رياض مالك
12-05-2008, 10:01 PM
باقة ود
بانوراما نبكية
نبكي الحبيبة أهلي الكرام
ينسى الغفى عيوني اذا بنساكم
عمر الهوى عمري انا وياكم - من اغاني فيروز
لأجل جرودك الشم الملتحفة بغطاء ناصع البياض منسوج بخيوط رقع الثلج .
لأجل تلالك الجرداء المسكوبة بصقيع كانون الثاني المختبئة تحت حجارتها فقع (كمأة ) لذيذ المذاق وقرصعان عذب الريق مرصع بفراء بني بديع تلك الروابي والتلال وسفوح الجبال المزينة بشجيرات اللزاب المتميزة بعطرها الفريد وسرعة اشتعالها
ضيعتي الغالية لأجل شوارعك المتألقة بعبير أهلها الميامين وشمائلهم الفاضلة المتألمة بوجع .. من إهمال مسؤوليها ....؟
لأجل أنهارك التي جفت ينابيعها (نهر الصالحية + نهر السقي المعروف بالغفري ونبع الشريعة ) بعدما روت حقولنا والبساتين وزينت سواقيها بشموخ أشجار الحور وعطاء أشجار الجوز وكرم أشجار المشمش واتكاء أغصان الصفصاف تتدلى قناديل تداعب سطح المياه المترقرقة مشكلة حركات موجيية بديعة الاشكال متعددة النغمات .
وحول أسياج حقولنا الصغيرة المزدانة بأشجار الزيزفون المعطرة وشجيرات الرمان المزينة بوردية زهر الجلنار فتفوح عطرا وتختال دلالا وتتمايل غنجا وتتجلى سحرا وتزداد بهجة عندما تتدلى عناقيد العنب حبات فائقة الحلاوة ممزوجة بحموضة خفيفة طيبة المذاق ما أمتعها مع قرص الجبنة وصحن الزيتون أو حبة مكدوس
بلى.. انها صور متلاحقة فائقة حد الجمال تميز أرضنا الخضراء المتعانقة الأغصان حيث تلقي ظلالها فتفرش الأرض فيئا" تصاحبها نسمات الصباح العليل وتفسح لأشعة الشمس الذهبية بالتسلل لتزيد الأرض والطرقات الترابية سحرا وغنجا ودلال وبهاء
هاهي مساكب البطاطا والجزر والثوم ومساكب الفصا (البرسيم) وقواطع الكوسا والفاصولياء المتعمشقة على عود الحور. وهذه الجداول تروي مساكب الفول وحقول القمح متابعة تدفقها إلى كرم العنب المسيجة بشجيرات التين والسماق
وقليلا من الورد الجوري البلدي .
وبعد مئات السنين وصحبة أجيال عديدة حرمنا من خيراتها وجمال ألوانها الخضراء الداكنة ضنت علينا وحرمتنا من جودها وكرمها التي اعتدنا عليه وجاءت سنين عجاف ألقت علينا القحل والجفاف ويباس الأشجار حيث تحولت أشجار الجوز الباسقة إلى سلعة مربحة لبعض الطامعين فتحولت الساحات إلى معرض لجذوع الجوز تباع بالمزاد العلني للشركات الأجنبية وبتنا في وسط شبه صحراوي صبغ حياتنا بألوانه ، فكان التحدي الكبير لاختبار ردود فعلنا على المتغيرات فاستنفرت الطاقات الكامنة في النفوس الكبيرة وظهرت الكفاءات العظيمة وصحت العيون الناعسة وكانت أهلا للاستجابة على التحدي وبدى الإصرار والعزيمة لتامين مصالح الحياة الراقية التي تليق بنا ونليق بها فتحققت مقولة سعادة بان المصلحة والإرادة هما قطبا المجتمع فالمصلحة تقرر.. والإرادة تحقق... ولما كانت المصلحة كبيرة وعظيمة ظهرت الإرادة والعزيمة والإصرار على قياسها .
وهكذا استمر تحسين الحياة والعمران وكان يمكن أن يكون أفضل وأجمل وأكمل لو رافقه خطة بديعة النظام وحمله قادة عظام يعملون بصمت وهدوء واطمئنان للمصلحة العامة مع توجيه سليم
نبكي المرسومة في ذاكرتي مع صقيع زواريبك وساحاتك وأحياؤك المتداخلة والمتجاورة بحنين وعناق
ذاك الذي يلف حياتنا لأشهر طوال.. معطلا حركة الحياة الطبيعية ويلقي بظلال الهدوء وسكون الليل شديد الظلام ليتيح للنجوم إظهار جمالها وشدة بريقها وكم يروق لي رؤية أذيال الشهب تتدلى تحفا فنية لا تفارق مخيلتي
ذاك السكون حيث تشعر بالأمان يدفع الناس للالتفاف حول المواقد فتسمع طقطقة البزر وفرقعة الكستناء وشرب المتة وأحيانا الشاي يتبعه تحليه بالتين المجفف والزبيب وهل ألذ من التين والزبيب مع قلوب الجوز وكم كان يحلو لنا شوي الجوز على صوبة الحطب أو داخلها بين الجمر والرماد
حبيبتي ... لأجل عيونك المكحلة بترابك أرضك الطاهرة الملون بدم شهداء الواجب العابق بريح المسك وشرف البطولة المؤيدة بصحة الانتماء إلى الأرض و ولاء الجميع للوطن .
لأجل أمهاتك النجيبات اللائي ساهمن بقوة في الإنتاج ومحاربة الفقر والعوز ومارسن الجهاد والكفاح جنبا إلى جنب مع أزواجهن وإخوانهن وبذلنا العرق والدم لأجل البناء ورعاية الأطفال والسهر على مصالحهم وتطورهم خاصة في حال غياب الأب بسبب الشهادة أو الهجرة .
وبعد سنوات عجاف طال أمدها أتت أعوام الخير والنعمة والبركة وقد تأقلمنا معها تعويضا" من الله عن الشقاء والحرمان ففرشنا الأرض سجاجيد مزركشة بألوان الطيف ومطعمة بسنابل العطاء وواكبنا التطور والازدهار وأنشأنا جيل المعرفة والمعرفة قوة ولا زلنا بحاجة إلى التخصصات في الدراسات العليا وملامحها بادية للعيان
لأجل عيونك الحالمة المتمثلة في طباع شبابك الطامح لتغيير الحياة للأفضل وتحسين مستواها ورفع مستوى المعيشة بتحويل الكثير من الكماليات إلى حاجات مع تنظيم طرق الإنتاج وتغيير أساليبه بإرساء قواعد سليمة للانطلاق إلى الإنتاج المشترك أي الانتاج المجتمعي وتخفيف حدة (الأنا) بقصد الوصول إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية وانجاز المهام المنوطة بهم سعيا حثيثا لبلوغ الغايات الكبرى بعيدة المدى ذات الأهمية العالية مع احترام عنصر الزمن كشرط أساسي ولازم لتحويلها إلى واقع وتنظيم الوقت الذي لا يمكن تخزينه والاستفادة منه للعمل على زيادة الإنتاج وتوزيع الغنى العادل .... ؟؟
في ذاكرتي خيالات لا تمحوها إلا فقد الذاكرة أو الموت لحياة بسيطة ...
في الصباح الباكر ومع شروق الشمس أشاهد الفلاحون يمتطون ظهور دوابهم قاصدين حقولهم ..
ليشقوا الأرض بالمر و المعزق أو سكة يجرها بغل أو حمار مكدونة في رقابهم ليفسحوا المجال أمام أشعة الشمس لتعانق حبيباتها التي حجبت النور عنها شقيقاتها الغافية على السطح ......كما تفسح للهواء الفرصة لمدها بحاجتها من الأوكسجين
ولقطرات الندى من تقبيل أكبر عدد من ذرتها
وبعد جهد كبير ومضني يفتحون زوادة الفطور من جبنة و زيتون محلاة بسراحة من الدبس ثم يعودون لعملهم بجد ونشاط ينتظرون قدوم نسائهم يحملن على رؤوسهن صرة الغداء ضمن قفة من القش أو كفكورة نسجتها أياديهن الماهرة والطاهرة وبعد عناء وشقاء يعودون الى بيوتهن متعبين ليستريحوا استعدادا ليوم عمل جديد وانتظار حصاد وفير !!
منهم من يغلبه النوم ومنهم من يرتاد المنزول عند كبير العائلة او الحي يشربون القهوة المرة والشاي ويسمع و يشارك في الحديث الدائر والبعض لا يحرم نفسه من نفس أركيلة عجمي أو لاذقاني وقد اصطفت الاراكيل على شباك المنزول بانتظام كصف العسكر
وهل أجمل من مواسم الزرع والغرس ونثر الحبوب وانتظار مواسم الحصاد وجني المحاصيل التي تصاحبها مناظر البيادر المستقبلة لأحمال الدواب الراجدة لسنابل القمح والشعير ليبدأ الدرس على المورج والتذرية بالمدري والشوعوب وجمع حباب الخير وتخزين ما يلزم للطحن والعجين والخبز على التنور وانتقاء الأفضل من حبوب قمح السقي للزرع في المواسم القادمة وأخذ ما يلزم للسلاق في الجعيلة حيث يوقد تحتها من فضلات غصون الاشجار والتبن والقش وأحيانا ناتج كساح الجفين (دوالي العنب) فينضج القمح وينشر على السطح ليجف و يجرش لتحصل على البرغل الناعم للكبة والخشن للدفين أو تقديمه مسلوق مع السمنة ليقدم مع الشاكرية والفاصوليا الميبسة كما نحصل على البرغل الناعم (الصرصورة )لعمل شوربة دافئة ولذيذة
ما أجمله من منظر معبر عن التعاون والتكاتف والتآلف يوم تنصب الجعيلة في ساحة الحي .. الجميع يتسابق للمشاركة في الوقد والتحريك والتقليب ثم التعبئة والنشل إلى المعجن لتقوم الصبايا برفعه على السلم الخشبي حيث ينتظرها شاب قوي البنية ليخطف المعجن من فوق رأسها بخفة ورشاقة ومن الطيب أن يترافق موسم السلاق مع وجود البطيخ والعرانيس حيث تؤكل مسلوقة ومشوية ثم يفرد طبق من القمح المسلوق الماوي المزين بالسكر وجوز الهند ويقطع البطيخ فيلتم شمل المشاركين وينسى كل تعبه
في تلك الزحمة من إعداد المونة ومع بداية موسم الخريف ينطلق الفلاحون جماعات مع أولادهم لقطاف
الجوز والعنب و البدء بعملية السطاح لتحويل عناقيد العنب إلى حبات الزبيب ينتقون أجوده لحفظه لسهرات الشتاء الطويلة وتقديمه مع قلوب الجوز المجففة والتين اليابس
بعدها يبدأ موسم الدراس **درس الزبيب وتجميعه كومة من الزبيب المهروس تغطى وترش بتراب نقي يجلب من المتربة شرق النبك وقد أصبح حيا سكنيا مع البيادر الشرقية ذاك التراب الذي استخدم كثيرا بعد تحميصه علاج لسماط الأطفال وطينة جدران المنزل بعد خلطه بالعور (تبن ناعم) وتخميره بعد نقعه بالماء ومن ثم تهيئة الجدران لوجوه ثلاثة من الحوارة
فاتني جمع الشنان وحرقه ودخانه الأبيض ليتحول إلى ايلوة تستخدم بعد حلها بالماء وقليلا من الزيت لحماية الأيدي[ من التخرش والحروق الخفيفة وإضفاء لمعان على سطح حبات الزبيب مع حفظ القشرة مرنة بعد تجميع صناديق العنب والسلال يوضع طبق من النحاس فيه محلول الايلوة والزيت ثم يغطس العنب وينشر في مسطاح (قطعة من الارض ترش بالماء وترص بالمدحلة) معد لذلك جانب الكروم
و ذلك الطبق يستخدم لغسيل الملابس وصويل القمح
وبعد ما يقارب الشهرين في كوانين حيث الثلوج تغمر حاراتنا وتكسو سفوح جبالنا
يبدأ فت الدريس بالقدوم وتنقع الفتة في تاغور على شكل قمع فيحول إلى جلاب يصفى بمصفات الشيح العرابي ويحمل الى الجعيلة فيسكب في داخلها وتوقد النار
أسفل الجعيلة النحاسية ويطبخ مع التحريك الدائم حتى يبلغ درجة الغليان
بعدها تبدأ التشلية حيث يتصاعد البخار ويزداد الدبس لكثافة محدودة ليصبح دبسا طيب المذاق دون أي اضافات ..كان يزين موائدنا ومن لم يتذوقه بالطحينة فليجرب ولا ينسى أن يوصي على الشبربقة ليختبر سلامة أسنانه .
آآه ما ألذ الشغليل بالقنب المحمص والمكسرات من الجوز واللوز والفستق الحلبي ورشة جوز الهند المبشور
القافلة طويلة والصور تتلاحق موجات ولوحات وأنغام.
ونأتي إلى العرس النبكي الذي تميز بالتعاون والمشاركة مع فنون الرقص التعبيري والدبكات ولعب السيف والترس ونادرا ما يمر عرس بدون عشاء الدفين المقبع باللحم ولا مجال لرسم صورة الأعراس فقد كتب عنها الكثير ولكن ما أريد التنويه عنه أن المدعوين كانوا يذهبون للمشاركة وتبادل التهاني والفرح
بينما حالنا اليوم أن الغالبية تذهب للفرجة والانتقاد
سأذكر تحضير الكشك حيث ينقع البرغل القديم مع الحليب واللبن والخميرة في خابية فخارية أو لج فخاري ويترك ليتخمر ثم ينشر على البلاس (يحاك كالبساط على النول )بعد تقطيعه بعصره باليد على أشكال متعددة ثم يجفف ويطحن بالطاحون ويتحول إلى كشك يستخدم للأكلات الشعبية ك .
.. كشك حبوب ..كشكة خضرا..وكبة كشك
أما جرن الكبة الحجر ومدقة الخشب المزينة بزنود أمهاتنا فحكايته طويلة
انه مثال التعاون وإنتاج ما لذ وطاب من فنون الكبة
كبة مسلوقة بالكشك – كبة باللبنية-- كبة مشوية—كبة مقلية – والمشمشية وهي
(كبة مسلوقة مع اللبن المطبوخ مع موزات الغنم والفول الأخضر والسلق )
وهذه قائمة من بعض الأكلات المحلية : برغل سماح - برغل بالبطاطا – مجدرة
(وهي برغل وعدس ولوبياء مع البصل المقلي بالزيت البلدي )
الصلص والملقسة مع كبة حيلة ودفين وأكلات أمي(رحمها الله) التي أعشقها
الكبة بأنواعها المذكورة مع شوربة العدس والشاكرية مع الرز وشيخ المحشي ويقطينة باللبن مع اللحم المفروم والصنوبر و يقطينة حامضة ويخنا و مكمور
واليبرق ( ورق العنب ) و الرز بالبازلاء و الرز و شلباطو و فاصولياء خضراء حب وعريضة وتسمى (عيشة خانم ) والملوخية والفخذة ويخني بالموزات أو الدجاج وصواني الفرن المشكلة مثل (شرحات البطاطا – كواج الخضار – وفروج مع الخضار المشكلة )مع قائمة لا تنتهي من وجبات الفطور بعد كل خبزه على التنور مثل جرة فول مدمس أو حمص ليعمل به المسبحة والتسقية والفتة وأحيانا شوربة الصر صورة بالبصل واللحم المفروم وسلة مؤونة لعام أو أكثر وتتألف من
زيتون أسود وأخضر جلط ودان واسطنبولي وتفاحي وسلقيني أو من جبل الشيخ
والمكدوس (باذنجان – فاصولياء – فليفلة ) واللبنة والجبنة والجبنة بالزيت والزعتر الأخضرومربيات المشمش ( مشمش حب – مفقش – مرملاد – ممروت )وسفرجل شرائح و مبشور وتفاح محشي بالجور و باذنجان و يقطين و كرز
وأعتقد أن الوقت حان لإقفال صفحة الذكريات والتوجه نحو الأمنيات الطيبة لجيل الغد الواعد بالتمسك بثقافة الغذاء الطبيعي وخاصة ما تنتجه بلادنا الغالية من خيرات والابتعاد عن ثقافة المعلبات والهمبرغر الوافدة بزخم تغزو بيوتنا وتحارب موروثنا الفكري فتلقي بظلال طغيانها بأشكال ظاهرها جميل وباطنها خطير
ليتنا يا أحبائي نحافظ على أجمل ما تركه لنا أهلنا من مناقب وعادات وتقاليد ...؟
لأجل كل ذلك أضع خبرتي أمامكم مع الاستعداد التام لبذل كل الجهود المطلوبة لإنجاح فكرة لطالما تحدثت عنها وحرضني الشباب على تحمل مسؤوليتها وتوليها إعدادا وإخراجا وتنفيذا .. عاملا بجد ونشاط لبلوغ التمنيات وتحويل النظرية الى واقع ملموس وجعلها أنموذجا يحتذى به ويساعد الجميع على الاقتداء به ...
ثقتي كبيرة وعزمي أكيد وروحي متوثبة وهمتي عالية للعمل والإعداد وتحمل المسؤولية بأمانة لتسليمها لأجيال تسلحت بالمعرفة والفهم ..
سائلين المولى جل جلاله أن يوفقنا لما فيه خير الجميع .
وختاما أحبك يا بلدي رغم بعدي عنك ولأجلك هذا القليل..........
و ان مت فليكن ترابك الطاهر كحل جفوني وستر عيوني ..................
وبتسألني ان كنت بحبك حبيتك أكتر ما فيي
رياض مالك -- الدمام
بانوراما نبكية
نبكي الحبيبة أهلي الكرام
ينسى الغفى عيوني اذا بنساكم
عمر الهوى عمري انا وياكم - من اغاني فيروز
لأجل جرودك الشم الملتحفة بغطاء ناصع البياض منسوج بخيوط رقع الثلج .
لأجل تلالك الجرداء المسكوبة بصقيع كانون الثاني المختبئة تحت حجارتها فقع (كمأة ) لذيذ المذاق وقرصعان عذب الريق مرصع بفراء بني بديع تلك الروابي والتلال وسفوح الجبال المزينة بشجيرات اللزاب المتميزة بعطرها الفريد وسرعة اشتعالها
ضيعتي الغالية لأجل شوارعك المتألقة بعبير أهلها الميامين وشمائلهم الفاضلة المتألمة بوجع .. من إهمال مسؤوليها ....؟
لأجل أنهارك التي جفت ينابيعها (نهر الصالحية + نهر السقي المعروف بالغفري ونبع الشريعة ) بعدما روت حقولنا والبساتين وزينت سواقيها بشموخ أشجار الحور وعطاء أشجار الجوز وكرم أشجار المشمش واتكاء أغصان الصفصاف تتدلى قناديل تداعب سطح المياه المترقرقة مشكلة حركات موجيية بديعة الاشكال متعددة النغمات .
وحول أسياج حقولنا الصغيرة المزدانة بأشجار الزيزفون المعطرة وشجيرات الرمان المزينة بوردية زهر الجلنار فتفوح عطرا وتختال دلالا وتتمايل غنجا وتتجلى سحرا وتزداد بهجة عندما تتدلى عناقيد العنب حبات فائقة الحلاوة ممزوجة بحموضة خفيفة طيبة المذاق ما أمتعها مع قرص الجبنة وصحن الزيتون أو حبة مكدوس
بلى.. انها صور متلاحقة فائقة حد الجمال تميز أرضنا الخضراء المتعانقة الأغصان حيث تلقي ظلالها فتفرش الأرض فيئا" تصاحبها نسمات الصباح العليل وتفسح لأشعة الشمس الذهبية بالتسلل لتزيد الأرض والطرقات الترابية سحرا وغنجا ودلال وبهاء
هاهي مساكب البطاطا والجزر والثوم ومساكب الفصا (البرسيم) وقواطع الكوسا والفاصولياء المتعمشقة على عود الحور. وهذه الجداول تروي مساكب الفول وحقول القمح متابعة تدفقها إلى كرم العنب المسيجة بشجيرات التين والسماق
وقليلا من الورد الجوري البلدي .
وبعد مئات السنين وصحبة أجيال عديدة حرمنا من خيراتها وجمال ألوانها الخضراء الداكنة ضنت علينا وحرمتنا من جودها وكرمها التي اعتدنا عليه وجاءت سنين عجاف ألقت علينا القحل والجفاف ويباس الأشجار حيث تحولت أشجار الجوز الباسقة إلى سلعة مربحة لبعض الطامعين فتحولت الساحات إلى معرض لجذوع الجوز تباع بالمزاد العلني للشركات الأجنبية وبتنا في وسط شبه صحراوي صبغ حياتنا بألوانه ، فكان التحدي الكبير لاختبار ردود فعلنا على المتغيرات فاستنفرت الطاقات الكامنة في النفوس الكبيرة وظهرت الكفاءات العظيمة وصحت العيون الناعسة وكانت أهلا للاستجابة على التحدي وبدى الإصرار والعزيمة لتامين مصالح الحياة الراقية التي تليق بنا ونليق بها فتحققت مقولة سعادة بان المصلحة والإرادة هما قطبا المجتمع فالمصلحة تقرر.. والإرادة تحقق... ولما كانت المصلحة كبيرة وعظيمة ظهرت الإرادة والعزيمة والإصرار على قياسها .
وهكذا استمر تحسين الحياة والعمران وكان يمكن أن يكون أفضل وأجمل وأكمل لو رافقه خطة بديعة النظام وحمله قادة عظام يعملون بصمت وهدوء واطمئنان للمصلحة العامة مع توجيه سليم
نبكي المرسومة في ذاكرتي مع صقيع زواريبك وساحاتك وأحياؤك المتداخلة والمتجاورة بحنين وعناق
ذاك الذي يلف حياتنا لأشهر طوال.. معطلا حركة الحياة الطبيعية ويلقي بظلال الهدوء وسكون الليل شديد الظلام ليتيح للنجوم إظهار جمالها وشدة بريقها وكم يروق لي رؤية أذيال الشهب تتدلى تحفا فنية لا تفارق مخيلتي
ذاك السكون حيث تشعر بالأمان يدفع الناس للالتفاف حول المواقد فتسمع طقطقة البزر وفرقعة الكستناء وشرب المتة وأحيانا الشاي يتبعه تحليه بالتين المجفف والزبيب وهل ألذ من التين والزبيب مع قلوب الجوز وكم كان يحلو لنا شوي الجوز على صوبة الحطب أو داخلها بين الجمر والرماد
حبيبتي ... لأجل عيونك المكحلة بترابك أرضك الطاهرة الملون بدم شهداء الواجب العابق بريح المسك وشرف البطولة المؤيدة بصحة الانتماء إلى الأرض و ولاء الجميع للوطن .
لأجل أمهاتك النجيبات اللائي ساهمن بقوة في الإنتاج ومحاربة الفقر والعوز ومارسن الجهاد والكفاح جنبا إلى جنب مع أزواجهن وإخوانهن وبذلنا العرق والدم لأجل البناء ورعاية الأطفال والسهر على مصالحهم وتطورهم خاصة في حال غياب الأب بسبب الشهادة أو الهجرة .
وبعد سنوات عجاف طال أمدها أتت أعوام الخير والنعمة والبركة وقد تأقلمنا معها تعويضا" من الله عن الشقاء والحرمان ففرشنا الأرض سجاجيد مزركشة بألوان الطيف ومطعمة بسنابل العطاء وواكبنا التطور والازدهار وأنشأنا جيل المعرفة والمعرفة قوة ولا زلنا بحاجة إلى التخصصات في الدراسات العليا وملامحها بادية للعيان
لأجل عيونك الحالمة المتمثلة في طباع شبابك الطامح لتغيير الحياة للأفضل وتحسين مستواها ورفع مستوى المعيشة بتحويل الكثير من الكماليات إلى حاجات مع تنظيم طرق الإنتاج وتغيير أساليبه بإرساء قواعد سليمة للانطلاق إلى الإنتاج المشترك أي الانتاج المجتمعي وتخفيف حدة (الأنا) بقصد الوصول إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية وانجاز المهام المنوطة بهم سعيا حثيثا لبلوغ الغايات الكبرى بعيدة المدى ذات الأهمية العالية مع احترام عنصر الزمن كشرط أساسي ولازم لتحويلها إلى واقع وتنظيم الوقت الذي لا يمكن تخزينه والاستفادة منه للعمل على زيادة الإنتاج وتوزيع الغنى العادل .... ؟؟
في ذاكرتي خيالات لا تمحوها إلا فقد الذاكرة أو الموت لحياة بسيطة ...
في الصباح الباكر ومع شروق الشمس أشاهد الفلاحون يمتطون ظهور دوابهم قاصدين حقولهم ..
ليشقوا الأرض بالمر و المعزق أو سكة يجرها بغل أو حمار مكدونة في رقابهم ليفسحوا المجال أمام أشعة الشمس لتعانق حبيباتها التي حجبت النور عنها شقيقاتها الغافية على السطح ......كما تفسح للهواء الفرصة لمدها بحاجتها من الأوكسجين
ولقطرات الندى من تقبيل أكبر عدد من ذرتها
وبعد جهد كبير ومضني يفتحون زوادة الفطور من جبنة و زيتون محلاة بسراحة من الدبس ثم يعودون لعملهم بجد ونشاط ينتظرون قدوم نسائهم يحملن على رؤوسهن صرة الغداء ضمن قفة من القش أو كفكورة نسجتها أياديهن الماهرة والطاهرة وبعد عناء وشقاء يعودون الى بيوتهن متعبين ليستريحوا استعدادا ليوم عمل جديد وانتظار حصاد وفير !!
منهم من يغلبه النوم ومنهم من يرتاد المنزول عند كبير العائلة او الحي يشربون القهوة المرة والشاي ويسمع و يشارك في الحديث الدائر والبعض لا يحرم نفسه من نفس أركيلة عجمي أو لاذقاني وقد اصطفت الاراكيل على شباك المنزول بانتظام كصف العسكر
وهل أجمل من مواسم الزرع والغرس ونثر الحبوب وانتظار مواسم الحصاد وجني المحاصيل التي تصاحبها مناظر البيادر المستقبلة لأحمال الدواب الراجدة لسنابل القمح والشعير ليبدأ الدرس على المورج والتذرية بالمدري والشوعوب وجمع حباب الخير وتخزين ما يلزم للطحن والعجين والخبز على التنور وانتقاء الأفضل من حبوب قمح السقي للزرع في المواسم القادمة وأخذ ما يلزم للسلاق في الجعيلة حيث يوقد تحتها من فضلات غصون الاشجار والتبن والقش وأحيانا ناتج كساح الجفين (دوالي العنب) فينضج القمح وينشر على السطح ليجف و يجرش لتحصل على البرغل الناعم للكبة والخشن للدفين أو تقديمه مسلوق مع السمنة ليقدم مع الشاكرية والفاصوليا الميبسة كما نحصل على البرغل الناعم (الصرصورة )لعمل شوربة دافئة ولذيذة
ما أجمله من منظر معبر عن التعاون والتكاتف والتآلف يوم تنصب الجعيلة في ساحة الحي .. الجميع يتسابق للمشاركة في الوقد والتحريك والتقليب ثم التعبئة والنشل إلى المعجن لتقوم الصبايا برفعه على السلم الخشبي حيث ينتظرها شاب قوي البنية ليخطف المعجن من فوق رأسها بخفة ورشاقة ومن الطيب أن يترافق موسم السلاق مع وجود البطيخ والعرانيس حيث تؤكل مسلوقة ومشوية ثم يفرد طبق من القمح المسلوق الماوي المزين بالسكر وجوز الهند ويقطع البطيخ فيلتم شمل المشاركين وينسى كل تعبه
في تلك الزحمة من إعداد المونة ومع بداية موسم الخريف ينطلق الفلاحون جماعات مع أولادهم لقطاف
الجوز والعنب و البدء بعملية السطاح لتحويل عناقيد العنب إلى حبات الزبيب ينتقون أجوده لحفظه لسهرات الشتاء الطويلة وتقديمه مع قلوب الجوز المجففة والتين اليابس
بعدها يبدأ موسم الدراس **درس الزبيب وتجميعه كومة من الزبيب المهروس تغطى وترش بتراب نقي يجلب من المتربة شرق النبك وقد أصبح حيا سكنيا مع البيادر الشرقية ذاك التراب الذي استخدم كثيرا بعد تحميصه علاج لسماط الأطفال وطينة جدران المنزل بعد خلطه بالعور (تبن ناعم) وتخميره بعد نقعه بالماء ومن ثم تهيئة الجدران لوجوه ثلاثة من الحوارة
فاتني جمع الشنان وحرقه ودخانه الأبيض ليتحول إلى ايلوة تستخدم بعد حلها بالماء وقليلا من الزيت لحماية الأيدي[ من التخرش والحروق الخفيفة وإضفاء لمعان على سطح حبات الزبيب مع حفظ القشرة مرنة بعد تجميع صناديق العنب والسلال يوضع طبق من النحاس فيه محلول الايلوة والزيت ثم يغطس العنب وينشر في مسطاح (قطعة من الارض ترش بالماء وترص بالمدحلة) معد لذلك جانب الكروم
و ذلك الطبق يستخدم لغسيل الملابس وصويل القمح
وبعد ما يقارب الشهرين في كوانين حيث الثلوج تغمر حاراتنا وتكسو سفوح جبالنا
يبدأ فت الدريس بالقدوم وتنقع الفتة في تاغور على شكل قمع فيحول إلى جلاب يصفى بمصفات الشيح العرابي ويحمل الى الجعيلة فيسكب في داخلها وتوقد النار
أسفل الجعيلة النحاسية ويطبخ مع التحريك الدائم حتى يبلغ درجة الغليان
بعدها تبدأ التشلية حيث يتصاعد البخار ويزداد الدبس لكثافة محدودة ليصبح دبسا طيب المذاق دون أي اضافات ..كان يزين موائدنا ومن لم يتذوقه بالطحينة فليجرب ولا ينسى أن يوصي على الشبربقة ليختبر سلامة أسنانه .
آآه ما ألذ الشغليل بالقنب المحمص والمكسرات من الجوز واللوز والفستق الحلبي ورشة جوز الهند المبشور
القافلة طويلة والصور تتلاحق موجات ولوحات وأنغام.
ونأتي إلى العرس النبكي الذي تميز بالتعاون والمشاركة مع فنون الرقص التعبيري والدبكات ولعب السيف والترس ونادرا ما يمر عرس بدون عشاء الدفين المقبع باللحم ولا مجال لرسم صورة الأعراس فقد كتب عنها الكثير ولكن ما أريد التنويه عنه أن المدعوين كانوا يذهبون للمشاركة وتبادل التهاني والفرح
بينما حالنا اليوم أن الغالبية تذهب للفرجة والانتقاد
سأذكر تحضير الكشك حيث ينقع البرغل القديم مع الحليب واللبن والخميرة في خابية فخارية أو لج فخاري ويترك ليتخمر ثم ينشر على البلاس (يحاك كالبساط على النول )بعد تقطيعه بعصره باليد على أشكال متعددة ثم يجفف ويطحن بالطاحون ويتحول إلى كشك يستخدم للأكلات الشعبية ك .
.. كشك حبوب ..كشكة خضرا..وكبة كشك
أما جرن الكبة الحجر ومدقة الخشب المزينة بزنود أمهاتنا فحكايته طويلة
انه مثال التعاون وإنتاج ما لذ وطاب من فنون الكبة
كبة مسلوقة بالكشك – كبة باللبنية-- كبة مشوية—كبة مقلية – والمشمشية وهي
(كبة مسلوقة مع اللبن المطبوخ مع موزات الغنم والفول الأخضر والسلق )
وهذه قائمة من بعض الأكلات المحلية : برغل سماح - برغل بالبطاطا – مجدرة
(وهي برغل وعدس ولوبياء مع البصل المقلي بالزيت البلدي )
الصلص والملقسة مع كبة حيلة ودفين وأكلات أمي(رحمها الله) التي أعشقها
الكبة بأنواعها المذكورة مع شوربة العدس والشاكرية مع الرز وشيخ المحشي ويقطينة باللبن مع اللحم المفروم والصنوبر و يقطينة حامضة ويخنا و مكمور
واليبرق ( ورق العنب ) و الرز بالبازلاء و الرز و شلباطو و فاصولياء خضراء حب وعريضة وتسمى (عيشة خانم ) والملوخية والفخذة ويخني بالموزات أو الدجاج وصواني الفرن المشكلة مثل (شرحات البطاطا – كواج الخضار – وفروج مع الخضار المشكلة )مع قائمة لا تنتهي من وجبات الفطور بعد كل خبزه على التنور مثل جرة فول مدمس أو حمص ليعمل به المسبحة والتسقية والفتة وأحيانا شوربة الصر صورة بالبصل واللحم المفروم وسلة مؤونة لعام أو أكثر وتتألف من
زيتون أسود وأخضر جلط ودان واسطنبولي وتفاحي وسلقيني أو من جبل الشيخ
والمكدوس (باذنجان – فاصولياء – فليفلة ) واللبنة والجبنة والجبنة بالزيت والزعتر الأخضرومربيات المشمش ( مشمش حب – مفقش – مرملاد – ممروت )وسفرجل شرائح و مبشور وتفاح محشي بالجور و باذنجان و يقطين و كرز
وأعتقد أن الوقت حان لإقفال صفحة الذكريات والتوجه نحو الأمنيات الطيبة لجيل الغد الواعد بالتمسك بثقافة الغذاء الطبيعي وخاصة ما تنتجه بلادنا الغالية من خيرات والابتعاد عن ثقافة المعلبات والهمبرغر الوافدة بزخم تغزو بيوتنا وتحارب موروثنا الفكري فتلقي بظلال طغيانها بأشكال ظاهرها جميل وباطنها خطير
ليتنا يا أحبائي نحافظ على أجمل ما تركه لنا أهلنا من مناقب وعادات وتقاليد ...؟
لأجل كل ذلك أضع خبرتي أمامكم مع الاستعداد التام لبذل كل الجهود المطلوبة لإنجاح فكرة لطالما تحدثت عنها وحرضني الشباب على تحمل مسؤوليتها وتوليها إعدادا وإخراجا وتنفيذا .. عاملا بجد ونشاط لبلوغ التمنيات وتحويل النظرية الى واقع ملموس وجعلها أنموذجا يحتذى به ويساعد الجميع على الاقتداء به ...
ثقتي كبيرة وعزمي أكيد وروحي متوثبة وهمتي عالية للعمل والإعداد وتحمل المسؤولية بأمانة لتسليمها لأجيال تسلحت بالمعرفة والفهم ..
سائلين المولى جل جلاله أن يوفقنا لما فيه خير الجميع .
وختاما أحبك يا بلدي رغم بعدي عنك ولأجلك هذا القليل..........
و ان مت فليكن ترابك الطاهر كحل جفوني وستر عيوني ..................
وبتسألني ان كنت بحبك حبيتك أكتر ما فيي
رياض مالك -- الدمام