلف عليكم كثر الله خيركم إنتوا الأفاضل ما أفاضل غيركم
    يخلف عليكم كثر الله خيركم أنتوا السخايا ما سخايا غيركم
    :والنساء يسحجن ويهزجن قائلات
    جبنا العروس وجينا تسـلم يـا أفندينا
    جبنا العروس وجينا خلـُّوا العريس يلاقينا
    جبنا العروس وجينا من يقدر يحكـِّينا
    جبنا العروس وجينا ويا دل اللي يعادينا
    جبنا العروس وجينا كل الناس تهنينا
    جبنا العروس وجينا بالسـيف و بالسكينة
    جبنا العروس وجينا يا فرحة أهالينا
    جبنا العروس وجينا لو طقّت أعادينا
    جبنا العروس وجينا والعريـس مسـتنِّـينا
    جبنا العروس وجينا والشـباب بتـحمينا
    جبنا العروس وجينا هالغاليه الثمينه
    جبنا العروس وجينا يسلم لي سواد عينا
    جبنا العروس وجينا تسلم العروس لينا
    وهكذا يقتربون من دار العريس فيخرج العريس منها في موكبه ينتظر موكب العروس بفروغ صبر خارجاً عن باب الدار , لكي لا تدخل العروس عليه (( فتكبسه )) , وهم يتشاءَمون من دخولها عليه . وعندما تصل إلى باب الدار يعطونها قطعة من الخميرة وهي لا تزال راكبة , فتلصقها على قوس باب الدار وتدخل ويدخل العريس وراءَها مع موكبه . وينزلونها عن الفرس فتأتي والدة العريس ومعها أربعة أو خمسة أرغفة من الخبز وتفتـّها فوق رأس العروس وترميها بالفتات . ثم يعطونها قطعة أخرى من الخميرة فتلصقها بقوة باب الغرفة المعدة لها . وهذا رمز إلى اختمار العروس في بيت حميها . ويدخلونها إلى الغرفة وظهرها إلى الباب تمشي القهقرى , ليكون دخولها على قفاها رمزاً إلى أنها لا تترك هذه الدار إلا وهي على قفاها أي بالموت
    والشباب بسلاحهم , والبنات يدبكن على دق الطبول منذ 15 سنة
    ويدخل معها إثنتان من ذويها لأجل إرجاع الحلي المستعارة إلى أصحابها وخلع ألبستها عنها
    ثم يدخلون العريس عليها ويتركونها . وبعد برهة يخرج العريس إلى أهله وبيده منديل ملوّث بالدم . فيطلقون حالاً طلقاً نارياً في الفضاء , إشارة إلى صيانة بكارة العروس وشرفها وحصانتها ومحافظتها على تلك الجوهرة الثمينة التي تكللها بالفخر والشرف والمكانة السامية والحياة السعيدة في بيت حميها . وأحياناً كانت حماتها تأخذ المنديل المذكور وترقص به . وينتهي الأمر ويذهب كل إلى بيته داعياً للعروسين بالهناء والرفاهة والبنين
    يَوْم القَاْضِي
    وفي الغد الذي يلي (( الدخلة )) تأتي إلى العروس واحدة أو اثنتان من أهلها باكراً جدَّاً فتعيد زينتها , وتصلح ما اختلّ من بياض وحمرة , وتلبسها الألبسة المصطلح عليها . ويصطحبها عريسها إلى عند والديه . فيقبلان أيديهما فيستقبلهما الوالدان ببشاشة وفرح ويباركان لهما ثم يجلسانهما على مقعدين عاليين في صدر الغرفة
    ويقوم حولهما شبان العريس حاملين السيوف يحافظون على العقال . ويتوارد الرجال والشبان ليقوموا بواجب المباركة , فتمتلئ الغرفة وتغص الدار بالناس . فترى بعضاً يرقصون وآخرين يدبكون وغيرهم يسحجون
    و (( التعليلة )) في غرفة العروسين قائمة على قدم وساق . فيدخل الشخص إليها فيقف له العروسان . ويتقدم إليهما قائلاً للعريس (( مباركه العروس )) , وللعروس (( مبارك بيتكِ )) فيجيبه العريس : (( بارك الله فيك , عقبال ((فرحتك
    والعروس تخجل ويكللها الحياء فلا تنبس ببنت شفة بل تطرق بنظرها إلى الأرض وهي ساكتة . فيجلس المبارِك بين الحضور يشاركهم في التعليلة مصفقاً بيديه ينتظر دعوته للرقص
    والشاب الذي يبارك للعروسين يسقط حقه من خطف العقال . والذي لا يتقدم من العروسين ولا يبارك لهما يبقى حقَّـه في خطف العقال محفوظاً إلى مساء هذا النهار
    إنما على هذا الشاب , بعدما يدخل ويقف له العروسان ولا يبارك لهما , أن يشير إليهما بالجلوس دلالة على أنه لم يتنازل بعدُ عن حقه في خطف العقال . وهكذا حتى يأتي من يخبر الشباب بأن فلاناً تبرع بإهداء ذبيحة للعريس
    جَلْب الذَبَاْئِح
    فيهب أكثر الشباب وقسمٌ من البنات في موكب حافل , بالحداء وإطلاق البارود والسحج والنط والقفز والهزج , إلى بيت المتبرع , يتقدمهم فريق من الرجال الشيوخ . فتقدّم لهم القهوة هناك . وبعد قليل يعودون بالذبيحة أو بثمنها إلى بيت العريس شاكرين . وهذه الذبيحة تكون إمَّا ديناً عليه لبيت العريس من زمن عرسه أو عرس أحد أولاده , أو تكون سلفةً جديدة ديناً له على المهدى إليه . ولا يلبثون حتى يذهبوا إلى بيت مهدٍ ثانٍ وثالث ورابع إلخ معيدين العمل نفسه ويظلون على هذا حتى الظهر
    غَدَاْء العَرُوْس
    يرسل أهل العروس طعام الغداء للعروسين إلى بيت العريس على طبق نحاسي كبير يسمونه (( صدر )) , تحمله إمرأة على رأسها وعليه الطعام . وهو من أقراص الكبة المقلية بالسمن , ومن الكبة بالكشك , ومن عجة البيض واللبن والدبس والزيتون والجبن والحلاوة الطحينية والأرز بالحليب والبرتقال والعنب المحفوظ والإجاص وغيرها فيوضع هذا الصدر على كرسي في غرفة العروسين . فيأكلان منه هما وبعض أخصائهما . ويمد أهل العريس سماطاً في غرفة ثانية , وعليه من مآكل العروس البائتة . فيتناول الحضور طعام الغداء ويعودون إلى جلب الذبائح والتعليلة أو الدبكة
    القاضي
    وفي عصر النهار ينبري الشبان (( البُـرشانْ )) فيلبسون واحداً منهم ألبسة رثة مستجلبة للنظر ومدعاةً للضحك ويطلون وجهه بالطحين , ويضعون على رأسه لبَّـادة غريبة الشكل يربطون في أعلاها ذنب هر أو ثعلب كأنها تاج له , ويضعون بيده عصا في رأسها مكنسة عتيقة حاسبينها صولجاناً , ويشدّون وسطه بمنطقة يتدلى منها عظم ساق جمل كأنه سيفه البتار , ويغرزون في زناره عظماً آخر كأنه خنجر , ويجلسونه على سلم كأنه عرشه , ويضعون إلى جانبه صحناً مملوءَاً طحيناً , وبيده قصبة جوفاء مملوءة من هذا الطحين . ويقف إلى جانبه خمسة أو ستة شبان تزيَّـوا بمثل زيّه وقد طَـلوا وجوههم بناعم الفحم وقاموا ينادون به قاضي عدل وحاكماً للبلد يتقاضى لديه أصحاب الحقوق فينصفهم
    ويكون القوم قد تجمعوا هنالك بالمئات , وبينهم العروسان يتفرجان . فيأتي إليه أحد البرشان بحذاء عتيق يقدمه له لاصقاً نعله بوجه القاضي . فيأخذه هذا ويقرأ فيه بصوتٍ عالٍ ضبط الدعوة المرفوعة على الشيخ فلان ( وهو موجود بين الناس ) بأنه قطع الطريق وسَطـَا على النـََّوَر وشلـَّحهم وأساء إليهم . فيهجم عليه (( الزبانية )) المذكورون ويأتون به أمام القاضي بعد ما يشبعونه ضرباً ولكماً . وبعد الأخذ والرد ينفخ القاضي مافي القصبة على المدعى عليه ويحكم عليه بالحبس أسبوعاً كاملاً , وأن يـُجلـَد مئة جلدة أمام الحضور . فيأخذه الزبانية لتنفيذ الحكم فيه . فيأتي واحد منهم , وله دالة لدى القاضي , متوسلا ً إليه أن يبدل حكم الضرب بالجزاء النقدي . فيغضب القاضي ويرغي ويزبد في أول الأمر , ويتمنَّع ويتردد بكبرياء وصلـَف , بحركات غريبة مثيرة للضحك . ثم بعد الإلحاح في الرجاء وتقبيل الأذيال يسمح له بدفع غازي عن الضرب وريال عن الحبس . فيدفع هذا زهراوي أو ربع مجيدي صاغراً شاكراً للقاضي عفوه عنه ورحمته إليه
    ثم يتحوَّلون إلى غيره من الحضور , يحاكمونهم ويفرضون عليهم الغرامات حتى يأتوا على آخرهم . وإذا غاب أحد من الوجهاء الموسرين أرسلوا إليه من يتولى جلبه بالقوة إلى حضرة القاضي ليحاكمه بجرم ما أنزل الله به من سلطان . فيجلبونه أو يأخذون منه غرامةً ما تطيب بها نفوسهم . وكثيراً ما كان القاضي ينزل عن عرشه ويركض نحو العروسين بحركة غريبة ويقعد بجانب العروس ويمد يده إلى يدها أو إلى ذقنها , ويطلب منها أن تترك عريسها وتلتحق به بحركات هزلية , ويقدم لها براهين مضحكة . فتهجم عليه صديقات العروس باللكم والضرب والبوابيج على رأسه وذقنه فيرجع هارباً منهن إلى مقره السابق . ويظلون على هذا الحال حتى المساء إذ يصبح لديهم مبلغ من المال يبتاعون به خروفاً أو خروفين وسمنا وأرزاً يعدّون بها طعاماً يتناوله الشبان في الغد
    ويكون أهل العريس قد أعدوا طعاماً من كروش وأمعاء وأكارع ورؤوس الذبائح التي ذُبحت للعرس , ومن الكبة أيضاً , فيتناول الحاضرون طعام العشاء . ثم يتحوّلون إلى غرفة يُجلسون في صدرها العروسين على منصتهما وينيرون أمامهما شمعتين كبيرتين علاوة على ما في الغرفة من السرُج العديدة . فيرقصون ويغنون حتى يأتي أهل العروس في موكب حافل يحمل جهاز العروس وفي مقدمة هذا الموكب أبو العروس وذووه وأقرباؤه . فتخرج العروس إلى باب الدار تحمل بيدها شمعة وتخف لاستقبالهم . ويدخلون معاً ويقيمون سحجة في صحن الدار تفتتحها العروس نفسها , على أن تبقى الشمعة شاعلة بيدها حتى انتهاء السحجة . ثم يتلوها البنات والنساء و حاملات الجهاز يسحجن وهو على رؤوسهن . ويدخل الموكب بعد ذلك إلى الغرفة فيقيمون فيها (( تعليلة )) عامرة يرقصون ويطربون . ثم يكلفون العروسين فيرقصان معاً ويرجعان إلى مكانهما
    فتـُعلـَن حينئذٍ حفلة نقوط العروس المخصوص بها ( النقوط كلمة مصطلح عليها في هذه البلاد وهي الهدية التي يهديها الصديق والنسيب والقريب للعروس ) , الذي لها أن تتصرف به كيفما تشاء
    وهي من أنواع المساعدة للعريس والمجاملة للعروس . وكانت في ذلك الوقت فرضاً واجباً مقدساً لا يجوز لأحد أن يهمله , بل كان يحق للعريس أن يطالب به من كان مديوناً له بنقوط سابق . فيتقدم الحضور كلّ بهديَّـته , التي تصبح دَيناً على العريس أو وفاءً لهدية سبق فأهداها . لأن هذا سلفة ووفاء
    نُقُوْط العَرُوس
    بعد انتهاء رقصة العروسين تقف إمرأة تحسن إعلان النقوط في وسط الغرفة . فيعطيها أبو العريس قطعة من الدراهم بحسب حالته الماديَّة . فتأخذها بينَ أصابعها وترفع يدها وتقول : (( خلف الله عليك يا أبو العريس ويديمك وهذه ليرة عثمانية ( أو نصف ليرة , أو غازي , أو ريال مجيدي ) نقوط للعروس محبة بلحية أبوها )) . فتزغرد النساء كلهن إكراماً للحية أبيها . ثم تعيد : (( خلف الله عليك إلخ وهذا محبة بلحية عمها , وخالها , وأقربائها فرداً ((فرداً
    والنساء يزغردن عند ذكر إسم كل واحد ممن جاءَ ذكرهم . ثم يعطيها قطعة ثانية من النقود ويقول لها : (( هذه من والدة العريس )) . فتصرخ كما فعلت سابقاً : (( خلف الله عليكِ ويا أم العريس ويكثر خيرك إلخ . وهذا محبة بلحية ((أو شارب أبوها أو أخوها أو فلان إلخ
    وإذا كان ميتاً منذ زمن بعيد فتقول (( محبة بلحية فلان في البلي )) . ثم يأتي العريس , وبعده أخوته وأخواته حتى الصغار منهم . وكلما ذكروا واحداً من الأقارب تزغرد النساء . وإذا كان المنقـِّط جمـَّالاً مثلاً فتقول : (( محبة بكل الجمـَّالة , أو بكل من قاد الجمل )) . وإذا كان فلاحاً قالت : (( محبة بلحية كل من ساق الفدان وفلح )) . وإذا كان نجاراً أو حداداً أو شابّاً فتقول : ((محبة بكل الشباب )) . وهلمَّ جرّاً حتى تأتي على جميع أفراد عائلة العريس . ثم تبتدئ بأبي العروس , فيعطيها عنه أولاً وعن أفراد العائلة أيضاً , فتفعل كما فعلت لأبي العريس و عائلته وأكثر ثم تأخذ من الحضور , الواحد تلو الآخر , تقدمة (( نقوطهم )) للعروس على النمط المتقدم ذكره . وأخيراً يسلّمون النقوط إلى العروس فتحتفظ به لنفسها بعد ما يكونون قد عرفوا قدره على وجه التقريب . ثم ينصرف القوم ما عدا الشبان الذين يلازمون العريس إلى أبعد حد من الليل . ويقصدون بذلك منعه من اللحاق بعروسه , فيضايقونه ولا يمكنونه من أن يقدم لهم من النقولات والضيافة المختصة بهذه الليلة ويسمونها (( الكحـَّيْـلـَة )) . فيأخذ الشبان يغنون :وينشدون هكذا
    ما بدنــا نـروح الليلة حتى ناكل كُـحَّـيْـلَه
    وان كان ما بطـَّعمينـا حرام تنام الليلة
    وان كان مـا بطعمينا وتجيب حتى تكفينا
    بيت العروس مسـكَّر خليك معنا هالليله
    خلـّيك معنـا نتســلى وبعدين نعود نتحلّى
    و الليـل كلـه ولـّـى سهرتنا موش طويله
    يا جماعـه لا تنـهمـوا هلق ينده لأمه
    لا تخلـو يفور دمــُّه ويصير مثل الهبيله
    هلـق تجي السـهريـّه وقضامة سـكريـّه
    من الجوز ألفين وميه ويمكن يجيب عديلـَه
    يجيب قضامه وزبيب في نظام وفي ترتيب
    ما حدا منـا غريـب كلنا من فرد عَيله
    وتـأنّوا يـا جمـاعه ليصير ربع سـاعه
    بيقدملنـا الطاعـه ما ضل بإيده حيله
    ها إجت الصينيه معبايـه و ممتليّــه
    قضامه ونجاص ورمان وبعـد منها تعليلـه
    وبعد ما ينشدون كثيراً من هذه الأبيات و يحمـِّسونه ويمزحون معه يأتي أهل العريس (( بالسهرية )) مما عندهم فيأكلون وينصرفون إلى بيوتهم , داعين للعروسين بالهناء والصفاء . وبعد يومين أو ثلاثة تأخذ العروس ترسل مقابل الهدايا , أي النقوط التي قدم لها , لكل إنسان حسبما يليق به ويقابل هديته , مثل قميص وطاقية و (( مصفنة )) للدراهم وكيس للتنباك وما يشبه ذلك من أشغالها اليدوية
    الطباخ
    بعد ذلك بثلاثة أو أربعة أيام يبدأ الأقرباء والأنسباء بالطبخ في بيت العريس . فيبدأ عم العريس ويرسل إلى بيت أخيه صباحاً اللحم والسمن والبرغل أو الأرز والحمص والخبز وكل ما يلزم للطعام الذي يريد أن يطبخه . وتذهب نساؤه ليباشرن الطبخ . ويرسل واحداً من قبله يدعو أقرباءه كلهم ومن أراد من أصحابه إلى العشاء في بيت العريس . فيأتون ويتعشون ويقيمون (( التعليلة )) . فيأتي الناس أيضاً كما كانوا يأتون في أيام العرس . وبعد يومين يفعل عم العريس الثاني كما فعل أخوه .وكذلك عمه الثالث والرابع , وأخواله أيضاً , وأقرباؤه وأنسباؤه . فيستغرق هذا الأمر أياماً لا تقل عن الثلاثة أسابيع , وأحياناً أربعة , وهم في الأفراح والمسرات العيلية والمشتركة بين أهالي البلدة
    الباب الرابع عشر : الـوِلاَدَة
    ينتهي العرس وتتم الأفراح . وتمر الأيام والليالي وينصرف العريس لأشغاله . وتنصرف العروس أيضاً بكل قواها للإمتزاج ببيت حميها وإرضائهم بحُسن إدارتها ونشاطها وطاعتها بهمة وغيرة , غير مبالية بتعب أو ملل . فلا يمضي شهر أو شهران حتى تشعر عروس الأمس بما يدعوها إلى التأني والتؤدة , وتشعر ببعض الخمول في نشاطها فيأخذها القلق والإرتباك وتتجاذبها الأفكار . فتفضي بذلك إلى والدتها , ثم إلى حماتها . فيفرحن معاً ويـُفـْهـِمْـنَهـَا ماهي حالها ويأخذن في مداراتها وتنبيهها إلى ما لا تعلمه بعد . وإذا كان زوجها بكر والديه , وكان هؤلاء من المثرين الوجهاء , فيرفـّهونها ويصلـُّون ويحوّطون حولها
    ولا يلبثون حتى يشرعوا في إعداد ما يلزم لاستقبال طفلٍ جديد , من ألبسة ولفائف وخلاف ذلك . فيصنعون من كل نوع من القمصان والسراويل والقنابيز واللثمات والعُصْبَات ثلاثاً , ومن اللفائف والأقمطة إثنين , وخروقاً كثيرة وتكة من صوف نسيج أيديهم يعلِّـقون في وسطها خرزة زرقاء وقطعة من الشب وعود مَيس وجوزة صغيرة وناب ذئب وقرون حية إذا كانوا من المسلمين , ويزيدون عليها صَليباً صغيراً إذا كانوا من المسيحيين . ويتوقعون ابتياع سرير خشبي بسيط
    فمتى انقضى الشهر التاسع وشعرت الحامل بالمخاض تـُسْـتـَدعى القابلة وبعض نسيبات أهل البيت . وفي أثناء الولادة يمتنع على الحامل الدخول إلى غرفة الولادة لأنهم يعتقدون أن الولد الآتي يقول : إنني لا أنزل إلا عندما ينزل أخي الذي هو في بطن أمه أمامي . وكذلك الطامث , فإنهم يزعمون أن دخولها شؤم على الوالدة ويُـعسّر ولادتها ولا يكاد الطفل يبصر النور حتى تنبسط أسارير الحضور وتتطاول أعناقهن لمعرفة جنسه . ويلزمن في ذلك الهدوء والتؤدة لكي لا تعلم الوالدة ذلك
    وتكون القابلة قد أمسكت بالمولود تنتظر صرخته الأولى . فإن هو أبطأ نفخت على وجهه أو هزَّت رغيفاً أمامه فينتعش ويصرخ . حينئذ تأتي والدتها وحماتها فتقبلانها , وتـَنْـثـَنِيان على القابلة لتعرفا هل المولود ذكر أم أنثى وتعلمان الحضور بذلك بابتسامة إذا كان ذكراً , وبتقطيب الجبين إذا كانت أنثى . ثم تعودان لتأمين راحة الأم المنهوكة القوى . فتحملانها إلى فراشها , وتعلمانها بمولودها , بينما تكون القابلة مهتمة بتدبير الطفل وتمليحه وقطع سرّته . وبعد أن تقطعها تربطها بخيط من القطن اللين الثخين . وتميل نحو الحضور متنبئة عليهم وتعلمهم أن المولود الذي سيأتي بعد هذا سيكون ذكراً أو أنثى . لأنها تعتقد أنها إذا شاهدت في مقطع السرّة شيئاً مثل حبة الزيتون كان على زعمها ذكراً , وإذا كان في مقطعها فقاعة كانت أنثى … ثم تلوث إصبعها في التراب فيعلق به غبارٌ ناعم , وتدخله في فم الطفل وتديره في حلقه وتقول : من التراب خُـلقنا وإلى التراب نعود . ثم تأخذ من محلول الملح وتمسح به عينيه . ثم تبل إصبعها بالمحلول نفسه و (( تـُحَنـِّكـَه )) أي تلوّث حلقه وتمس اللوزتين والغلصمة وتمسحها بشدة . ثم تأخذ الملح الناعم وترش منه على الطفل كله , وعلى الخصوص في بواطن المفاصل ومطوى اليدين والرجلين ووراء الأذنين . وتمنطقه فوق السرة بمنطقة رقيقة ناعمة . وتلبسه قميصاً وقنبازاً فضفاضين طويلين . ثم تضع ضمن كتلتين من القطن شيئاً من الكمون الناعم وتجعلهما على عينيه وتعصبهما . وتلبسه طاقية رقيقة وتلثـّمه . ثم تبسط على رجليها قماطاً يسمونه (( لـَفـْلـُوفـَة )) , وتضع فوقه خروقاً تمد الطفل عليها , ثم تلفه بها لفاً محكماً . وتشد فوق هذه الأقمطة تكة صوفية وتضعه بجانب والدته وتغطيه
    ثم يبسطون للحضور في وسط الغرفة سفرة ً يسمونها (( سفرة الخَلاَص )) أو (( سفرة ستي نفيسه )) فتأكل النساء ويمنعون عن النفساء الماء القراح ثلاثة أيام , ما لم يكن الماء ساخناً أو فاتراً , ويقدمون لها بَدَلـَه مغليّ اليانسون وعندما تطلب الطعام يقدمون لها بيضاً مقلياً بالسمن قد رُشَّ عليه مسحوق الكمون , والبرغل أو الأرز المطبوخ بالدبس , فتأكل من هذا الطعام ثلاثة أيام
    ومنذ ذاك الحين يـُحمل الطفل إلى والدته كل مرة يُسمَع فيها صوته , فترضعه هذه شيئاً فشيئاً حتى يتعوّد فيحسن الرضاعة . وعندما تخرج عذرته للمرّة الأولى يلفونها بخرقة ويضعونها تحت (( صعرور )) الباب دفعاً لكل ما يأتي من الأضرار , من دخول الطوامث والحوامل على النفساء , وغير ذلك من المحذورات كما تزعم النساء
    ولا تزال القابلة تتردد على بيت النفساء صبحاً ومساءً في الأيام التي تلي الولادة وتراقب حالتها وحالة مولودها وتتابع أعمالها بتمليحه وتمسيده بالزيت و (( تأييسه )) أي رش مسحوق الآس عليه , حتى ينقضي على ولادتها أربعون يوماً . فتـُؤخذ الوالدة إلى حمام الأربعين بحفلة (( مطنطنة )) وتصبح الوالدة بعد ذلك في مأمنٍ من أخطار النفاس
    فيأخذ الناس في تلك الأثناء يتوافدون بكثرة لتقديم فروض المباركة . فتدخل الإمرأة وفي طرف منديلها ثماني بيضات , أو حاملة على رأسها صينية نحاسية فيها إثنان وعشرون قرصاً من الكبة المقلية بالسمن , قائلة ً )): مبارك ما جاكم . تشوفوا على وجهه الخير . عقبال فرحته . والحمد لله اللي خلـّصتِ وقمتِ )) فتستقبلها الحماة بالترحيب والبشاشة وتجلسها بجانب فراش النفساء . وتأخذ الإمرأة بالتحويطات والبسملات . ولا تلبث أن ترفع الطفل بين يديها , وتنظر إليه مفرغة ً كل ما عندها من التحويطات , ثم ترجعه إلى محله . وبعد هنيهة يقدمون لها الشاي الحلبي , ويضعون أمامها ثلاث أو أربع صحاف نحاسية مملوءة من القضامة والزبيب والجّوز والتين فتأكل , وإذا كان معها أحد أولادها الصغار يملؤون جيوبه مما في الصحاف
    وفي اليوم التالي يعيدون الصينية التي جاء فيها (( الغداء )) , أي أقراص الكبة , مملوءة ممـَّا يقدمونه ضيافةً للمباركين . وقد استـُبْدِلت الأقراص المذكورة في الآونة الأخيرة برطل من الرز النيء
    ثم تأخذ الوالدة في تربية طفلها والسهر عليه وإظهار كل مافي قلبها من الحنان والمحبة . فلا تراها إلا منكبّة على :سريره ترضعه من لبنها لا بل من روحها بلذة , وهي تحدي له هكذا
    يا حادي العيـس مثـل العيـن داريهـم يا حادي العيس خذ روحي وخلِّـيهم
    كانوا سـلاطين نزلـوا عـن كراسـيهم صاروا دراويش ربي ما قطع فيهـم
    يا حادي العيـس سـلّم لي على حبابـي ومن أي دربٍ اجو لفتـح لهـم بابـي
    وان اجو من الغرب دولي اعزّ غيَّابي وان اجومن الشرق يا مية مرحبا فيهم
    يا حادي العيـس سـلـِّم لي على امـي هـيَّ حنونـة و هـيَّ تسـألك عني
    يا جامـع الشـمل تجمعني انـا و امـي لحكي لها قصتي واشكي لهـا همـي
    يا حادي العيس قول للغايبيـن يلفوا مـن يـوم غيباتهـم حالاتنـا تلفـوا
    وحـق مـن له نجـوم الليـل يختلفـوا يا غايبيـن ارجعـوا اماتكـم تلفـوا أي امهاتكم
    يا حادي العيس سلم لي علـى الكانـوا وقـل لهم يرجعـوا لمطرح الكانـوا
    وان ابعدوا اصعبوا وان اقربوا هانوا في جيرة الله الحبايب وين ما كانوا
    يا هاكل الهم و الدنيا عليك ضاقـت اسـكن بلاد التي فـي أهلهـا لاقـت
    واقعد حد الماء واشـرب كلمـا راقـت ربي كريـم يفرجهـا اذا ضاقـت
    نامت عيونك ياامي وعين الله ما نامت وعمره شدّه على مخلوق ما دامت
    ايش هالقلوب اللكم قـسيت و مالانـت وقلوبنـا اللينـه بالعهـد ما خانـت
    يا حادي العيـس قـول للوالـدة تشقى انا لي طاقة الموت مالي طاقة الفرقة .......
    :أو هذه الأغنية الأخرى
    نام يا أمي نام لدبحلك طي الحمام
    لا تصدقوا يا حمامات انا اضحك عا ابني لحتى ينام
    نام يا أمي لحديلك على الكمون والصيف عاقل والشتا مجنون
    يابو الوليدات لا تنام مغبون رزق الوليدات عند الله
    يا جمـَّــال يــا عمــي مـا ريــدك اريد امي
    اريـد امـي تنيـِّمني تحـط البـز فـي تمـِّي
    يـا جمَّــال ابـو الجَمَلـَة هـات النـوم بالعجلـة
    هــات النـوم للعينين وهـات الحسـن للخدين
    :وللرمدان
    يـا رميِّــدْ يـا رَمـدْ ارحـل وروح مـن البلـد
    ارحـل وروِّح للعرب همَّ يـداوُون الرمد
    وعندما يستيقظ طفلها تأتي إليه , وتحمله من أقماطه , وتأخذه بين يديها , وتداعبه وتقبله , وهو بين يديها كالملاك :فتقول له
    تقبـرنـي تقبـر تقبر تنزل عالتربه تحفر
    تقبرني وتحل الشـاش تبكي عليَّ دموع رشاش
    تقبـرني يـا نـور العين تقبر امك ام حسين
    :وتقول له أيضاً
    والكرم اسـتوى عنبه وتدلى عالأَغصان ِ
    واحمـرت عناقيده على لون الدم القاني
    استوى الاحمر والابيض و الزيني و الحلواني
    استوى معه القاصوفي والاحمر الداراني
    استوى المشمش والتفاح و التين و الرمان ِ
    كله عاشان ابني هالزايد المعاني
    يا ربي تطول عمره وتبعث لي مثله ثماني أي ثمانية
    الطُهُوْر
    (( الطهور )) , أي الختان , فرض ديني على المسلمين لا مناص منه . فمنهم من يُـطـَهـِّر ولده صغيراً , ومنهم من يتركه حتى يبلغ السنة العاشرة أو الخامسة عشرة أيضاً
    يبدأون بهذه المهمة , إذا شاؤوا أن يفرحوا بطهور ولدهم , كما يبدأون بمهمة العرس تقريباً . فيدعو الوالد أقرباءه ويشاورهم في الأمر . ومن ثم يدعو وجهاء البلدة ومشايخها للمشورة الكبيرة كما في ابتداء العرس . فيشترك الناس في حفلتي حناء الولد وإلباسه وتزيينه بالورود والتمائم , وفي حفلة تطويفه في شوارع البلدة وهو على ظهر فرس مزينة , وأمامه العراضات ولعب الخيل ووراءَه الزفات من رجال ونساء حتى الغفري , والناس ترمي عليه القضامة والزبيب وما يشبهها وتزغرد وتهزج وتروِّد له . وعند رجوعه إلى داره يقيمون حفلة الختان بالتراويد والزغاريد وإطلاق البارود . وقد يطهر الرجل ولديه أو أولاده كلهم في آن واحد . ثم تـُمـَدُّ الأسمطة وعليها الطعام فيتناول الحضور غداءَهم , وهو ما يسمونه (( الضيافة )) بينما الشبان يدبكون والنساء والبنات يسحجن ويرقصن ويسترسلن في جميع مظاهر الفرح . وتستغرق حفلات الختان أياماً لا تقل عن الأسبوع . والناس يتواردون للمباركة ولإقامة التعليلة
    قبل الطهور
    العمَاد
    كذلك يفعل المسيحيون يوم عماد ولدهم إذا أرادوا أن يعملوه بفرح . إنما يختصرون منه التطواف لأن الولد يكون يومئذٍ طفلاً صغيراً . أما الضيافة والدق والرقص والدبكة والتعليلة , فهذا لا بد منه . ونذكر فيما يلي وصفاً للتعليلة مفصَّلاً
    الباب الخامس عشر : التِّعْلِيْلَة أو اللَّيْلَة الرَّاْقِصَة
    يجتمع الناس , رجالاً ونساءً , شباباً وشابات , في غرفة كبيرة . ويجلس كل منهم في المركز الذي يليق بسنه ومقامه . فللضيوف والكهول ولمن يقارب الشيوخ من الوجهاء بين الأهالي المحل الأول , وهو صدر الغرفة القريب من الموقدة . وللشباب المحل الثاني , وهو الجانب الذي يقابل الصدر . وللنساء جميعاً الجانب المتوسط , فتصبح النساء بين الرجال والشباب . والجميع يجلسون صفوفاً بعضهم أمام بعض ويُجلِسُون الأديب ( أو الأدباء ) بين أقرانه , شابَّاً كان أم كهلاً , وبيده دفٌ أو مزهر . ( وهذا يستعيرونه عادةً في أول العرس مع الطبل من مشايخ الطرق , لأن الدفوف والطبول لا تكون إلا عندهم , يستعملونها لإقامة الذكر والحفلات الدينية أمام السناجق والاعلام عند اللزوم , وفي أيام الأعياد والمواسم عند المسلمين . فيرهنون عند صاحب الدف قطعة من الصحاف النحاسية أو قطعتين . فإن تمزق جلد المزهر أو الطبل يأتون بجلد أو جلدين ما عدا الأجرة المتفق عليها )
    وأمام الأديب الثاني يضعون (( لكـَن )) من النحاس سفله إلى فوق , وبيد الأديب ملعقتان من خشب
    فيبدأ الأديب الأول ناقراً على الدف بيده , والثاني على (( اللكـَن )) بالملعقتين . ويجعل الشبان يصفقون فيقول أحد :الأدباء
    اول بـدوه فتوح البـاب بسـم الله بدينا نغني
    وهذا التوقيع يسمونه (( الدارج )) أي المعتاد البسيط والمصطلح عليه في البلد
    فيردد الحضور ما قال الأديب وعلى النغم ذاته . ويقفز شاب من أهل العرس إلى وسط الحلقة ويأخذ يرقص :والأديب ينظم على النغم عينه والقافية ذاتها بيوتاً توافق المقام فيقول
    شـدّوا وردّوا يـا شبـاب ويـا رفـَيقي عاونني
    :فيردد الشباب اللازمة الأولى . ويأخذ الأدباء , كل بدوره , يَنظم بيتاً جديداً بداهة ً . فيقول الأديب الثاني
    هلـق بسـم الله بدينـا و تسلم يا أفندينا
    على الراس وعلى العينا كل مـا تريده مني
    فيُردِّد الشباب اللازمة ويصفقون . ويأخذ الأدباء ينظمون على هذا التوقيع حتى ينتهي هذا من الرقص . فيتقدم حينئذٍ من (( الشيخ )) أي المختار ويضرب له سلام بيده على الطريقة التركية ثلاث مرات , ويمد يده أخيراً إلى يد الشيخ ويشدها بلطف داعياً إياه إلى الرقص . فيمتنع هذا قليلاً . فيطلب إليه الحضور بقولهم (( تفضل )) ويقسمون الاقسام , ويلحون عليه بالرجاء , فيتنازل ويتكرم وينزل (( للحُوقـَة )) أي إلى الحلقة بتكلف , ويُنَظـِّم ألبسته ويرتبها مما طرأ عليها من الخلل . ولا يكاد ينزل حتى يصرخ جميع الشبان والرجال (( هبسي نيريه هى هى )) وتصرخ فرقة من الشباب مُروّدة (( كم راس قطعنا )) , وغيرهم (( لا تركب إلا تنيَّة )) وغيرهم (( حمره من الخيل يا هو )) وغيرهم (( عينك يا ناقل العود )) إلخ
    وكذلك النساء يزغردن . فهذه تقول (( إِيها , أنا يا ناس ما عزّي بمال ِ )) . وغيرها تقول : (( إِيها , نحن ونحن من سود اللحا نحن )) , وغير ذلك , حتى لا تعود تعلم ما يقال ولا تسمع إلا الجلبة والضوضاء , وكل هذا إكراماً للشيخ وإظهاراً لمحبته في قلوبهم وتعزيزاً لزعامته . إلى أن يأخذ الأديب ينقر الدف فيصفق الشباب , فيرقص الشيخ :بكبريائه وعظمته , متباهياً بطوله وحسن هندامه وألبسته التي يمتاز بها عن غيره . فيقول الأديب
    يـا شيـخ الله معـك يا شـايل القنطره
    فيرددها الشباب بالنغمة ذاتها وهم يتفنـَّنـون بالتصفيق فيأتونه أشكالاً , والجميع يوافقون بتصفيقهم توقيع الدف . ثم :يقول الأديب
    وان رحت خذني معـك على ديوان المَشْوَره
    هذا تلميحاً إلى أنه من الذين يـُؤخذ رأيهم , ولهم القدح المعلَّى في البلد , وكلمتهم لا تصير اثنتين . فيردد الشباب اللازمة , وتصرخ واحدة من النساء اللواتي يمتون بقرابة للشيخ قائلة : (( أيها نحن بني عم عصبة ما بنفترق )) أو (( نحن بني عم عصبة والتجينا لـَيكْ )) . وغيرها تقول : (( أيها شيخ فلان جاك الحكم من استنبول )) . وغيرها ((تقول : (( أيها شيخ فلان يا دباح الحيال ِ
    :ثم يقول الأديب الثاني
    يـا شـيخ بحيـاة أهلك و تمايـل على مهلك
    كلنا نرعى في سـهلك بعز و رخا وبَحْـتـَرَه
    :فيردد الشباب اللازمة , ويصفقون . ويتبارون في الإحتفاء بالشيخ . فيقول الأديب الثاني
    يا شـيخ الله يزيدك و التفت لعبيدك
    وقت اللي بتومي بيدك كل الناس محضَّـره
    فيجعل الشيخ يلتفت إلى الأدباء ويلقي الإبتسامات المعنوية التي تتضمن ما يستحقه كل واحد . وبعد قليل يتقدم إلى وجيه من الضيوف , ولو كان كهلاً , ويدعوه باحترام إلى الرقص فيقوم هذا مفتخراً بمن دعاه , وينزل (( للحوقة )) برصانة وتؤدة فتروّد له الشباب وتزغرد النساء , وتقوم ضجَّـة جديدة إكراماً للضيف
    :ويأخذ الأديب ينقر على الدف , والشبان يعودون إلى التصفيق الحاد فيمد الضيف يده نحو الرجال ويقول دَسْـتـُوْر : فيجيبونه (( معك )) . فيرقص الرجل على ما يقتضيه النغم والحال . ويصرخ الأديب
    اهلا وسهلا ومرحبتين علينا تحل الابراك
    فيردد الشباب اللازمة , ويعيدها الأديب أيضاً , وينظم عليها أبياتاً جديدة بداهةً على النغم والمعنى الذي يناسب المقام :وإكرام الضيف . فيقول
    اهلا وسهلا ومرحبتين في الضيوف المحترمين
    مهما عملنا مقصرين سـامحنا و هات عفوك
    :كذلك النساء يزغردن للضيف ويغنين له من الأغاني الموافقة للظروف , مثل
    أيها أهلا وسهلا يا ضيوفنا زرتونا أيها واخْضَرَّت الدنيا وشرفتونا
    أيها عقبال الأفراح عندكــم أيها بنـزوركم متل ما زرتونا
    لولولوليش
    وهكذا حتى ينتهي الضيف من رقصته . فيتقدم إلى رجل من أمثال الشيخ وأقرانه ويدعوه إلى الرقص . فلا يتردد هذا إكراماً للضيف ولكي يقعده محله , وينزل بدله للحوقة . فيعود الشباب والنساء إلى التغني بما يناسب مركز :الراقص الجديد . وينقر الأديب الدف ويقول
    ما دامك عنـا موجـود عصـايتنا حـد السـيف
    :فيردد الحضور ويصفقون . فيقول أيضاً
    يلبقلـك جوزيـن فـرود وقامه ورمح وعصا وسيف
    :فيعودون إلى التصفيق والمبالغة في إكرام الراقص . والأديب يقول
    يلبقلك جوزيـن فـرود يا ابن السخايا يا ابن الجود
    لغنيلك عل مردود و تعيـش في بسط وكيف
    فيظهر الراقص شكره للأديب بقوله (( يسلم هالتم )) . ثم يختم رقصته ويدعو غيره فينزل . ويأخذ الأديب يغني لكل من الراقصين ما يوافق مكانته ومقامه وسنه . فإذا كان الراقص من ذوي الشهرة في (( المَرَاجل )) أو الفروسية , أو ابن شيخ أو وجيه , أو ممتازاً بشبابه أو بقوته أو بجمال وجهه , فينظم له الأديب ما يناسبه . فإذا كان :ابن شيخ أو من أسرة عريقة في النسب والوجاهة فيقول له
    اين الجِيد بيطلع جِيد تبـايـن منـه الاشـاره
    :فيردد الحضور اللازمة ويصفقون . وبعدما يعيدها الأديب ويكررها يقول
    اين الجيد بيطلع جيد و ابن الست بيطلع سيد
    ان شـا الله عمرك يزيد يا شـيخ شـباب الحاره
    وبعدما يكمل رقصته يدعو للرقص رجلاً من الكهول تكون امرأته موجودة بين النساء . فلا يكاد ينزل حتى يطلب الجمهور أن ترقص معه امرأته . فبعد أن يتمنع كلاهما يقرّر الحضور وجود ذلك ويرغمونه على أن يسمح لها فتنزل امرأته فتقوم ضجة وجلـَبة من التراويد والزغاريد و (( الهبسي نيريه هى هى )) . ويرقصان على الدارج :فيقول الأديب
    لو باين ذهب العتيق ويـن تـروح الرباعي
    فيردد الشباب والنساء اللازمة ويصفقون . ويكررها الأديب , وينظم عليها أبياتاً كثيرة فيقول
    لو باين ذهب العتيق يـا صديق و يـا رفيق
    شي بيلبق وشي بيشيق يـا شيخ احمد يـا رفاعي
    فيرقصان , ويأخذان نصيبهما من الرقص . ويدعوان غيرهما من أمثالهما , كل رجل ومعه امرأته , حتى يأتي الدور للشباب والصبايا . فيدعو الرجل شابّاً , والامرأة تدعو صبيةً . ويأخذ الأديب ينظم لهما ما يليق بهما وما يوافق مركزهما . فإذا كان الشاب جمَّـالاً لابساً (( كبُّود عسلي )) يقول له
    كبودك كبودك عسل على حله يـا دقـة زنودك بـالفـَنـَس كلـّـُه
    حينئذٍ يتحمس الشباب ويظهرون كل براعتهم وتفانيهم في التصفيق إكراماً للشاب واحتفاءً بالصبية . ويقول الأديب
    كبودك كبودك يرحم جـدودك حمرة خدودك يا عمري لظهري حلوا
    فيردد الشباب اللازمة والأديب يعدّد عليها بيتين آخرين . ثم يبطل الأديب نقر الدف فجأة ويقول : (( كُسرَ الدف )) ويبعثه إلى من هو قريب من موقد النار طالباً منه أن يحمّيه على النار فتعود إليه رنته المطلوبة . فيقف الراقص والراقصة أيضاً . إنما الراقص (( يحوقل )) متذمراً فيقول له الأديب : (( كُسر الدف . عليك أن تجبّره بصوتك الجميل )) . فيصرخ الجميع : لا يُجبر الدف إلا ببيت عتابا . ويروّدون وتزغرد النساء أيضاً . وبعد التمنع والتردد يجلس أمام أحد رفاقه أو أمام الأديب , فيصرخ الشباب (( هبسي نيريه هى هى )) فيبدأ الأديب بالميجنا قائلاً
    ميجنـا يـا ميجنـا يـا ميجنـــا ناخ الجمل قومي اركبي يـا مزينـه
    :فردد الذين حوله هذه اللازمة . ثم يصرخ الشاب قائلاً
    حرام يزور لب العين ميَّــال مـدام الدهر عالحلوين ميَّـال
    الي قلبٍ عليهم مثل ميَّـــال قـبيسـي ول عمـره ما صفـا
    :فيصرخ الرجال استحساناً , والنساء يزغردنَ تحميساً للشباب , ويطلبون منه بيتاً ثانياً فيقول
    تحت زيق المنيّل شفت درهـم مثل ريم على المورد يدرهـم
    ترى تضئ بغير شموع دارهم متى بـان الجبين من العصـاب
    فيصرخ الرجال والشباب متهيجين , وتزغرد النساء , ويقول الجميع (( كمان , كمان ))
    :فيتململ الشاب ويتمنع قليلاً ويصرخ قائلاً
    انـا يوبا الحبايب مُـآلمتنـي رمتنـي بـالمهـالك مـا لمَّـتنـي
    ولو تـدري مصابي ما لمتني ولـو خطيتنـي بـقولـة يـوبـا
    فيردّد الشباب وتزغرد النساء , ويضرب الأديب الدف , ويقف هذا للرقص والصبية معه فيكملان رقصتهما ويدعوان (( للحوقة )) شابَّاً وخطيبته . فيهيج الشاب رفقاؤه ويبالغون في التصفيق متظاهرين باكرام الشاب والحفاوة بخطيبته . وكذلك الأديب يحوّل أغانيه إلى التغزل بالراقصين والتشبيب بمحاسنهما ويوجه تغزله إلى :الراقصات بدون أن يخشى على ذلك لومة لائم فيقول
    هالميله هدَّت حيلي يا نور العين فتـَّح يا ورد الجوري على الخدين
    :فيردد الشباب اللازمة ويعيدها الأديب ويكررها ثانية وثالثة ويقول
    هالميلة هدَّت حيلي يا جميلي تـُهْت وضيَّع دليلي و الدروب منين
    فيتهيج الشباب ويمضون في التصفيق . ويأخذ الشاب يرقص مُغتبطاً ويتمايل فخراً وتيهاً . وكذلك الفتاة تأخذ حصتها من الغنج المحتشم والدلال العاري من التهتك . فترقص بحياء وتميل بخجل وانتظام فيزيدها هذا حسناً وجمالاً . ثم يدعوان غيرهما . وهكذا إلى أن تنزل فتاة للرقص مع فتىً مثلها لم يبلغ رشده بعد , فيبادرهما الأديب :قائلاً
    طـَيَّرْ حمامك طَيَّرْ يا عينـيَّ شوها لخشف الظغيَّر لافي علـيَّ
    :فيصفق الشباب ويُهَـلـِّـلُون ويكبرون . ثم يقول الأديب
    طيَّر حمام الـوادي على بـلادي انا قصدت و مـرادي تحنـُّوا علـيَّ
    طيَّر حمام البري لا تنغـري دخلك من صوبي مري شويَّه شويَّه
    طيَّر حمام الديـره يـا اميـره شوها الخشفه الصغيره جايي عليَّ
    طيَّر حمام الخمري يا بعد عمري حيرتني في امـري اُرفقـي بيَّ
    طيَّر حمام وجاني يا سـميراني تسوى اهلي وجيراني وامي وبيَّ
    وهكذا يتمادى الأديب بالتغزل حتى يأخذا قسطهما . فيدعوان غيرهما فينزل شاب وصبية طويلا القامة فيرقصان :ويتمايلان ويتقابلان ويتباريان بحسن الحركة والرقص . فيقول الأديب
    شي مـا شالله و يخـزي العيـن عـن ميلتكـم يا لاثنيـن
    :فيردد الشباب هذه اللازمة , وهو يقول
    يخـزي العيـن و مـا شـالله و محوَّطيـن في الله
    يـا شيـخ احمـد شـي لله يا رفاعي يا بـو العلـَمين
    :وهكذا ينزل غيرهما , والأديب ينظم لكل واحد ما يناسب شكله وطوله . فإن كانت الفتاة سمراء يقول لها
    على سمير اللون على سميراني و البارحة و اليوم ما شفت خلاني
    :أو
    اسمر يا حلو القامه عذبني هواك حالف ما اهوى غيرك عهد الله جاك
    :وإذا كانت ذات عينين سوداوين فيقول
    يا بو عيون السود والحاجب العالي شربكتني بهواك ما كان على بالي
    :وإذا كانت ذات عينين لوزيتين فيقول
    يا بو عيون اللوزية وحاجب مقرون بيني وبينك عهد الله يخون اللي يخون
    :وإذا كانت جميلة طويلة فيقول
    طولك طول الهندامِ يحرس هالطول خدك لحـم بلا عظامي للي بياكـل
    ولغيرها : يـا أم الاحمـر حـادق شايق علـى الطول ولايـق
    أو : مهمـا رخصـت الاسـعار بيظـل الحلـو غـالـي
    أو : ميلي على ميَّالك يا عين ياعين وحياة روس رجالك عالراس والعين
    أو : يـا قمـر لمَّـن هلَّيـت يـا شـمعة ضويتـي البيـت
    أو : رمانـك يـا حبيبـي مـا اوصفـه طبيبـي
    أو : صرَختْ شـوَاش العجـام مـا تشـيلـوا يـا عكـَّامه
    أو : يـا تمـر بـلاد العـراق وايـش جابـك لبـلاد الشـام
    أو : دامـت ليالينـا بعز اهالينا
    أو : يـا عشـيري مـن زمان عالطولـه لا تنسـاني
    أو : يا ولفي لا تنسـاني الله يخليك عفنا الاول والثاني ورضينا فيك
    أو : الليل وياليل طوّل علينا نحنـا الحبايـب هون التقينا
    وهكذا يتغزل الأدباء بالراقصين والراقصات , بما يطابق صفات كل منهم ومقامه وسنه , بدون أن تمس إحساسات أحد ولا تؤثر على عواطفه . ولا تتناول الأديب بأقل لائمة ولا عتب , إلى أن يدعو العروسين للرقص . حينئذٍ يصرخ الشبان بالتراويد والنساء بالزغاريد من كل ناحية وصوب , حتى لا تكاد تسمع غير الضوضاء والجلبة برهة غير يسيرة . فيضطر العروسان أن يقفا في وسط الحلقة حتى يهدأ القوم وينقر الأديب الدف ويصفق الشبان :مظهرين كل براعة وتفان ٍ في إكرام العروسين والحفاوة بهما . فيأخذان في الرقص , فيقول الأديب
    ريته مبارك يا عريس تتهنـى بهالعروس ( يعني بهذه العروس )
    :ويعيدها الأديب بعد ما يرددها الشباب ثم يقول
    ريتـو مبارك تتهنـى اُرقص على مهلَك وتأنَّى
    اطلـب منـا و تمنـى نحنا بنخدمـك عالروس
    ثم يقول: عروســك مـا احلاهـا يسـلم بيـت الربَّـاهـا
    انـا دخيـل ســماها عم تضوي مثل الفانوس
    وهكذا يأخذ الأدباء في النظم والمباراة . فتارة للعريس , وتارة للعروس , وطوراً يمدحون أهله . وتأتي والدة العريس وبيدها محمصة القهوة وعليها نار وفوق النار بخور جارودي وشعنين . فتبخر العروسين وهما يرقصان وتقول بأعلى صوتها : (( كلٌ يصلي على نبيه )) , وذلك خوفاً عليهما من إصابتهما بالعين . وتظل النساء يزغردن ويغنين للعروسين إلى أن ينتهيا من الرقص فيدعوان غيرهما . وهكذا حتى يرقص جميع من في (( التعليلة )) من رجال ونساء وكهول وشبان وفتيان وفتيات
    ويكون بين النساء من يحسن الدبكة على حدة رقصاً . فتدعى منهن واحدة أو اثنتان بارعتان فتنزلان إلى (( الحوقة ) . ويأخذ الأديب يوقع على الدف التوقيع المطلوب . وتشرعان ترقصان , والشباب يصفقون لهما فيقول الأديب
    مالهـا أم الجدايـل مالهـا تمشي وتشكي الثقل من خلخالها
    :فيردد الشباب الشطر الأول من هذه اللازمة فقط . والأديب يقول كل شطر على حدة هكذا
    لو مشت عالارض يخضرّ اليبَس
    :والشباب تقول الشطر الأول بعده , وهو يقول
    والطير من كبد السما غنَّى لها
    أو : يوم إجت عالنهر فاضت ميِّـتـُـه رجعت وخافت لا تبـل ذيالهـا
    أو : والعين سوده والعنق عنق الغزال يا بعد عينـي ريتنـي خيَّالهـا
    فتأخذ الراقصتان تتفننان وتقفزان قفزات منتظمة : فتارة تفترقان , وتارة تجتمعان , وتارة تتقابلان , وطوراً تواجهان الجمهور أو الأديب , وهو يزداد تفنناً في النظم حتى تـَتـْعَبَا وتدعُوا اثنتين غيرهما . فتنزلان ويقول الأديب
    يا بو عيون السود زرارك حلّهـا طالـت الغيبـة علينـا و حلَّهـا
    فترقصان ثم تدعوان غيرهما فتنزل (( للحوقة )) إثنتان وتطلبان من الأديب التوقيع على الرقصة (( الديرعطانية )) : فيأخذ الأديب يضرب الدف بيده على النغم المطلوب ويقول
    يا نايمه يا نايمـه لا تقعـدون النايمـه
    :فيردد الناس هذه اللازمة ويصفقون , وهما ترقصان , والأديب يقول من هذه الأبيات
    يا نايمه و مرحرحـه والخصر زيّ المروحه
    لولا الحيا والمستحى لاركض واحب النايمه
    او : يا نايمه نوم الطلي والدق عالمبسـم حلـي
    لولا حيائي من هلي لاركض واحب النايمه
    او : يا نايمه نوم الخشف من فرقتك ريقي نشف
    اخاف السر ينكشف وتكون الناس عالمـه
    او : يا نايمه نوم العجي حطي المخدَّة وارتجـي ( أي إرتكي )
    ما تقوليلي ايمت اجي وتكوني قبالـي قايمـه
    وبعد ما تكتفيان تنزل واحدة فتطلب أن يوقع على غير هذا النغم , وتشير إلى ما تريد , فيوقع ويصفق الشباب وهي :تغني لنفسها وتقول
    دخلك يا طير علمني ناغا ناغا دخلك يا طير طالعني قصر الآغا
    أو : زحانـات الفلفـل يـا زحانات مشـكلات القرنفـل هالغاويَّـات
    فتشرع الفتاة في الرقص على هذه الأغنية , وهي تزحف على قدميها زحفاً وتحرك يديها وجسمها حركة منتظمة متناسبة مع زحفها . ويأخذ الأديب يساعدها ويغني لها على ما يوافق اللازمة , والشباب يصفقون حتى تنتهي هذه :من رقصتها . فتطلب أيضاً توقيعاً ثانياً , فيلبي طلبها وينقر الدف قائلاً
    ضاعت طاقية الحجّه جديده وما لقيناها
    لقيناهـا فـي يبـرود جينـا و خليناهـا
    او : آه يـا للا وسيـدي لا للـِّي يابحر ما انظرك سافرحبي فيك وما قال لي
    فترقص هذه على هذا التوقيع بانتظام وحركة موافقة له , وتميل يمنة ويسرة , وتتفنن في رقصها فتبهج الحضور ويثور الشبان فيركعون على ركبهم ويشدّدون التصفيق , وتقوم ضجة عالية , والأديب يغني لها , ولكنك لا تسمع أو تفهم من قوله حينئذٍ كلمة واحدة من شدة الضجة والتصفيق
    ثم يأمر الشيخ أو أحد الوجهاء أن تـُدعى واحدة من النساء مشهورة برقصها الرقصة التي يسمونها (( شامية )) :فتنزل هذه , ويدق الأديب , وتشرع هي ترقص وتغني لنفسها فتقول
    جُوزِي تجـوَّز أربعـه وأنا صبيَّه وجاهله
    :فيردد الحضور اللازمة , ويُقلـِّـلـون التصفيق , ثم تقول
    لمَّـن أخـذ الأولى وأصبحت هيك عامله ( وتحني ظهرها قليلاً )
    :فيرددون اللازمة , وتقول هي مع الرقص والتمثيل
    : جوزي يضرَب جوزي ( على نغم مخصوص , وتكررها مراراً ) ثم تقول
    لمَّـن أخـذ الثانيـة أصبحت هيك عاملـه
    : ( وتحني ظهرها أكثر من قبل ) . وبعد ما يردون اللازمة , تقول
    جوزي يضرَب جوزي جوزي يعمى جـوزي . ( وتكررها )
    : ثم تقول
    لمَّـن أخـذ الثالثـه واصبحت هيك عامله ( وتحني ظهرها كثيراً )
    : وتعود وتقول
    :جوزي يطرش جوزي . جوزي يعمى جوزي . وجوزي يضرب جوزي . وتقول
    لمَّـن أخـذ الرابعه واصبحت هيك عامله ( وتنحني تماماً حتى تقعد على الأرض . وتأخذ :تقول : جوزي يضرب , ويعمى , ويفطس , و معتـَّر إلخ ) ثم بعد ما تلبسه كل ما عندها من المذمَّات تقول
    : لمَّـن طلـَّـق الأولـى وأصبحت هيك عامله ( وتقوم منحنيةً قليلاً ) وتقول
    جوزي يسلم جوزي
    وكلما طلـَّق واحدة ترفع ظهرها وتقول : جوزي طيب . جوزي باشا . جوزي خيِّر . جوزي جوزي إلخ حتى يطلِّق الرابعة فترجع إلى ما كانت عليه في ابتداء الرقصة وتأخذ تتمايل و (( تفقش )) بأصابعها وتهز خصرها رافعة رأسها فرحة طروبة , تقفز وتنطّ وتترنم بطلاق ضرائرها
    وعلى هذا تنتهي التعليلة , فينصرف كل واحد إلى بيته مسروراً
    الباب السادس عشر : الدَبْكَة
    الدبكة أنواع متعددة معروفة في بلاد سوريا ولبنان وفلسطين والعراق وما بين النهرين وبلاد الأكراد . وهي رقص مشترك بين جمهور , يقوم به الشباب والشابات أيام الأعراس والأفراح والمواسم , ويشترك فيه من يشاء ممن يحسن القيام بحركاته وسكناته وله إلمام بجميع أنواعه . فللشباب وحدهم دبكة , وللنساء والبنات دبكة , وللجنسين مختلطين دبكة أخرى
    كان الشباب قبلاً يتخذونها مدعاةً للإفتخار بأجسامهم وشبابهم وتفننهم وبراعتهم في الرقص الخالي من كل خلاعة وتهتك , أو وسيلةً للرياضة البدنية , وتارة لمباراة الأدباء . والتلذذ بسماع أقوالهم . والنساء يتخذنها للرقص والغناء وللطرب والانبساط وللرياضة أيضاً
    فتقسم دبكة الشباب إلى عشارية , وعرجاء , وكردية , وشرقية , وشمالية , وغربية وغيرها
    ودبكة النساء إلى هادئة ومستعجلة . وإليك بعض الإيضاح عن هذه الأنواع
    يجتمع الشباب في دار العريس الفسيحة الأرجاء , أو في ساحة أمام داره إذا كانت ضيقة . ويعقدون حلقة غير كاملة , متماسكين بالأَيدي , متماسين بالأكتاف فيبدأون من أطولهم قامة , ثم الأقصر فالأقصر حتى الآخر . ويدعر رأس هذه الحلقة (( السندة )) . فيسند الشباب ويقودهم ويضبّط حركتهم وسيرهم كما تقتضيه الأصول . ثم يأتي شاب من المشهورين المشهود لهم بقيادة الدبكة وإتقانهم لجميع أنواعها , وبيده سيف أو عصا أو منديل مطرز الأطراف بحرير ملون , فيترأس هذه الحلقة ويقودها على ما يقتضيه نظام الدبكة وأصولها . وهذا يسمونه (( القيدة )) . ويقوم في وسط هذه الحلقة شاب يحسن النفخ في المزمار أو الشبَّابة , أو شاب يحمل طبلاً يقرعه عند الإقتضاء ( هذا إذا (لم يكن في العرس من جماعة النَّوَر بطبولهم وزمورهم
    فيطلب القيدة من حامل الطبل أن يضربه للدبكة العربية مثلاً , ويفتتحها على التوقيع المطلوب والأصول المتبعة ويتبعه بذلك السندة بنقل الرجلين وحركة الجسم بضبط وإتقان ليكون قدوة للشباب الذين بعده . فيتبعونه كلهم كأنهم جسم واحد , يميلون كيفما مال قائدهم يميناً أو يساراً بغاية الإتقان , يتقدمون ويتأخرون بخطوات معدودة ومنتظمة تتجسم فيها الرجولية والقوة والنشاط والفن والنظام بكل معانيها . ويأخذ القيدة يتفنن بحركاته وخطواته الموزونة وتنقلاته المتقنة وقفزاته المضبوطة , لا يخلّ بنظام الدبكة قيد شعرة ولا يتعدى الحركة العامة مطلقاً مهما تقلب وتفنن بحركاته . ويساعده على ذلك السندة سانداً الشبان , مؤخراً سيرهم , ليبقى القيدة حرّاً بحركاته
    وكثيراً ما كانت تدوم الدورة الواحدة نحو ساعة قبل أن يرجع القيدة إلى المكان الذي بدأ منه الدبكة . وهذا يـُعدّ براعةً وإتقاناً . وهو يلعب بالسيف حيناً , وتارةً يقفز قفزتين بينما الباقون يقفزون قفزة واحدة . وجميعهم يسكنون ويضربون الأرض بأرجلهم ضربةً واحدة في وقت واحد . وتارة تراه كأنه يخالف النظام العام بحركاته وقفزاته ولا تلبث أن تراه عاد إلى النظام وسار قيد الأصول , ويجتمع الناس حول هذه الحلقة بالمئات يتفرجون ويتمتعون بهذا المنظر البهج وهم قيامٌ وقعود يشربون القهوة والنارجيلة , مسرورين بمرأى شبان تتدفق الصحة من وجوههم والوالنشاط من أجسامهمإبتسامات من ثغورهم وكلٌ منهم يقول في نفسه (( يا نفس اشتدّي . وما حدا قدّي )) ويضرب الأرض برجله متجبراً عليها بشبابه وهو يميل كالغصن الرطب مع الهواء كيفما مال
    اللعب بالسيف والترس
    وبعدما يكتفون من هذه الدبكة يطلب القيدة تغييرها إلى شمالية مثلاً أو غيرها . فتكون أسرع من تلك حركةً وأخف وتختلف عن الأولى بعض الإختلافات بنقل الرجلين أو الميل . فيلبّى طلبه بعد وقوفٍ قليل . وبإشارة منه يقرع الطبل فيبدأ القيدة الرقص تابعاً به التوقيع ويتبعه السندة ومعه الشبَّان . ويأخذ جميعهم في الميل والقفز والنط إلى الأمام والعودة إلى الوراء حسبما تقتضيه الحال . حينئذٍ تأتي امرأة وبيدها محمصة البنّ وعليها النار والبخور الجارودي والملح وورق الزيتون , فتمر على مؤلفي هذه الحلقة مبتدئة من القيدة فتبخرهم وتحوّطهم باسم الله وبالصلاة على الأنبياء من عينها وعين خلق الله
    ثم يتحولون إلى دبكة أخرى (( كالعرجا )) وغيرها . وبعد أن يكتفوا من جميع أنواع الدبكة المختصة بالشباب يطلبون إلى الأدباء الدبكة على (( القول )) أي على النظم مع الطبل . فينبري واحد منهم وينزل إلى (( الحوقة )) :ويطلب من صاحب الطبل توقيعاً معلوماً فيلبي هذا طلبه ويقول الأديب
    حليوه وين كنتِ اليوم عيونك شارده للنوم
    فيردد الشباب هذه اللازمة وهم يرقصون . ويأخذ الأديب ينظم عليها ما توحي إليه قريحته أو مما يكون محتفظاً به :من نظم غيره , مثل هذه الأبيات التي توافق النغم والتوقيع
    يا أَسمر السمر قـُلـِّي من جرح خدك هـو جـرح سكـِّيـن و الاّ أحـد عضَّـك
    سـايق عليك النبي سـايق عليك ربَّك لا تعاشـر الغيـر و حياتـي علـى قلبـك
    يا أَسمر السـمر أهلـك عيّرونـي فيـك و كلمـا عيّرونـي زاد غرامـي فيك
    انت الحبق بالطبـق وانا الذي اسقيك انـت الثريا و انا الميزان ارعى فيك
    حبّيتكم يا ترى وايـش حبّبنـي فيكـم حبَّيـت مـا بيـن حاجبكـم و عينيكم
    حبيـت أرضاً تدوسـوها برجليكـم حبيـت جيرانكـم كرمـال عينيكم
    حبيتكم خاص وانتم تبغضـوا خالـص وانا الذي من محبة غيركم خالـص
    وحياة ذاك النبي النُوره ذهب خالـص ما اظن يا عين تلاقي لك وليف خالص
    حبيتكـم لاستريـح و انتـم تعبتونـي وكنـت خالـي الغـرام انتـم شبكتونـي
    و كنـت بحضـن امـي دبلتونـي ما هـو حـرام علـى دقَّــة تفوتونـي
    حبيتـم مثـل زنـدي والسـوار و الكـف حبيتكـم ما دِرِي هالكـف مـن هالكـف
    لمّـن لقيتـك بعشـرة غيرنـا مشـتفّ بعتك بدرهم زغل لو كنت تسـوى الف
    يا ابيـض البيـض يا مجبول بالفضَّـه يا أكحـل العيـن قلـّـي ايمتى بترضى
    إن كـان أهلك وأهلي أسّسـو البغضه اعمل انـا العبـد و انت السـِّيد لترضـى
    واقـف علـى بابكـم عرقـان لأتهـوَّى وطلعـت مـن داركـم بـالنـار أتكوَّى
    جابوا المكاوي وقالوا يا صبـي تكـوَّى وايش ينفع الكي بـرّا و الوجـع جوَّى
    سير يا حمام دوني وعرني لجناحك يوم لطير و علّـي و انظـر لحبابـي يـوم
    وحياة من سبّحوا له بالصلاة والصوم اسكـن جهنـم ولا اقعـد بلاكـم يـوم
    فتستغرق هذه الدبكة مدة طويلة , لأن الأديب يقول كل شطر من هذه الأبيات على حدة . وهي سريعة يلزمها نط وقفز كثير . فيطلبون غيرها أبطأ منها حركة عندما يدهمهم التعب . فيبطلون الطبل , ويقول الأديب مغنيَّـاً على نغم :هادئ
    عـدلـى يـا مـوليـا عـيـنـي يـالـبـنـيَّــه
    فهذا النغم يُـقال عليه كل بيوت موليا , كما سيأتي ذكره , ولا يلزمه نط ولا قفز , بل هو هادئ بطئ . فيردد الشباب اللازمة . ولا يكاد الأديب ينظم بيتاً أو بيتين حتى تنساب البنات والنساء بين الشباب . فتمسك كل منهن بيد إثنين من أقربائها أو أنسبائها ويأخذن يدبكن معهم . وبعد قليل تصبح الدبكة مشتركة بين الجنسين . فيجعل الأدباء يغنون وينظمون الأغاني المطربة , والجميع يدبكون بلذة وحبور . وبعد أن يأخذ الشباب قسطاً من الراحة تشير النساء :فتتحول الدبكة إلى حركة مسرعة , فيقول الأديب
    ورد خـدّ المحسـنـه من قلـَّبه غيـر انـا
    فيقفز الجميع بانتظام , والبنات والنساء المتزينات والمتحلّيات (( يخشخشن )) بحلاهنّ (( خشخشة ً )) توافق الدبكة فتجملها وتعطيها رونقاً خاصَّـاً . والأديب ينظم الأبيات الداعية إلى الطرب فيسكرون جميعاً بنشوته . ومع ذلك لا :يفتأون محافظين على الحِشمة والأدب كما يحافظون على نظام الدبكة وإتقانها , فيقول الأديب
    يـا ويـل ويلـي لهـم عقلـي و مالـي لهـم
    عالـدرب لربـط لهـم واقعد عـادرب القنـا ( أي قناة الماء )
    :فيتهيج الشبان عند ذكر القناة ويزيد النط والقفز والرقص . ويعود الأديب فيقول
    ســمره يـا ام الحلَـق مثلك ربّـي ما خلـق
    لا بالغرب ولا بالشرق و لا فـي كـل الدنـا
    :ويظلون هكذا إلى أن يتعبوا فيغني أحدهم أغنية هادئة مثل هذه
    قولـون لام السـالف لغيرهـا مـا وَالـَف
    :فيردد الشبان هذه اللازمة ويقول الأديب
    من سالفك عاجبينـك الله والخضر يعينـك
    عهد الله بينـي و بينـك الله يخوّن الي يخالف
    من سـالفك عالوجنـه مـن كثر ما علوَجنـا
    ما تشـوف ما اروجنـا بالقول عا ام السالـف
    مـن سـالفك عالخـدِّ مطروح فـوق مخـدِّ
    مـا توصفيلي شوبدّي انت حكيـم و عـارف
    من سـالفك عالصـدرِ و الوجـه زيّ البـدر
    لو تعرف حالي وتدري ما كنت الي بتخالـف
    مـن سـالفـك عاتمـك ردي خبـر على إمك
    رايـح أميـل لـيـمِّـك بلكي نصيـر معـارف
    مـن سـالفك عالعينـي يـا بعـد روحي وعيني
    خـدك ورده بجنينـه سـعيد يـا الـّي قاطف
    من سـالفـك عاكتافـك تسـلم حمـرة شـفافك
    لا يـكون حـدا شافك مـن هيك انـا خايف
    مـن سـالفك عالظهـر يـا لابسـة الـزهـري
    يـا بنـت لا تنقهـري ويكـون قلبـك خايف
    :ثم ينتقلون إلى غيرها مستعجلة فيقول الأديب
    يا بو عيون السود زرارك حلها طالت الغيبة علينا وحلَّـها
    :أو
    حليـوه داب رمـانـك وانا عالباب استنَّى ( أي انتظر )
    :أو
    لولح يا بو ردان يابا خلي الدق يبان يابا
    وان كنت زعلان يابا دربك عالبسـتان يابا
    وان كنت بردان يابا دربك عالحمـام يابا
    وان كنت عطشان يابا دربك عالرمان يابا
    وان كنت جوعان يابا دربك عالصيوان يابا
    وان كنت فزعان يابا تعا بقلبـي نـام يابا
    :أو
    تخاويت وانا الديب سـرحان خاويّـاً خاويته باللسان ِ
    خاويته بعهد الله و لا خان خاواني بعهد الله وجاني
    حبيبي رشقني بعود ريحان رشـقته بندّ و زعفراني
    حبيبي كيف ماهب الهوا مال تمايل يا عويد الخيزراني
    :أو
    هي هيُّوا راكبين النوق ريّضوا هجنكم ليَّ
    ريّضوا واردفون الشوق على بكاره نعمانيه
    حبيبي لو نزل عالسوق يتمايل بالحسـاويَّـه
    حبيبي يابو عيون السود ياربي تجيره ليَّ
    ثم ينتقلون إلى غيرها , إلى هادئة قليلاً . فتطلب من الأديب إحدي البنيات وتقول غنِّ لنا الفرنساوية . وهذه أغنية :جاءت بها إحدى عيال المسيحيين الدمشقيين هكذا
    هولا هولا بـابـا هولا كوميلبياني
    سـفامنى جولـي انا مـا كيتريان
    : وقد سمعنا هذه الفقرة تـُغنـَّى بطريقة أخرى
    فوالا فوالا بابا فوالا فوالا ماما
    سافر ملك جولي انـا ماكتير بيان
    :فأحبها الناس هنا وأخذوا يغنونها هكذا
    و لا و لا بـابـا و لا كـل البيـان
    صفرنت من جوعي امـان امـان امـان
    :فيرددون هذه , ويقول الأديب
    يـا ولـد يـا صغيـّر يا نايم بسـريرك
    ابوك يقول لك نـام و امك بتحدي لك
    فيأخذ البنات حظهن من الأغنية , ويتجمعن كلهنَّ في جهة واحدة متماسكات بأيديهن , ويأخذن الفوز حينئذٍ على الشباب بدبكتهن وخفتهن بالنط والوثب والقفز والدبك حتى يكلّ الجميع فينفرط عقدهم
    الباب السابع عشر أعْيَـاْدُهُم
    أَعْيَـاْدُ المُسْلِمِيْن
    يعيّد المسلمون عيد الفطر المبارك بعد ما يصومون شهر رمضان بكامله , فيطوون النهار كله بلا أكل ولا شرب من السحور إلى الفطور , لا يأبهون لصعوبته مهما كان النهار طويلاً وحرّه شديداً , طاعة ً لله وتعبداً له تعالى وكان الشيوخ يقضون الليل والنهار في الصلاة والتعبد لله كما قال الفارض
    في هواكم رمضان عمره ينقضي ما بين احياءٍ وَطيْ
    والشباب والكهول يقضونه في الشغل والعمل , لا تمنعهم صعوبته في الصيف عن الحصاد والدراس والسطاح وما شابه ذلك
    وما كنت ترى بينهم أحداً بلغ الخامسة عشرة من عمره وما فوق يجسر على الإفطار جهراً . وكان المسحّرون يطوفون في شوارع البلد وأزقتها بمزاميرهم وطبولهم من قبل نصف الليل
    يضربون عليها فيوقظون الأهالي للسحور قائلين : (( لا اله إلا الله , يا نايم وحّد الدايم )) فيعطونهم مما يأكلون مع رغيف من الخبز . وابتداءً من الثلث الأخير من شهر رمضان يصعد بضعة شبّان إلى المأذنة بعد المغرب :ويشرعون ينشدون الوداع قائلين
    فودعـوه ثم قولـوا لـه يا شهرنا هذا عليك السلام
    زهاء ساعة من الزمان حتى آخر الشهر . وفي الليلة الأخيرة منه , حينما يثبت حلول العيد , يصعد بضعة رجال من الأيمة والخطباء ومشايخ الدين إلى المأذنة بالتهليل والتكبير معلنين بذلك حلول عيد الفطر , فيفرح الناس ويتهللون ويبدأ العيد . وفي الغد باكراً قبل شروق الشمس يتزين الرجال والنساء والأولاد بأحسن ما عندهم ويذهب الرجال أفواجاً إلى الجوامع لحضور صلاة العيد . وبعد الصلاة يذهبون لزيارة الموتى . ويوزع كل واحد ما يمكنه صدقةً عن أرواحهم ويعطي كل واحد الفطرة المفروضة عليه للفقراء , وهي رطل من الحبوب عن كل شخص حفظاً لصيامه . فإنهم يعتقدون أن الذي لا يعطي الفطرة يبقى صيامه معلـَّـقاً بين السماء والأرض . ثم يرجعون لمعايدة الأيمة والخطباء و (( المشايخ )) أي المخاتير . فيكون هؤلاء مهيئين السفرة في الغرفة الكبيرة عندهم وعليها من المآكل المتنوعة , مثل الكبة مع الشورباء والأرز المطبوخ باللحم واليَخْنَى بالحمص واللحم واللبن إلخ . فيدخل الناس قائلين (( عيدكم مبارك )) أو (( أيامكم سعيدة )) . فيجيبهم صاحب البيت : (( علينا وعليكم )) و (( أيامكم أسعد )) . فيأكل الناس على قدر ما يشتهون . وتبقى هذه السفرة مبسوطة من الصباح إلى المساء في بيوت المشايخ والوجهاء المثرين الكرام ( قد أُلغيت هذه العادة في أيامنا واستبدلت بتقديم المرطبات والحلواء ) و يعايد الناس بعضهم بعضاً ويقولون أيضاً : (( عيد الآتي تكونوا بحرم الله الشريف . وتفرحوا بأولادكم )) . فيجيبونهم : (( برفقتكم . وإن شاء الله تفرحوا بأولادكم . أو نفرح بك )) , إذا كان المهنِّئ لا يزال أعزب
    وكان الرجال والشباب والأغنياء يعطون لكلٍّ من الأولادِ الصغار في البيت الذي يعايدونه قطعةً من النقود الرائجة في ذلك الوقت تدعى (( مصريّه )) , وهي تساوي البارة أي جزءَاً من أربعين من القرش . وأخيراً راجت عملة يسمونها (( نحاسة )) تساوي بارتين ونصف , فصاروا ينفحون الأولاد منها فيفرحون ويسرحون ويمرحون بها وتنقضي أيام العيد الثلاثة والأولاد والشبان معيدون يلعبون بالبيض الملوَّن
    أما أكثر الرجال فما كانوا يمتنعون عن القيام بأعمالهم الزراعية وغيرها إلا يوم العيد فقط . وقد قيل لرجل كان حاملاً (( مـُرّاً )) وذاهباً إلى الشغل في أرضه : كيف نراك ذاهباً إلى الشغل واليوم عيد ؟ فأجابهم بعد أن هزَّ رأسه إن العيد (( هالمرّ السعيد )) , أي هذا المرّ السعيد
    وبعد ظهر ذاك النهار يتوارد الشباب على بيت مشايخ الطرق ويأخذون في الضرب على الطبول والمزاهر والصُّنوج . وتحمل السناجق والأعلام ويركب الشيخ صاحب هذه (( السياره )) , كما يسمونها هنا , فرساً يقودها شاب ذو صوتٍ جميل ينشد وراء السنجق أناشيد دينية . ويذهبون بها بموكب حافل تعلو فيه أصوات الرجال بالأناشيد والأنغام المختصة بهذه الحفلة , مثل ((شيلاه احمد يا رفاعي )) أو (( موالي يا موالي يا موالي ابو العلمين سلطان الرجال )) , أو (( صلي يا ربي وسلم عالنبي أحمد المختار طه العربي )) أو (( صياد يا صياد يا صيادِ والشيخ عبد القادر البغدادي )) وغير ذلك من الأناشيد والأهازيج
    و كان بعض الشبان المسيحيين يشاركونهم أحياناً في تلك الحفلات , فيضربون معهم على المزاهر و (( الخليليات )) أي الصنوج . ويذهبون معهم لزيارة مقام (( الغفري )) خارج البلد . فيقعدون في ظل جوزته المشهورة حلقة من الشبان يقفون متراصيّ الأكتاف متلاصقي المناكب , ويقيمون هناك ذكراً حافلاً يذكرون به الله بلهجات وعبارات مخصوصة مثل (( الله )) و (( الله حي )) و (( الله حي قيوم )) . ولكلٍ من هذه الأدوار الثلاثة نغم أو لهجة مختصة به , يبدأ بها الشيخ وهو واقف في وسط الحلقة حاملاً بيده محجنة . فيلتفت إلى اليمين مع انحناء قليل قائلاً (( الله )) , وإلى اليسار كذلك . فيتبعه بذلك أفراد الحلقة بالقول والميل والإنحناء مؤلفين كتلة واحدة . ويأخذ الشيخ يُسرع في لهجته وحركته رويداً رويداً . وفي أثناء ذلك ينشد ذوو الأصوات الجميلة أناشيد يوّحدون بها الله ويمدحون بها النبي والأولياء
    فيطرب بها الذاكرون وتأخذ بعضهم رعشة هي (( نشوة الذكر )) تبلغ حتى الغيبوبة والغشيان فترةً قليلة . فيضرب المشايخ أنفسهم , وتارة (( خلائفهم )) أي تلاميذهم بالسيوف . ويدخلون في بطونهم (( الشيش )) , وهو نوع من النصال أو الحراب المعدة لمثل هذه الحفلات . وعندما يستفيق المغشيّ عليهم من غيبوبتهم , يبدأ الشيخ بالدور الثاني قائلاً (( الله حي )) : فيلتفت إلى اليمين قائلاً (( الله )) ثم إلى اليسار قائلاً (( حي )) . وكذلك في الدور الثالث يذكر وينحني ويميل كما يقتضي الحال ثم يعود الشبان إلى حمل السنجق والأعلام والضرب على (( النوبة )) كما يسمونها , وهي الطبول والمزاهر والصنوج
    وينبطح الرجال حينئذٍ على بطونهم متلاصقين صفَّـاً طويلاً , ويقف إلى جانبيهم رجالٌ على طول الصف , فيمر الشيخ بفرسه عليهم , ويتبعه باقي المشايخ أقرانه . ويقوم الرجال بدون أن يصاب أحد منهم بأذىً . وهذه يسمونها (( الدوسة )) أو (( الدعسة )) . ويرجعون في طريق أخرى إلى بيوتهم
    وتكون النساء والبنات سائرات وراء هذا الموكب يرافقنه . وكثيراً ما كانت النساء يقفن على السطوح أو في النوافذ حتى يصل السنجق إليهنّ , فتربط إحداهن منديلاً بأحد أطرافه طالبة إلى الله الشفاء من مرض أو الخلاص من مأزق حرج وهكذا يصير في عيد الأضحى
    عِـيْد الخِضِر
    ويحتفلون بأبّهة بعيد الخضر ( 23 نيسان على الحساب الشرقي ) لأن له في النبك , في أعلى موقع منها , مقاماً هو جامع ومأذنة قديما العهد مبنيّان باللبن ) يقدسونه وينذرون له النذور الكثيرة بحسب الإعتقاد و (( الأمانة )) والعادة منذ القديم . ولهذا المقام قيّم أو خادم يتصرف بما يأتيه من النذور . وعليه أن يقوم بكل ما يلزم من ترميم وتنظيف وإنارة وما شابه ذلك , وأن يدعو كل سنة قبل حلول العيد بيومين أو ثلاثة أهل الحي وأَيمة ومشايخ ووجهاء البلدة إلى تناول العشاء في هذا المقام ليلة العيد وإلى إقامة الذكر بجامعه كما ذكرنا
    ويدعو أيضاً مشايخ يَبْرُود (( ذوي السناجق أي أبناء الطرق )) سنويّاً , مالم يكن مانع قاهر . ويدعو أيضاً بعض السنيِّـين من مشايخ فـَلِيْطَة والمعرّة وقَارة ودير عطية لتناول العشاء ليلة العيد وللإشتراك في إقامة الذكر بجامعه
    ففي اليوم السابق للعيد كان يأتي من مشايخ يبرود شيخ أو شيخان بسناجقهما و أعلامهما (( ونوباتهما )) , ومعهما رجال ونساء لزيارة الخضر والتبرك ببركته . فيخرج مشايخ النبك بسيَّاراتهم أيضاً ورجالهم , وهم يقرعون)) نوباتهم )) ويهزجون بالأناشيد الدينية , إلى ملاقاة الضيوف خارج البلد . وحينما يدنو هؤلاء ينزل المشايخ عن مطاياهم , ويجثو حاملوا النوبة على ركبهم ويأخذون في الضرب عليها (( طابق حربي )) كما يقولون أي ضرباً مستعجلاً . وعندما ينتهي الطابق يقرأون الفاتحة ويصافح بعضهم بعضاً بالطريقة الخاصة بهم : فيلاقي الشيخ زميله واضعاً يده على كتفه ويتبادلان القبلات ثلاثاً . وبعد إنتهاء السلام يركب المشايخ خيولهم وتجتمع النوبتان فرقة واحدة ويسيرون أمام سنجق الضيوف , ووراءه سناجق البلد , والرجال حولهم يُعدون بالمئات , ويعودون أدراجهم بموكبهم إلى مقام الغفري . فيزورون ويعقدون تحت جوزته ذكراً لله تعالى , كما سبق وصفه . وأحياناً كان الشيخ يشير إلى أحد أنسبائه أو تلامذته فيأتي إليه عارياً إلى أسفل الصدر , بلا خوف ولا وجل . فيصرخ الشيخ (( يا جداه )) ويدخل حربة في خاصرته حتى نصفها . ويأتي آخر فيدخل حربة ثانية في عنقه أو خده . وثالث كذلك , أو يضرب واحد خاصرتيه بحربتين . ويأخذ المضروبون على هذا النمط يخطون خطوات منتظمة ويميلون يمنة ويسرة في وسط الحلقة , متبعين حركة الـِّذكْر , يذكرون اسم الله مع الذاكرين , غير مبالين بالنصال أو الحراب المغروزة في أجسامهم . وبعدما يكتفون من هذا الذكر يحمل الشباب السناجق والأعلام ويقرعون النوبة ويرجعون مخترقين البلدة بموكبهم يتقدمهم المطعونون بالحراب . فيزورون مقام الشيخ علي القصير في طرفها الشرقي ويذكرون الله في ساحته , بينما المشايخ يدخلون مقامه ويقرأون الفاتحة . ثم يرجع الضيوف إلى مقام الخضر ويحلـُّون ضيوفاً فيه حينئذٍ ينزل الشيخ فينشل الحراب من أجسام المطعونين , ويأخذ من ريقه ويدهن به الجرح وهو يرتعش ويذكر إسم ((الله ويصرخ (( يا جداه
    فيتقاسم أهل البلدة الضيوف ويدعونهم للمنامة في بيوتهم . وعند حلول وقت العشاء يَرِدُ الضيوف والأهالي إلى مقام الخضر , حيث يجدون الأسمطة مفروشة وعليها الطعام , وهو من (( الشاكريَّة )) والبرغل . فيأكلون ثمّ يهبُّون إلى إقامة الذكر تلك الليلة . وفي عصر يوم العيد يخرجون كلهم بسياراتهم إلى الغفري , ويفعلون كما فعلوا أمس أو يزيدون عليه ضرباً بالحراب والدبابيس والسيوف , ويقيمون الدعسة كما أشرنا سابقاً . وفي الغد بعد العيد يعود الضيوف إلى بلادهم مشيَّعين كما استـُقبلوا بالحفاوة
    أَعْيَاْد المَسيحيين
    أما أعياد المسيحيين فكثيرة , ولا يكاد يمضي أسبوع بدون أن يقع عيد أحد كبار القديسين أو تذكار لأحد الأسرار المقدسة فيقيمون العيد بقدّاس في الصباح ويمتنعون فيه عن أشغالهم العالمية . ومنذ القديم تخصص كل عيد بإحدى عيال المسيحيين الروم الكاثوليك , ولا يزال هذا التخصيص إلى الآن . وكان على صاحب العيد أن يقدم للكنيسة رزمةً من الشّمع , وحسنةً للكاهن , وكمية من الخبز المخصوص الذي يعتنون به عناية تامة , فيكون ممتازاً من الخبز
    العادي مطبوعاً بطابع ديني تظهر فيه علامة الصليب ( على الشكل الآتي
    i ? ?x?
    ((???? ومعناها (( يسوع المسيح يظفر
    ni?ka
    ويسمون هذا الخبز (( قربان )) ويبعث منه أصحاب العيد إلى بيوت كل من المسيحيين بقربانة واحدة . وعلى صاحب العيد أن يعدّ بيته لاستقبال المهنئين . فيجلس وأمامه القهوة العربية , فتـََرِد الناس لمعايدتهِ
    وكان عليه قبلاً أن يدعو الكاهن إلى الغداء , ثم يدعوه من جديد إلى العشاء ويدعو معه أقرباءه وأنسباءَه الأخصاء ((وتكون السهرة عنده تلك الليلة . فيقضونها في الأحاديث والمسامرة أو يلعبون بالورق بلعبة (( المئتين
    عِيْدُ الفُصْحِ
    أما عيدهم الكبير فهو عيد الفصح المجيد . يأتي بعد صيامهم سبعة أسابيع لا يأكلون فيها سوى الأطعمة المصلحة بالزيت وينقطعون عن كل اللحوم والبيض أيضاً , ما خلا المرضى الذين يأذن لهم الكاهن في الإفطار وتناول الأطعمة التي يشاؤونها . ويقضون أيام الصوم هذه في الصلاة والتعبد لله تعالى
    وفي الأحد الثالث من الصيام يزينون أولادهم الصغار ويحمِّلونهم أغصان الزيتون , معلقين فيها الشموع الصغيرة ويذهبون بهم إلى الكنيسة . وفي آخر القداس يحمل الكاهن طبقاً مملوءَاً من الرياحين والأزهار , ويقومون بزياح ضمن الكنيسة حاملين الصليب , والصغار يحملون أغصانهم بما فيها من الشموع المشعلة ويرنمون بترانيم روحية مثل (( المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة )) وغير ذلك من الترانيم الطقسية . ويسمون هذا ((الأحد (( أحد الزهور
    ويفعلون مثل ذلك في الأحد السادس أيضاً , ويسمونه (( أحد الشعنين )) . وفي الأسبوع الأخير من الصيام تجمع النساء من ورق الزيتون في أكياس يضعنها في الكنيسة ليكتسب الورق بركةً عند قراءة الأناجيل التي تـُتلى في هذا الأسبوع العظيم . وكانوا يعتقدون أن هذا الورق يتقدس وينال بركة خصوصية . فإذا أُصيب أحد أولادهم بمرض فجائي يعزونه إلى (( العين )) الشريرة , أي إذا أُصيب بالعين , (( بخَّروه )) به مخلوطاً بقليل من الملح . والمسلمون أنفسهم يعتقدون بمفعول ورق الزيتون هذا ويستعملونه كالمسيحيين ويسمونه)) شعنين )) .وعند بزوغ فجر العيد يقيمون قداساً إحتفالياً . فيأتي الناس لصلاة العيد ويرجعون إلى بيوتهمفرحين ليتناولوا طعام العيد الذي كان محرَّماً عليهم جميعاً , من الطفل إلى الشيخ , مدة 49 يوماً . فيأكلون مما طبخوا تلك الليلة من الكبّة مع (( الشوربا )) واللبنية . ويسلقون البيض ويصبغونه ألواناً لأولادهم . فيقضي هؤلاء ذلك النهار يلعبون بالبيض . ويذهب الرجال قبل كل شئ لمعايدة الأسرة صاحبة العيد , ثم يذهبون جميعهم لمعايدة الكاهن بعدما يجمعون من الدراهم ما يقدمونه له بمثابة (( معايدة )) أو (( عيدية )) . ويخرجون لمعايدة بعضهم قائلين المسيح قام )) . فيجيبهم صاحب البيت (( حقّاً قام . العيد الآتي تفرحوا بأولادكم . ( أو ) تكونوا بالقدس الشريف )) فيجيبهم المهنئون : (( وأولادكم . ( أو ) برفقتكم إن شاء الله
    ويظلون على هذا ثلاثة أيام . ويسمون العيد الكبير عيد الفصح
    أما عيد الميلاد فقد ظلَّ معتبراً عندهم صغيراً يعيدون له كما يعيدون للأعياد العادية حتى أوائل القرن الحاضر , إذ أخذ اعتباره يزداد عموماً
    الباب الثامن عشر : المَأتَم
    عِيَاْدَة المَرْضَى
    كانوا متى مرض أحدهم وطالت عليه العلـّة , يتهافتون لعيادته رجالاً ونساء . وكان على النساء أن يحملن للمريض شيئاً من الكعك أو البرتقال أو الرمّان الحلو أو الإجاص الشتوي أو البطيخ , لأنهم كانوا يعتقدون أن جميع هذه الأشياء مباحٌ أكلها للمريض وغير مضرَّة به أيّاً كانت علـّته , ولا سيّما إذا مال إلى الشفاء ودخل في طور النقه وأما إذا اشتدت عليه وطأة المرض وأخطر , فيكثرون التردد إليه بدون أن يحملوا لهُ شيئاً . ولا يجوز عندهم دخول مريض ناقه على مريض لا يزال طريح الفراش . ما لم يذهب أولاً إلى الحمام لئلا (( يكبسه )) على اعتقادهم . وإذا أخطر المريض نام عند أمه أو أخته أو زوجته بعض ذويها لمساعدتها على خـَطـْبـِها
    الوَفَـاْة
    وعندما تحدث الوفاة تُمنَع والدة المتوفى أو زوجته أو أخته من البكاء والصراخ وتقوم بعض القريبات الحاضرات بتبديل ثياب المتوفـَّى بثياب تكون مهيأة عند الكثيرين , مسلمين كانوا أم مسيحيين , الذين يحضرونها من مكة أو من القدس يوم حجِّهم إليها . وبعد ما يتممون إلباس الميت ثيابه هذه يضعونه على فرشة عالية وثيرة يسمونها (( المرتبة )) . حينئذٍ تصرخ النساء من أهله وأقاربه مولولات ومعولات فتجتمع الناس حوله وحداناً وزرافات , والنساء يندبن ويلطمن وينحن عليه . وبحسب أهمية المتوفى تكون شدة الندب وخفته . ويردّدن أبياتاً مختصة بالمآتم يعددن فيها مناقب الفقيد , حاثات ذويه من الرجال والنساء على البكاء والحزن , طالبات إليهم أن يبيعوا كل غالٍ وثمين ويشتروا فقيدهم . فيبكي لأقوالهن المحزنة جميع الحاضرين . ولا تزال النساء على ذلك حتى الدفن فتأتي الواحدة تلو الأخرى لتعدد وتقول ما عندها وتظهر اشتراكها في مأتم الفقيد . على أن بعضاً منهنّ يتباكين ولا يأتين إلا للتفرّج والإنتقاد فقط
    أما الرجال فيجتمعون في غرفة من غرف دار الميت وحدهم , فترى البعض باكين , والبعض الآخر واجمين وغيرهم يتحدثون عما يختص بالمأتم , فيقصون على أهل الميت قصصاً وأمثالاً عن عظائم المصائب والنوائب السابقة , مما هو أعظم من المصاب الحاليّ , بعبارات موافقة للمقام . ولم يكونوا في القديم يشربون القهوة لأنها كانت ممنوعة في مثل تلك الأحوال , خلافاً لما هو جارٍ في أيامنا
    وعندما تتمّ جميع تجهيزات الميت , التي يقضونها بكل سرعة , ينقل إلى المعبد ويُصلَّى عليه . ثم يحملونه على نعش فوق الأكتاف , ويسير وراءه أهله وذووه ومن يشاء من القوم رجالاً ونساء , وباقي القوم من حوله , وأمامه رجال الدين يقومون بمراسيم دينية لا بد منها . ويتسابق الشباب إلى حمله اكتساباً للثواب والأجر حتى المدفن . وبعد مواراته يقف ذووه صفَّـاً واحداً قرب الضريح ويمر الناس أمامهم معزين قائلين : (( العوض بسلامتكم , أو البقية ((بعمركم , أو يسلم الدين والإيمان
    ويرجع الرجال معهم إلى حيث يعترضهم أحد الوجهاء أو الأنسباء ممن يكون بيته على طريقهم . فيدخلهم إليه ومعهم بعض الرجال , ويضع أمامهم طعاماً فيأكلون , لأن ذوي المتوفى غالباً لا يذوقون شيئاً من الطعام قبل دفن فقيدهم .أما النساء فيرجعن من المدفن مولولات نادبات يرقصن رقصة الحزن المألوفة عندهنّ
    وإذا كان المتوفّى شاباً عزيزاً على القوم يزينونه كما يزينون العريس , وتغني له النساء من أغاني صمدة العريس يوم عرسه , ويحدو الشبّان حداءً ملائماً للمقام , والنساء يحللن شعورهن ويتعصبن فوق المنديل ويقلبن ثيابهنّ ويلبسن فوقها عباءة المتوفى أو رادءَه أو عقاله أو شملته . وإذا كان المتوفى من المشايخ أو الوجهاء الذين يركبون الخيل ويحملون السيوف فتلبس زوجته أو أخته أو إبنته سيفه أو شيئاً من سلاحه , وترقص به بين النساء . ولهذا الرقص أصول وقواعد خصوصية . والبعض كنّ (( يُشحِّرن )) وجوههن وأيديهن ويلوثن الحيطان بشئ من (( الشحَّار )) , ويتلفن أحواض الأزهار والورود التي عندهن , ويمزقن ثيابهن ويلطمن خدودهن فيجرحنها جروحاً عديدة
    ثم يتوارد المعزّون إلى بيت الفقيد من رجال ونساء , ويجتمع كل من الفريقين في غرفة خاصة . فيدخل الرجل قائلاً : (( العوض بسلامتكم , أو البقية في عمركم )) فيجيبه أهل البيت : (( عمركم باقي , أو على سلامتكم وسلامة أولادكم )) ويأخذون يتجاذبون أطراف الأحاديث مما يناسب المقام
    ويظل الرجال يترددون على أهل هذا البيت مدّة طويلة أو قصيرة بحسب مقام الميت وأهله , فيخففون عنهم مصابهم ويؤانسونهم . والنساء القريبات لأهل الفقيد ينمنَ عند أهله بضع ليالٍ . ثم يخف ذلك رويداً رويداً على توالي الأيام ويبقى مع ذلك على الناس أن يزوروا بيت الميت في أيام الأعياد , و (( يأخذوا بخاطرهم )) في بعض الظروف إلى سنة بعد الوفاة
    الباب التاسع عشر : الأهَاْزِيْج وَ الأغَاْنِي
    أختتم مؤلـَّفي هذا بتدوين ما لم أدوّنه من مطالع الأغاني والأهازيج , التي كانت رائجة في الماضي وكان الناس يتغنون بها في هذه البلاد في أفراحهم وأوقات أنسهم ولهوهم , وبعض أبيات العتابا و الموليا , قبل أن تمحوها السنون مع ما محت , لتبقى محفوظة . فعسى أن تروق القراء الكرام
    مَطْلَع أوْ لازِمَة الأَغَاْنِي لِلْرَقْصِ عَلَىْ التَوْقِيْع الدارِج
    شفت القمر متجلـِّي من قبالي طلّ حاكيته مدري إيش قاللِّي دشَّرني وفل1
    أو : لا تتمايل مقبالي دخلـك يـا غـزال بتوقع و المطرح عالـي بـالله تنـزلْ
    أو : يـا غـزالي يـا مـدلـل يـا غـزال حاج تعـذب مهجتـي يـا ابـن الحـلال
    أو : يـا غـزال البرّيـه وارد عطشان كنُّـه2 مهــره رباعيّـه طالـب ميـدان
    أو : حبي عما يناديلي من سـوق الشـام الله يحرس هالميلـي و ذاك الهنـدام
    أو : يـا بـو منديـل مختـَّم لا تتلثــَّم ليـش تحاكـي البرانـي جـارك الزم
    أو : يغبوني عاليغبوني دخلك يا غبيـن وانـا التايـه دلّونـي عـالدرب منيـن
    أو : يا لايم الله يليمك لايمني ليــش و مـدوّر في خلـق الله مدري قدّيش
    أو : نيـال العندُه تينه جـوَّات البــاب ياكل منها ليشـبع مـن غيـر حسـاب
    أو : غزالي غزالي طاب شغلك طـاب و القمـر سـَّـلاني لنص3 الليل وغاب
    أو : يا سُـمْرِ بالله حنـُّوا علينا مهمـا تغلـُّوا نحن اشترينا
    أو : يا ليل ويا ليل طوّل علينا نحن الحبايب هون4 التقينا
    أو : سيَّر ظريف القامة حُجلُه ذَهب يا ياما
    أو : يا مرحبا بالنشـمي واركيلته تباري له
    أو : يا تمر مالك نوى5 عندك رماني الهوى
    أو : لله لله يـا بنيَّـه يـا وارده عالميـَّه
    انت الدلال يلبقلك وانـا التعتير علـيّ
    أو : بـالله عليـك يـا قمـر سـلـِّـم علـى حبابـي
    أو : ما أحلى الشـب بجمالـه و الخـتـيـار بكمالـه6
    أو : يا ريحان بصدر الـدار تعجبنـي دواليبـه
    أو : يا ريحاني يـا ريحـان كل يوم تشرب عدان
    أو : ايشلي بشَمَّكْ يا ريحـان عندي الورد بيكفيني
    أو : يا حيف الزمان يـروح و ايـام الجهـل تولّـي
    أو : يا قرنفلة ال بالشـباك بـدي منك تشـكيلـه
    أو : يـا ليلـة هَنَـا و فـراح للّـي حظي بمحبوبـه
    أو : يـا عمـي يـا بغـدادي وصّلنـي علـى بـلادي
    أو : ياسيدي مشمش الحموي داب علـى امه داب
    غصين البان يـا ميًّـال مـال علـى امـه مال
    يا عيني مشمش الحموي مـال علـى امـه مال
    :ثم
    رافق اجاويـد منهـم تكتسـب و تنـال ويعدّلـوا محملك بيناتهـم لو مـال
    بوصيك ياصاح لاترافق من الانذال تصبح مضيّع لا مكسب ولارسمال
    مـال علـى امـه مـال يا عيني مشمش الحموي
    داب على امه داب
    :اللازمة
    هيك مشي الزعروره يا عيوني هيك
    هيك مشي الغندورة يا عيونـي هيك هيك شكل التنورة يا عيوني هيك
    هيك صيد العصفوره يا عيوني هيك هيك مَرْبَى القصوره يا عيوني هيك
    هيك يساير مراته يا عيونـي هيك هيك يجاكر حماته يا عيوني هيك
    هيك يستقبل ضيفه يا عيوني هيك هيك يلعب في سيفه يا عيوني هيك
    وكثير من هذه الأدوار ترقص عليها المرأة وعي تغني وتشير بيديها محاكية كل ما ذكر , والناس يرددون اللازمة .فقط
    _________________________________
    ( 1 ) أي راح ( 2 ) كأنه ( 3 ) أي حتى نصف الليل ( 4 ) أي هنا
    ( 5 ) أي نواة ( 6 ) هذه يغنونها لرجل قريب من الشيخ
    مَطْلَع الأغَاْنِيْ لِلْرَقْص عَلَىْ الدَقّةَ الدِيْرعَطَاْنِيّة
    يا ورد خـدك عسـل و جناينـك جنـه
    أو : يا حليوه داب رمانك وانا على الباب استنَّى ( أي انتظر )
    أو : يا نايمـه يا نايمـه خلـُّـوا الحليـوه نايمـه
    أو : يا طير الحمـام يما يـا طيـر الحمـام لِيـه
    أو : روحـوا يا بنات خلونـي بـحـالـي
    أو : فتـَّح زهر البيلسان على امه غصان غصان
    أو : عالهيله و الميلـه يـا سـروج الخـيـل
    أو : امـان يا امـي و العشـق بـلـيَّـه
    مَطْلَع أَغَاْنِي لِلْرَقص (( سَحْجَاً )) أَيْ مستعجلاً
    يـا دار السـعـد يـا دار عمرانة وتزيـد عمـار1
    أو : مكسب هالساعة مكسب واكسبوها يـا شـباب
    أو : اه يـابـا بـدي عَـبَـا حمره جديده مقصَّبـة
    أو : يـا ولـد يـا حبوبـا قمره والشمس غروبا
    أو : لـيَّ يـا ربعـي لـيَّ لا عاش وليد الرديّـه
    يـا ولـد يـا حبوبـا
    أو : نحنـا دقـًّاقيـن الهيـل امـاره بظهـور الخيـل
    أو : يـا عمـي ديـر القـدح بيـر المويـه نضـح
    أو : لمـن هالمنسـف يـدرج علـى حروفـه
    منسـف فلان الفلاني نحـن الليلـه ضيوفـه
    :أما الشبّان فيقولون هكذا
    نحنـا كسـرنا الخيالـه وندلل عالموت دلالـه
    أو : نحنـا صبيـان و بنات بضرب القنا ما بنهـاب
    أو : برهـوم وشـلك عندنـا حـوران و النقـره لنـا
    _________________________________
    ( 1 ) يقولونها حينما يدخلون دار العريس أو دار أحد الوجهاء
    مَطْلَع الأغَاْنِي التِي تُقَاْل في الدبْكَة وَيَتَبَارَى فِيْهَا الأُدَبَاْء
    يا زينه زتي وزيني عا جناح الوز ما بعلقش ميازيني عا وقية رز
    قالوا ليـش واقـف عالباب قلـت حبابـي جوَّاتـه
    راسي شاب و قلبـي داب وكل من يحكـي صفاتـه
    عندي حوض من الريحان مـزروع بحـد الميَّـه
    واسـقيته بكعـب الفنجـان و الناس مشـتلقـه علـيَّ
    شـربت البحـر و نشَّــفتـه ومشـيت بـأرضه حافـي
    احلـف يميـن مـا شـفته و لا بلبَـل روس شـفافي
    ياللي تلعـب بـالخشـطبّ اصحى ودير بالك تعرضّ
    بدنـا ندرس فـن الطبّ حتى نداوي الـي بيمرضّ
    بطلنـا جميـع القـول و بدنـا نرصـد عالقمحـه
    هتلي حبِّي يداويني و يعطيني بتمه قمحه
    شـدّوا رفاقـي عالرحيـل و انـا دنيـت جمالـي
    ما كل من غنى يـا ليـل بندعيـه مـن القوَّالي
    كـنـت بـزمـاني غَـنِّـي القـوَّالـة تـاخـد عـنّـي
    لا تخـمنِّي نسـيت القـول لكـني مـوقـّر سـنِّي
    طـلعـت شـمـس الميَّالي من فوق الجبـل العـالـي
    والجـاهـل عقلـه دوَّار و انـا بعـرف مـن حالي
    الخصر بيمرق من الدملج مـا بيحمـل ثـقـل الزنـار
    يـا رفاقـي لمَّـن يمـوج اسـرع مـن ببـور النـار
    أو : يـا صـايـد الأحجـالِ مـن صـوت حبـي جـالي
    أو : يا ريمـة اللي بـاول الغـزلان ِ ترعىالنفل والعشب والريحاني
    :مطلع أغاني الدبكة المستعجلة وكان الشباب والصبايا يدبكون عليها للبسط
    هيـكـالـو هيـكـالـو العـرضـه يـا جمالـو
    علـي العلـي العليُّـو يـا مـزنـره بشـاليُّـو
    عالعـميم عـالعـمـام بيضه وحمره يا سلام
    فطّـومه فطّومـه العالـي يـا بـونجومـا
    عالدوم عيني عالدوم محلحلـه وتريـد النوم
    أغاني شرقية
    هـي هـيّـو راكبيـن الـنـوق ريّـضوا هجنكـم لـيَّ
    ***
    بطـه و حمـامه يتقابلـوا على العيـن يا ويلي بطـه و حمـامـه
    ريـش النعـامه يـا جديلـة المحبـوب يا ويلي ريـش النعامـه
    غرني بزبـونـو تـاري الولـد فـلاح يا ويلي غرني بزبونـو
    فـدوه لـعـيـونو كلمـن لبـس العقـال يا ويلي فدوه لـعيونــو
    مسعـد يـا تـنـور يـا ململـم الزينـات يا ويلي مسعد يـا تنـور
    و الـخـد بلــور و العيـن عيـن عقاب يا ويلي و الخـد بلـور
    دق المـجـيـدي دقيتـنـي يـا شـوق يا ويلي دق المجيـدي
    و انـا بحـديـــدي كـل المـهـاره طـلاق يا ويلي و انـا بحديـدي
    طوحي يا غيمه بيـن السـما و القـاع يا ويلي طوحـي يا غيمـه
    و الله ظليمـه بنيه بحضـن شـايب يا ويلي و الله ظليـمـه
    قم حبني و فـوت والعب علـى الخديـن يا ويلي قم حبنـي و فـوت
    تالي العمر موت وايش لك بحكي الناس ياويلي تالي العمـر مـوت
    من هونه للعراق حبـل العشـق ممـدود يا ويلي من هونه للعـراق
    يا شـهـر الفـراق ريـتـك مـا هـليـت يا ويلي يـا شـهر الفـراق
    كـدُّوا تـزورُه صـدر البنيـه امـام يا ويـلي كـدوا تـزوره
    نقشـة صـدوره طـرز الغبانـي شمـام يا ويـلي نقشـه صـدوره
    حلـّوا شـعرهـم نزلـوا علـى الحمَّـام يا ويـلي حلـوا شـعرهـم
    و انتِ قمـرهـم كـل البنـات نجـوم يا ويـلـي وانتِ قمـرهـم
    غيرها
    يـا ويلـي مـن الاشـعلي طـوَّل الغيبـة علـيَّ
    بُيُوْت عَتَاْبَا جبورية
    ما قال عبيد والهادي ما حَـدْ لـَي الطريق و ارتع الفاني ما حَد ليْ
    كما الناعوص انا انعي بمحد لاي والهي من بيـر الناظـر ميـاه
    يـا عقلـي راح و لسـاني تبلبـل و دمعي لا زياق التـوب بـلـبـل
    عتـَم صدري عمنك جيت بالبال و انـت اسـباب حزني و الغثـا
    بالله يـا ظبي نجران إلـى فيـن عسى انَّك من بني رضوان لافين
    ذوايـب كنَّهـا ثعبـان لا فـَيـن و جـاذب مثـل عيُّـوق الدجـا
    شدُّوا زملهـم مـن فـوق عـوده بزيزه1 و مـا بهـا ورده وعوده
    ياربي ان كان ما بالحـي عـوده دخيلـك بـاللـقـا يـوم الحسـاب
    يا قلبي كـنّ خامشـتك مجاريد عليهـم مسِّــني سـاق المجاريـد
    كم دزيت لحبـابي و ما جا رَدّ الكتاب و لا ورد منهـم جـواب
    مـا كنا نظـن يا يوبا بظلومَ الـ ـدهر مـن كثـر ما ربينا بظل وما
    اشـوف الدهر غازينـا بظلونـه و مـا مـن نـرتجي منـه هـدى
    ما كنا نظـن يـا يوبا يكيدنا الـ ـدهر مـن فـوق طـاقتنـا يكدّنـا
    لـولا كـبـر رجـوانـا يـا كـدنـا نْـفـَنى من قبل ما نشـوف الرجـا
    مـا كـنـا نـظـن يـابـا لابـد لنـا الـدهـر و يخـون فينـا لا2 بدَلنـا
    رجـانـا بالمـهـيـمـن لا بـدّ لـنـا مـن أيــام ترجّعنـا سـوا
    مـا كنـا نظـن يـابـا كامـي لـنـا الدهـر مـا نعـد يومـي كام إيَلنا
    كـانـون الـخـلايـق كـمَـيـلـنـا يميلوا اصبـحـوا عـنـا جـنـا ب
    _________________________________________________
    ( 1 ) بزيزة : بمعنى بريّة ( 2 ) لا بمعنى حتى
    _________________________________________________
    طرب طاري رقب طارق قصب سال سهى ساجد سحب سيف المهى سل
    سـرا لاجـل السرق عقـلـه و مـا سال ذَنب مـا مـن زعلكـم لَـيْ 1 بـاب
    عذر صوجك ذنب قل لي بلا زعال شـبه طولك شكل جسمك برزعال
    حلـي طرز العرنـدس و البـرز عال جبق دردور مصّ من الرطاب
    عجيف آني المجس مني الاسـي دلّ نزح عني مهاة البيض ما اسدلّ 2
    اذا ما عسـعـس الديجـور و اسـدل وحـش غـاش الطلـل منه غثا
    يا همي ما يشـيلك عشـر تـالاف الزمـل و العقـل بعد الولف تالف
    بالله ثـلـّـثـوا لـي السـلك تا لِفّ الجروح اللي غدت بدها عصاب
    سـرى قلبـي الحزين وسـار يمكـن باقـوى مركبـاً و يخـوض يمكن
    يا قلبي عـود حـاج تقـول يمكـن تنـال الـرد مـن بعـد الجفـا
    يا حـادي قبل زف العيس عج بالـ ـضعن لا ما يصيب القلب عجّ بال
    لـو ان اللـي بقلبـي كـان عـاجبال لهَدهَدت العوالي لـلوطـا
    هلـي مـا لبَّسـوا الخـادم سـمَلهـم و بكبـود العـدا دايـم سـم لهم 3
    يا تاري الناس ارض واهلي سـماً لهم كـواكـب و النجـوم إِلهـم قـراب
    جليت هموم يـا صاحـب متـل تـل الصـدى و الهـم عـا قلبي متلتـل 4
    يا طارش روح لحبابي متل تـل الـ ـغراف وهـات لـي منهـم جـواب
    سلام ارسـل لخلانـي مـع الشـوح وايـش تنفع مناداتي مع الشوح 5
    يـا ربعـي لا تليمونـي معـي شـح العقل عا فراق ولفي و الحبـاب
    مسلك ما قطب جروحي و شـلهم و دمعي سابق الغارف و شـلهم 6
    جمـل مـا ثـار بهمومـي و شـالهم و عيَّا و لا نقـل فيهـا و خطـا
    انـا لــَوِنّ عالخـلان و نـتـا لـ ـربيط و قاضبينه عنوز و انتل
    لويـس اذبح ثلاثه حِـيل و انـت الـ ـكفيـل ان كـان عـدنـا لـلحبـاب 7
    هلـي شـالوا علـى عـوج التواريـك 8 زماني صد و انطاني التواريك 9
    قـومي عـاد يـا نفسـي تـواريـكِ العـدوّ الـلـي بغـيبـتـنـا اشـتفى
    رحـال الهـم لـدعـيـهـا سـوانـح أَبـَـد مـا شـالها زمول السوانح
    بـعـدكـم مـا يسـليني ســوى نـوح و هـلاهـيـل الـمـدامـع و الـبكـا
    ابـات منـكـداً عيـشي و ألـَمْ حـلّ حزيـن مفارق حبابي و المحـل
    اريـد مـن الحبايـب بـس لمح الـ ـنظر و اقـول خاطركـم كفـى
    ثـغـرك يـا ظـريـف الـطـول بسـام و ريقك يَبريَ الملسوع بالسـمّ
    الا يـا مـاخذيـن الـروح بـس امـ ـهلونا لـنـودّع لـلحـبـاب
    بـثغـرك يـا ظـريف الطـول لمعـان على نوره يسير الحج لمعان 10
    بحياتـك يـا عشـير صبـاي لـم عَنّ على بالي سـوى شـخصك حدا
    نـزل دمـعـي علـى خـدي عندمـا غزير و لطّخ زياقي عن دما
    و كـل الـحـزن فاجانـي عندمـا رحلتـم ما افتكـرتم بـالايـاب
    ____________________________________
    ( 1 ) لـَيْ باب بمعنى لأيّ ( 2 ) ما اسدلّ أي ما استدلّ ( 3 ) سم لهم أي سمّاً لهم
    ( 4 ) متلتل أي مكوَّم ( 5 ) الشوح أي الإيماء باليد ( 6 ) الوشـِل : ماء في البريّة
    ( 7 ) أي : انا انوح على خلاني نوح المقيَّد الذي قبض عليه عرب عنزه وجرّوه اسيراً فأذبح للوليّ المدعو ويس ثلاثة من الضأن , اذا كان يكفل لنا العودة الى الأحباب
    ( 8 ) من الورك أي الجنب ( 9 ) اعطاني جنابه ( 10 ) معان مدينة تقع على طريق الحجاج
    بعض أقوال على المعنى
    اللازمة
    يا زين حسنك زاد وزنه عن قنوع اهل الذكا والفن تأتي لـك خضوع
    الفـرق مـا بيـن الثريـا والثرى الفين قامـه بالنـزول و بالطلـوع
    الفرق مـا بيـن الثريـا والثـرى الفـيـن قـامـه بـالتمـام مقـدَّره
    لو تعلموا بالصار فينا و الجرى قبل الرواح كنتوا تهموا عالرجـوع
    قبل الرجوع كنتوا تهموا عالرواح بلكي الهم يزول واحصل عانشراح
    يـوم غـرَّك مـا بضـرَّك بـعـد سـرَّك مـا انـبـاح
    حق البتول الطاهرة ام المسيح لحفظ ودادك مثل ما احفظ يسوع
    حق البتـول الطـاهـرة و الانبيا لاجلك تبعت الفن وتركت الصلاه
    مـو شـرطنـا عـاشـرتنـا و دشـرتنـا يـا ابـو الحـلا
    برجا جنابك ما بتسـمع لي كلام ليـش السـبب من يمنا نفسك قنوع
    برجا جنابك ما بتسـمع لـي كلام نحـن مـا عنـا خبـار ولا عـلام
    بـدر البـدور بـاعلـى القصـور مـع الطيـور لبـعـث سـلام
    يقولوا لكم بافصح لسان ويخبـِّروا بلكي انكم ليـَمـِّنـا تـرخـوا القلوع
    يقولوا لكم باحلى لسان و يخبـِّروا و القلـب عالفرقـات الله يصبـِّره
    يـوم الـلقى تعطـوا نقـى يكفـي بقـى تتكبــَّروا
    ما هوش حـق الله منكم يا فـلان تبدلوا سهل الهوى بوعر وقلوع
    ما هوش حـق الله منكم يا فـلان تـبدلـوا قمـح الصلـيـبـي بـزوان
    جسـمي لوى قلبـي اكتـوى جـملـه سـوى شـكـال و لـوان
    يا حسرتي ابكي على سعدي قليل السـعد بيطـالـع مويّـه مـن النبوع
    يا حسرتي ببكي على سعدي قليل كيفمـا مـال الهـوى قلبي يميـل
    صـدري طبـق قلبـي احتـرق يـوم الفـراق صبـراً جميـل
    الله يجازيكـم و يـا لكنتوا السبب والعين تبكي على مفارقة الربـوع
    غـيـره
    الـلازمـة
    يـا اله العرش يـا موجـود لا بـدّ مـا نفنـى طعـام الدود
    و الموت كاساته بترعبني نحـن تراب و للتراب نعـود
    و الموت كاساته بترعبني ربـي بذنبـي لا تحاسـبني
    جانـي بليس حتى يجرّبني عذّب ضميري في فكارالسود
    فـي فكـار السـود خوّفـني يا ما ليالي ما غمض جفني
    يا عين لازم في البلا تفـني وتحضري في موقف المعبود
    تبقي من الديـان مرهـوبه و الخطايـا بصـك مـكتـوبـه
    يا نفس ما داملك زمان توبه و اتذكـري قـول النبي داود
    وتذكَّري قـول النبي يونـان وتفكـّري في وقـفـة الديَّـان
    وبليـس نـاطر ميلة الميـزان و في هلاكـك يبـذل المجهود
    غيره
    اللازمة
    يا قلـب مالك و الهـوى القتـَّـالْ يـامـا قتـل متلـك بـدون قتـالْ
    لا رمح بيده ولا عصا ولا سيف بالوجد يضني الجسم والأوصال
    لا رمح بيده ولا عصا ولا سيف يقضي على الولهان ظلم وحيف
    و الـي يخـوض الحـب يتمرمر ويضيع عمره قبـل أن يوصل
    و الـي يخـوض الحـب يتمرمر ما بين ابيض و اسود و احمر
    يقضـي زمـانـه دوم بالتفكيـر و تبـات احـوالـه باسـوأ حـال
    يقضـي زمـانـه دوم بالتفكيـر و الـهـم عا قلبـه يصيـر كبيـر
    ويضيع ماله ويضطـرب حـالـه ما يظل عنده مـن العقل مثقـال
    ويضيع ماله ويضطـرب حـالـه و المـايشــوف الحـب نـيـالـه
    يرتاح باله و لا يشـوف الضيم يمشي بكيفـه يتبختـر و يتمايـل
    يرتاح باله و لا يشـوف الضيم و يحالـفـه التوفيق ربـي عليم
    يـا مـن تريـد الحـب ديـر بالك يامـا قتـل مثلـك بغيـر قتـال
    غيره
    اللازمة
    قال المعنى قول ما له مثال بين القلب والعين صار قتال
    القـلـب يتهـمهـا بـنـظرتهـا وهيَّ تقول للقلب انت ميـال
    القـلـب يتهـمهـا بـنـظرتهـا والعين تجري سيول عبرتها
    يا وقعةً ما بين قلب و عيـن ياما اشوف بين الاثنين هوال
    يا وقعةً ما بين قلب و عيـن من هولها رايح اعوف الدين
    يا رب تفرجها على المتلي وتغيّر الحـال باحسـن حـال
    يا رب تفرجها على المتلي من بحر جودك صبر تبعتلي
    على فرقة الاحباب قلبي داب والعين تبكي و الدمع سيَّـال
    عا فرقة الاحباب قلبي داب عـالـدوم يتمـرمـر و يتعـذب
    و الولف مسافر ما على باله يا حسرتي من خيبـة الآمـال
    بَيْن السَّـمْرَه وَ البِيْضَـه
    قالت البيضه اصلي من الحليب لو انطبخ بالرز مأكوله يطيب
    روحي وياسوده و يا قشر الزبيب شدّي وهدّي من بلدنا وارحلي
    السـمره
    ما قالـت السـمره انـا الفرفـوره يا حسن دولابي كما الناعوره
    روحي و لك بيضه ويـا مصفوره شدي وهدي من بلدنا وارحلي
    البيضـه
    ما قالت البيضه انا خبز الرقاق هالطيب الماكول من فوق الطباق
    روحي ولك سوده ويا سـيقان قـاق شـدي وهدي من بلدنا وارحلي
    السمره
    ما قالـت السـمره انـا بـنُّ اليمـن هالطيّب المشروب هالغالي الثمن
    روحي ولك بيضةويا ضرف اللبن رطله بمصريتين ولو انه غلي
    الحَكـَم
    قـوم يـا اديـب و افصـل دولـه واكتب لهم عرضين عند الدوله
    والبيـض لـو دقـوا بسبع طبوله والسمر ريش نعام فوق المخملي
    خـَاتـِمـَة
    هـذا مـا تمكنت من جمعه من هذه الصور , التي محت الايـام بعضها , وستمحو بقيتها وتستبدلها بما يتسرب إلينا بطريق التطور , مما يغزو بلادنا من عادات نقتبسها ونسير عليها إلى ما شاء الله . فأرجو من القرّاء الكرام أن يغضوا الطرف عما يُرى بمصوّري هذا من النقص , لأنني لست من رجال هذا الميدان . لكنها , كما يقول البدو,
    (( نوبَه وصارَتْ )) أو لك أن تـقول : (( رمـية من غير رام ٍ ))
    والسلام
    المؤلف
    يوسف موسى خنشت

    * * *
    هل صليت قبل فتح النت ؟
    تقبَّل الله

    * * *

  8. #8
    أنعم وأكرم الصورة الرمزية ملك النبك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    37

    افتراضي

    مشكووووووووور اخ خالد النفوري على احضار كتاب يوسف خنشت كاملا
    ومشكورين كل الي شاركو معنا


  9. #9
    أنعم وأكرم الصورة الرمزية فـراشـة الـربـيـع
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    الدولة
    مملكة البــ ح ــرين
    الجنس
    انثى
    المشاركات
    2,630

    افتراضي

    ..][ ملك النبــك ][..

    يعطيك العافيـــة على نقل هذه المعلومات ..
    عن البلد التي اححبتتها قبل ان أراهــاا ..
    كما انني اشكرالــ ع ــم ..][ خ"ـــاالد ][..
    لما اتـااه من معلومات كافية ..
    ولكن اكون صريحه لم اقرأها كاملة الانه وقتي ضيق جداا ..

    اشكركم ..
    والله لا يهينكم على النقـل ..

    تحيتي لكم

    \\

    كـم جميــل لو بقينــا
    ’’ اصدقـااء ’’

    \\

  10. #10
    أنعم وأكرم الصورة الرمزية lwoai
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    السعودية - الرياض- الدمام - البحرين - المنامة
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    2,028

    افتراضي

    كتاب طرائف الامس غرائب اليوم

    محمل على سيرفر منتدانا لمن يريده باجزائه الاثنان والعشرون

    بالتوفيق


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. صور اليوم الترفيهي لأطفال النبك (جمعية أصدقاء النبك)
    بواسطة فاعل شــ خيرـــر في المنتدى الأخبار و النشاطات والشؤون النبكية
    مشاركات: 43
    آخر مشاركة: 10-05-2011, 12:52 PM
  2. مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 22-01-2008, 07:09 PM
  3. مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 09-11-2006, 03:56 AM
  4. رسالة من شباب النبك إلى بنات النبك...ارحمونا..بيكفي هيك....
    بواسطة samer في المنتدى الحوار والنقاش العام
    مشاركات: 65
    آخر مشاركة: 07-06-2006, 07:17 PM

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •