رياض مالك
16-03-2008, 01:35 PM
بين حدين
يولد الفرد وينمو وبين جوانحه , وفوق رموش أهدابه , وعلى ذيل أثوابه , وتحت ثنايا صدره , وفي عمق وجدانه , تتعمشق ذرات من تراب بلاده ...
وبين مرارة الواقع وحلاوة الغد ينطلق شبابنا في رحلة اغتراب سعياً للتغيير وتبقى عيونهم شاخصة في وجوه أهلهم وأحبتهم وأصدقائهم وخلانهم وجيرانهم ... فأي بشاعة وأي فظاعة وأي مرارة يوم نقتلع الفرد من محيطه الطبيعي وجذوره عالقة ومتشبثة في ذرى بلاده ! ليواجه محيطاً اصطناعياُ بكل ما فيه ...؟
ببساطة ومزيج من الجبرية والاختيار نرمي به في صحارى لا حياة فيها .. بقصد التحصيل ورفع مستوى الحياة وتحسين الدخل فتتحول حركته إلى حركة آلية " ميكانيكية " أجمل ما فيها رؤية الإنجازات تتحقق يوم يحوَِل النظريات إلى واقع ,, وأبشع ما فيها انفصال الروح عن الجسد وأن كل ما تبدعه عقولنا النيّرة وأيادينا الماهرة لا يُسب إلينا ولا يدخل في سجل أحداثنا ..إنما يُكافئ بتعويض مادي لا يوازي حجم الجهود المبذولة ...!
حب كبير لسوريانا بلغ حد الهيام وأمل كبير ببزوغ فجر جديد يُنبئ وحدتها وخلاصها من اليهود المغتصبين لجزء من وطننا واستئصال هذا الورم الخبيث .. واستعادة ما اقتطع من أجزاء غالية على قلوب السوريين بالإقناع والقانون ... أو بالقوة .
كل أب يعشق أبناءه ويتمنى لهم الخير ويحاول بقاءهم أمام ناظريه أطول وقت ممكن وفي صراع داخلي بين الرغبة والعواطف وبين ما هو أفضل لمستقبلهم اخترت عودتهم لوطنهم الأم وربطهم بمحيطهم وتعلقهم بحب الوطن ومعرفة معنى المواطنة الصالحة المتوجة بجني المعرفة وتحصيل العلوم في مدارس الأمة وجامعاتها ليساهموا بنقل المجتمع من الضعف إلى القوة ومن الجهل إلى المعرفة والفهم ..
فنالوا ما تمنيت وجعلوا همهم مصلحة الأمة فوق كل مصلحة وخسرت الكثير مقابل ذلك ... رعايتهم والسهر على راحتهم .. مراقبة نموهم وقراءة التطورات على وجوههم واقتباس النور من لمعان عيونهم ومشاهدة حركاتهم وخلجاتهم وضمهم إلى صدري وتأمين الشعور لهم بالأمان مع دفق من العطف والحنان ,,, ولكن شريكة الحياة والأم الرؤوم لم تبخل ولم تقصر بتقديم أجود ما لديها لتعويضهم وتوجيه دفة المركب في الاتجاه الصحيح ..
كان لا بد من التنازل عن أشياء مقابل أخرى فتحولت أغلب جوانب الحياة إلى جزئيات يحار الفرد في قراراته ,, والنتيجة الطبيعية مرارة البعد وحلاوة تأمين الأفضل فالغاية تأمين الطريق لبلوغ التعليم الجامعي والتخصص إن أمكن .. أعتقد أنــه شكل من التفاني أن يرضى الأب الحياة بعيداً عن أبنائه لقاء حياتهم بشكل طبيعي ... وأجمل
ربما استطاع البعض بناء صروح وأمجاد دون اغتراب معتمدين على قواعد انطلاق , ولكن أن تخرج من تحت التراب لتواجه التحديات وتقتحم الحواجز وتخترق الصعاب وأنت شبه عاري وفي أحسن الأحوال نصف مكسي تستعير ثياب أقربائك لأخذ صورة جامعة مع أشقائك لترسلها إلى الكويت للأخ الأكبر الذي هاجر مكافحاً في سن المراهقة ليسد فراغ غياب الأب المبكر وتركنا لأم صبية لا تملك إلا الإصرار والإرادة الصلبة تناضل وتشقى لنبقى أحياء ...
أعتقد بل أجزم بأن فرص أمثالنا نادرة ولكن واقع بلدتنا النبك الغالية والقريبة من نفسي والساكنة في فؤادي رغم تصحرها وشح مياهها وجفاف ينابيع أنهارها وشدة بردها وقلة مواردها ساهمت بكل فخر واعتزاز بتقديم المال والأنفس لتحرير الأرض من نير المستعمر الفرنسي بمعارك يشهد لها التاريخ مطرزة بخيوط لونها لون دم وريحها ريح مسك تفوح من دم شهداء الواجب ...
كبرنا وكبر الأولاد ترافق ذلك مع السعي الحثيث لمنع هجرتهم سعي أزهر ولم يثمر ... واليوم أقف محدقاً بالأفق البعيد ناظراً بعين مجردة إلى هذا الواقع الجديد الذي فرض هجرة ثلاثة من أبنائي , والرابع يكمل تحصيله الجامعي منتظراً فرصة الاغتراب ... فأي سبل الحياة لازمتنا وكيف نبدل المنهج لشق الطريق والانتصار على هذا الواقع ...؟
غادرت الوطن منذ سنة ونصف ونيف تاركاً خلفي بيتاً أحبه وأسرة كل ما فيها جميل وكل خلاياها تسكن وجداني وتكمن في خلدي رمتني الديون خلف الحدود , رغم أنها أقل من الديون المستحقة لي عند الآخرين ...!
إشكاليات جديدة تظهر كل يوم أهمها زواج الأبناء وإيجاد مسكن لهم واجتماع الأسرة كاملة ولو مرة واحدة في العام أصبحنا بحاجة إلى تنظيم إجازات الجميع في وقت محدد هذا قد لا يتحقق إلا نادراً ...
إذاً هو الحرمان لأفراد نشئوا وترعرعوا على نمط المحبة والإلفة والمودة فأسعد الأوقات وأطيبها في حياتهم اجتماع أفراد الأسرة على مائدة واحدة ملونة بأطباق لذيذة أو سهرة جامعة متنوعة حيث تفيض الأنفس فرحاً وسروراً وابتهاجاً .. فهل نجد المخرج بعد حين ...؟ ربما !!
خطورة الغربة تلك الآثار الجارحة للنفس البشرية حيث تحرمك من الفرح والبهجة والحزن حيث تـَضْـن عليك بلحظات الوداع الأخير لكثير ممن تحب يفارقون الحياة دون تمكنك من حفر بصمات الألم على صفحات قلبك رغم الأسى الذي يغمرك حين تتلقى نبأ وفاتهم وكثيراً ما ينتابك شعور بأنهم أحياء وهم أموات عند ربهم يرزقون ...!!
أيتها النجوم الساهرة في الفضاء البعيد وقد جعلك الله منارة لترشدي الضالين في لج البحار والمحيطات أرسلي أشعتك بهدى الرحمن وبركته ورعايته ليعود كل مشتاق إلى وطنه وأهله وأحبائه ...
يا رب يا عالم بما في الصدور وفق عبادك ليعودوا إلى أوطانهم غانمين سالمين ...
هكذا أتذوق طعم مرارة البعد عن أبنائي الأحبة تلامسها حلاوة تخرجهم وتصميمهم للانطلاق نحو المستقبل بخطىً ثابتة لبناء مراكبهم والمساهمة الجادة في بناء الوطن ..
هكذا جئنا نعانق نور الشمس فسرقت لون بشرتنا الشقراء ومنحتنا شيئاً من السمرة ....!
رافقنا النمو العمراني وازدهار الأسواق وشق الطرقات التي لم يصاحبها بناء الإنسان المنتج وإيجاد الغني القادر على تخفيفي أعداد العمالة الوافدة ..
الأنظمة والقوانين لا تحل المعضلة ,, بل التوعية والعلم والتمرين والشعور بالمسؤولية أي فهم المصلحة لتحريض الإرادة
نصحو ونمشي لمتابعة أعمالنا لا ندري أي الأقدار في انتظارنا ...
نبني المساجد ونشيد العمران ونرفع المنارات لنأخذ ما يسد حاجتنا وقد أو ربما نوفر القليل لشيخوختنا ...!
في الليل نرتاح من الضجيج نناجي رب السماوات والأرض بدعاء من القلب أن يجنبنا شرور أنفسنا وأن يمنحنا الصبر والسكينة في مِـحَــنـنـا وحركتنا ويجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه ويوفقنا لما فيه خير المجتمع
رياض مالك 15/12/2007
يولد الفرد وينمو وبين جوانحه , وفوق رموش أهدابه , وعلى ذيل أثوابه , وتحت ثنايا صدره , وفي عمق وجدانه , تتعمشق ذرات من تراب بلاده ...
وبين مرارة الواقع وحلاوة الغد ينطلق شبابنا في رحلة اغتراب سعياً للتغيير وتبقى عيونهم شاخصة في وجوه أهلهم وأحبتهم وأصدقائهم وخلانهم وجيرانهم ... فأي بشاعة وأي فظاعة وأي مرارة يوم نقتلع الفرد من محيطه الطبيعي وجذوره عالقة ومتشبثة في ذرى بلاده ! ليواجه محيطاً اصطناعياُ بكل ما فيه ...؟
ببساطة ومزيج من الجبرية والاختيار نرمي به في صحارى لا حياة فيها .. بقصد التحصيل ورفع مستوى الحياة وتحسين الدخل فتتحول حركته إلى حركة آلية " ميكانيكية " أجمل ما فيها رؤية الإنجازات تتحقق يوم يحوَِل النظريات إلى واقع ,, وأبشع ما فيها انفصال الروح عن الجسد وأن كل ما تبدعه عقولنا النيّرة وأيادينا الماهرة لا يُسب إلينا ولا يدخل في سجل أحداثنا ..إنما يُكافئ بتعويض مادي لا يوازي حجم الجهود المبذولة ...!
حب كبير لسوريانا بلغ حد الهيام وأمل كبير ببزوغ فجر جديد يُنبئ وحدتها وخلاصها من اليهود المغتصبين لجزء من وطننا واستئصال هذا الورم الخبيث .. واستعادة ما اقتطع من أجزاء غالية على قلوب السوريين بالإقناع والقانون ... أو بالقوة .
كل أب يعشق أبناءه ويتمنى لهم الخير ويحاول بقاءهم أمام ناظريه أطول وقت ممكن وفي صراع داخلي بين الرغبة والعواطف وبين ما هو أفضل لمستقبلهم اخترت عودتهم لوطنهم الأم وربطهم بمحيطهم وتعلقهم بحب الوطن ومعرفة معنى المواطنة الصالحة المتوجة بجني المعرفة وتحصيل العلوم في مدارس الأمة وجامعاتها ليساهموا بنقل المجتمع من الضعف إلى القوة ومن الجهل إلى المعرفة والفهم ..
فنالوا ما تمنيت وجعلوا همهم مصلحة الأمة فوق كل مصلحة وخسرت الكثير مقابل ذلك ... رعايتهم والسهر على راحتهم .. مراقبة نموهم وقراءة التطورات على وجوههم واقتباس النور من لمعان عيونهم ومشاهدة حركاتهم وخلجاتهم وضمهم إلى صدري وتأمين الشعور لهم بالأمان مع دفق من العطف والحنان ,,, ولكن شريكة الحياة والأم الرؤوم لم تبخل ولم تقصر بتقديم أجود ما لديها لتعويضهم وتوجيه دفة المركب في الاتجاه الصحيح ..
كان لا بد من التنازل عن أشياء مقابل أخرى فتحولت أغلب جوانب الحياة إلى جزئيات يحار الفرد في قراراته ,, والنتيجة الطبيعية مرارة البعد وحلاوة تأمين الأفضل فالغاية تأمين الطريق لبلوغ التعليم الجامعي والتخصص إن أمكن .. أعتقد أنــه شكل من التفاني أن يرضى الأب الحياة بعيداً عن أبنائه لقاء حياتهم بشكل طبيعي ... وأجمل
ربما استطاع البعض بناء صروح وأمجاد دون اغتراب معتمدين على قواعد انطلاق , ولكن أن تخرج من تحت التراب لتواجه التحديات وتقتحم الحواجز وتخترق الصعاب وأنت شبه عاري وفي أحسن الأحوال نصف مكسي تستعير ثياب أقربائك لأخذ صورة جامعة مع أشقائك لترسلها إلى الكويت للأخ الأكبر الذي هاجر مكافحاً في سن المراهقة ليسد فراغ غياب الأب المبكر وتركنا لأم صبية لا تملك إلا الإصرار والإرادة الصلبة تناضل وتشقى لنبقى أحياء ...
أعتقد بل أجزم بأن فرص أمثالنا نادرة ولكن واقع بلدتنا النبك الغالية والقريبة من نفسي والساكنة في فؤادي رغم تصحرها وشح مياهها وجفاف ينابيع أنهارها وشدة بردها وقلة مواردها ساهمت بكل فخر واعتزاز بتقديم المال والأنفس لتحرير الأرض من نير المستعمر الفرنسي بمعارك يشهد لها التاريخ مطرزة بخيوط لونها لون دم وريحها ريح مسك تفوح من دم شهداء الواجب ...
كبرنا وكبر الأولاد ترافق ذلك مع السعي الحثيث لمنع هجرتهم سعي أزهر ولم يثمر ... واليوم أقف محدقاً بالأفق البعيد ناظراً بعين مجردة إلى هذا الواقع الجديد الذي فرض هجرة ثلاثة من أبنائي , والرابع يكمل تحصيله الجامعي منتظراً فرصة الاغتراب ... فأي سبل الحياة لازمتنا وكيف نبدل المنهج لشق الطريق والانتصار على هذا الواقع ...؟
غادرت الوطن منذ سنة ونصف ونيف تاركاً خلفي بيتاً أحبه وأسرة كل ما فيها جميل وكل خلاياها تسكن وجداني وتكمن في خلدي رمتني الديون خلف الحدود , رغم أنها أقل من الديون المستحقة لي عند الآخرين ...!
إشكاليات جديدة تظهر كل يوم أهمها زواج الأبناء وإيجاد مسكن لهم واجتماع الأسرة كاملة ولو مرة واحدة في العام أصبحنا بحاجة إلى تنظيم إجازات الجميع في وقت محدد هذا قد لا يتحقق إلا نادراً ...
إذاً هو الحرمان لأفراد نشئوا وترعرعوا على نمط المحبة والإلفة والمودة فأسعد الأوقات وأطيبها في حياتهم اجتماع أفراد الأسرة على مائدة واحدة ملونة بأطباق لذيذة أو سهرة جامعة متنوعة حيث تفيض الأنفس فرحاً وسروراً وابتهاجاً .. فهل نجد المخرج بعد حين ...؟ ربما !!
خطورة الغربة تلك الآثار الجارحة للنفس البشرية حيث تحرمك من الفرح والبهجة والحزن حيث تـَضْـن عليك بلحظات الوداع الأخير لكثير ممن تحب يفارقون الحياة دون تمكنك من حفر بصمات الألم على صفحات قلبك رغم الأسى الذي يغمرك حين تتلقى نبأ وفاتهم وكثيراً ما ينتابك شعور بأنهم أحياء وهم أموات عند ربهم يرزقون ...!!
أيتها النجوم الساهرة في الفضاء البعيد وقد جعلك الله منارة لترشدي الضالين في لج البحار والمحيطات أرسلي أشعتك بهدى الرحمن وبركته ورعايته ليعود كل مشتاق إلى وطنه وأهله وأحبائه ...
يا رب يا عالم بما في الصدور وفق عبادك ليعودوا إلى أوطانهم غانمين سالمين ...
هكذا أتذوق طعم مرارة البعد عن أبنائي الأحبة تلامسها حلاوة تخرجهم وتصميمهم للانطلاق نحو المستقبل بخطىً ثابتة لبناء مراكبهم والمساهمة الجادة في بناء الوطن ..
هكذا جئنا نعانق نور الشمس فسرقت لون بشرتنا الشقراء ومنحتنا شيئاً من السمرة ....!
رافقنا النمو العمراني وازدهار الأسواق وشق الطرقات التي لم يصاحبها بناء الإنسان المنتج وإيجاد الغني القادر على تخفيفي أعداد العمالة الوافدة ..
الأنظمة والقوانين لا تحل المعضلة ,, بل التوعية والعلم والتمرين والشعور بالمسؤولية أي فهم المصلحة لتحريض الإرادة
نصحو ونمشي لمتابعة أعمالنا لا ندري أي الأقدار في انتظارنا ...
نبني المساجد ونشيد العمران ونرفع المنارات لنأخذ ما يسد حاجتنا وقد أو ربما نوفر القليل لشيخوختنا ...!
في الليل نرتاح من الضجيج نناجي رب السماوات والأرض بدعاء من القلب أن يجنبنا شرور أنفسنا وأن يمنحنا الصبر والسكينة في مِـحَــنـنـا وحركتنا ويجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه ويوفقنا لما فيه خير المجتمع
رياض مالك 15/12/2007